وكالة أخبار المرأة - 7/28/2026 12:02:21 AM - GMT (+3 )
نشعر بالإرتياح لتعبير طبيعي، كأن توازن الحياة والأفراد يُقاس بهذه الكلمة لأننا جميعاً نرغب أن نكون طبيعين وأن يكون من حولنا كذلك.
ولكن الطبيعة تأتي لتُعلمنا أن الطبيعي قد يكون خطيراً بل وجارفاً، نحب جميعاً مراقبة الأمواج وهي ظاهرة طبيعية ولكنها وبلحظات تتحول إلى أمواج عاتية تجرف كل شيء أمامها أو تسونامي يُغرق البشر والبيوت، نحب جميعاً مراقبة البحر ونستمتع بجماله الآخاذ ولكننا ننسى أنه هناك بعد مسافة ما بعيداً عن الشاطيء قد تنكسر الأرض ويجد الغواص نفسه في حفرة لا يقل عمقها عن خسمون أو مائة متر، نحب جميعاً الأشجار ولكنها وخلال سنوات قد تكسر الأسمنت المُحيط بها بل قد تهدم الأسوار، ونحب جميعاً المطر ولكنه قد يتحول لقوة ساحقة، وهناك حشرات صغيرة جداً وجودها طبيعي في حياتنا ولكنها قد تقتل شاب بكامل قوته وعافيته، كل شيء في الطبيعة يبدو هادئاً وانسيابياً ولكنه وبلحظات يتحول لخطر داهم.
ونحن البشر لا ننفصل عن الطبيعة، فكم منا يعتقده الآخرون طبيعياً ومتوازناً وبلحظة ما يفقد ذلك التوازن ويقلب كل المعايير، نعتقد أن الحب هو أجمل وأنبل علاقة ولكنه من أشد العلاقات فتكاً حين يتحول الحب إلى حقد وإنتقام، حتى علاقة الأمومة والأبوة لا تسلم من هذا الإنقلاب المُفاجيء في الطبيعة أو بالأحرى في طبيعة البشر.
الطبيعة تتقبل وبهدوء مُبهر هذه التغييرات وهذه المخاطر، فمبجرد أن يزول الخطر تعود الحياة لهدوئها وبساطتها وكأنه لم يكن هناك شيء ما في الأمس؛ فقط الإنسان يرفض خطورة الأشياء، يرفض تقلبات من حوله، فالضرر الذي يصيبه يأخذ حيز من الزمان ومن المكان، لا ينسى ذلك الحدث الخطير لأيام وسنوات بل ربما مدى حياته، الإنسان هو أكثر مخلوق تشبثاً بالصور التي رُسمت له بطفولته وأن الأشياء لابد أن تكون بهذه الصورة أو بتلك، كأنه هناك كاتالوج نفسي وفكري تم أرشفته في دماغه بأن الأشياء والأشخاص لابد أن يكونوا هكذا أو كذلك؛ فيبقى مُتصلباً في المواقف، متعنتاً في الرأي، حتى حين يواجهه الواقع بتغيرات جذرية وحتى حين يرى أن العالم من حوله ليس مثل الصور التي تراكمت في خياله يرفض قبول أن العالم من حوله ليس صور بل متغيرات ومتحولات وأن أكثر عناصر هذا الكون تقلباً وتغيراً هو الإنسان.
لقد أخبرنا الله تعالى في الآية الكريمة:( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) فالحياة هي هذا الفيضان الذي لا يتوقف مما يفوتنا ومما يأتينا، مما يُسعدنا وما يُحزننا، وتكمن معاناة الإنسان الحقيقية ليس بما يفقد بل بما يتشبث به ويرفض أن يستسلم لمقادير الله وتصريفه في كل ما بهذه الحياة.
هذا التشبث بالأشياء والأشخاص، الصور والممتلكات يُعطي شعوراً مؤقتاً بالأمن والإطمئنان، ولكن الحقيقة الثابتة وسط كل هذه المُتغيرات هي أن كل ما نراه طبيعياً قد يتحول لشيء خطير، لشيء لا نحبه، قد نفقد تلك الممتلكات والأشخاص، قد تختلط الصور، قد يتغير من حولنا قد تتدمر الأشياء، فأين الأمن في حياة رغم كونها طبيعية إلا أنها تحمل بطياتها الخطر والمفاجأة؟
لا أمن بهذا الوجود إلا بالثقة بالله تعالى، والإيمان الكامل بأننا معرضون لإمتحانات سهلة أو صعبة مثل ذلك الكسر العميق وسط البحر، حيث نسبح بهدوء وإستمتاع فتأتي تلك الحفرة السحيقة لندرك أننا مُحاطون بالخطر. ففي كل جوانب الحياة مهما كانت بسيطة وروتينية قد يحصل شيء يقلب كل شيء، ولهذا لا يمكن للقلوب أن تطمئن إلا بذكر الله، ولهذا من الحكمة أن يسير الإنسان بهذه الحياة دون تشبث بالأشخاص أو الأشياء لأن المعاناة الحقيقية ليست فقدها ولكن عدم قبول ذلك الفقد، المعاناة الحقيقية ليست تشوه الصور بل التشبث بالصور التي نرسمها بأنفسنا.
الحقيقة هي أن مُصطلح طبيعي هو تعبير محدود ولا يعكس حقيقة الأشياء ولا جمالها، الحقيقة هي أننا أيضاً نتقلب ونتغير، وأننا نكتشف أنفسنا في كل موقف وفي كل مرة، وأننا جزء من الطبيعة التي تُخفي مفاجأت لا نهاية لها، لذلك نحن لا نعرف بعضنا البعض بشكل كامل بل نحن نتعرف على بعضنا البعض بشكل متواصل.
إقرأ المزيد


