وكالة أخبار المرأة - 7/27/2026 11:50:04 PM - GMT (+3 )
منذ سنوات طويلة والأطباء النفسيون، والمحللون الاجتماعيون، المدرسون ومن يجدون في أنفسهم القدرة أو التوهم على حل مشاكل الناس، جميعهم يشتركون في الحديث عن المشكلة وإيجاد الحلول وجميعهم يشتركون في نقطة أساسية وهي أن الظروف في الغالب هي سبب المشكلة، وأنه إذا تغير ظرف الإنسان سوف تتحسن أموره النفسية والاجتماعية.
ولكن وحين نستمع إلى الكم الهائل من المشاكل المتنوعة التي يعاني منها أصحابها، نلتفت إلى نقطتين أساسيتين وهما: أن المشاكل جزء من الحياة وأنها تُشكل عامل نضج هام في التاريخ البشري، وأننا في عالمنا المعاصر نرفض مشاكلنا رفضاً تاماً فننتقل من البحث عن حل للمشكلة إلى بذل كل طاقتنا في محاربة المشكلة والتذمر منها، وخلخلة ما بقي مستقر في حياتنا عبر ذلك الرفض والتذمر والشكوى التي لا تنتهي، عدم نضجنا النفسي المعاصر، وعدم امتلاك الثقافة النفسية والفكرية التي تمنح الانسان القدرة والمرونة على حل مشاكله أو التكيف معها يجعل من هذه المشاكل أكثر تفاقماً وتعقيداً، ثم هناك الرفض النفسي لها وأن الحياة لابد أن تكون شيئاً سهلاً وممتعاً رغم أنها بعيدة عن ذلك لأنها في جوهرها دار ابتلاء.
أما النقطة الثانية، فهي أنه هناك أشخاص لا يمكن حل مشاكلهم دون إعادة برمجة أدمغتهم، لأنها أدمغة تم شحنها بمعلومات خاطئة، بمشاعر سلبية، بعدم واقعية عما يدور حولها، بمنطق يطلب من الآخرين أن يكونوا حسب الطلب كم يطلب وجبة جاهزة، والبشر ليسوا وجبات جاهزة بل هم بشر يتغيرون ، يكرهون، يحبون، يحقدون يبتعدون أو يدمرون، وهناك أدمغة لا تقبل هذه الحقيقة وتريد أن يكون هذا العالم بقعة مثالية من الحب والرومانسية من العطاء والتضحية، فيصطدمون وفي كل المواقف بواقع الحياة، وتتحول الصدمة إلى مشكلة ثم إلى مشكلة ثانية ثم ثالثة ولا تنتهي الصدمات لأن ذلك الدماغ لابد من إعادة برمجته ليتقبل واقع الأمور.
والمشاكل التي تستعصى على الحل هي لأصحاب هذه العقول التي لا تتطابق برمجتها مع معطيات الحياة، كزوجة تطلب من زوجها ما لا يستطيع ثم تختلق المشاكل لأنه لا يستطيع وهي تزوجته من البداية وهي تعلم أنه لن يتمكن من أن تلبية أغلب رغباتها. أو كمن يجد عمل جيد ثم يصطدم بواقع السوق والمنافسة والمؤامرات فيرفض ذلك العمل لأنه مثالي ولأن برمجة عقله لا تتطابق مع واقع العمل. أو كمن يعيش في قوقعة مغلقة لأنه لم يعد يستطيع أن يتعامل مع الناس الجشعين والكاذبين والسيئين...
أمثلة عديدة لا حصر لها على صعيد الفرد، ولكن نظرية إعادة البرمجة تنطبق على الشعوب وهنا تكمن خطورة الدماغ العام لأمة ما، فالشعب الذي تمت برمجته على أنه فقير وضعيف وأنه لا يستطيع أن ينافس أو أن يقاوم، وأن تاريخه مشوه وأن ثقافته مرفوضة، وأن دينه "متخلف" هويته بدائية، هذا الشعب مستحيل أن ينهض لأن برمجته تم بناءها على الفشل الذريع وعلى الشعور بالخزي في أي مجلس وأمام أية أمة أخرى.
لهذا نحن نحتاج قبل البحث عن الحلول أن نُدقق إن كان العقل الذي أمامنا يدرك واقع الحياة أم أن برمجته تسير في اتجاه بعيداً عن الحياة بل ويتعارض مع الحياة. هناك فرق كبير بين مشاكل تحصل بسبب الظروف المادية والاجتماعية ومشاكل تحدث بسبب عقول تحتاج لبرمجة جديدة، وهذه ليست مبالغة بل حقيقية موجودة ويكفي أن يجلس أي منا ليستعرض الأشخاص الذين عرفهم في حياته أو من حوله ليدرك على الفور أنه هناك فعلاً من يعيش خارج دائرة الواقع وأن حل مشكلته يكمن في إعادة برمجة دماغه ببيانات واقعية حقيقية بعيدة عن الوهم والهوى والاستنكار لكل ما يخالف مفاهيمه عن الحياة.
وأخيراً، من أجمل العقول البشرية هي تلك العقول التي فهمت أن الحياة أغلبها واجبات ومسؤوليات، وأنها وفي كل يوم في مواجهه مع وضع جديد أو حدث جديد وأنها أدركت أن جزء من النضج في الحياة هو حل مشكلاتها، وألا تغرق في ذاتيتها الأنانية، وهي عقول ضحت بسعادتها الذاتية لأجل من حولها، تمر في الحياة مرور الضيف الكريم، لا تطلب من الحياة الكثير ولكنها تعطي الكثير، لا تتذمر، لا تشكي، تشكر كل شيء وتحب أغلب الأشياء وما لا تحبه تتجاهله، عقول فهمت وأدركت أن هذه الحياة دار ابتلاء فمضت بها بصبر ويقين بأن الله قادر على كل شيء، وبرمجت عقولها بالتوكل على الله مع بذل الجهد البشري المطلوب منها، عقول تبدو كأشجار وارفة نستظل تحتها فإن لم تعطنا الثمار أعطتنا الظل والسكينة؛ فنحن قد لا نستطيع حل كل مشاكلنا ولكننا نستطيع وبالتأكيد أن نتعايش مع مشاكلنا وندرك أنه لا أحد بهذه الحياة إلا ولديه مشكلة ما وهذا جزء من الحياة وجزء من اختبار الله تعالى لنا بها.
إقرأ المزيد


