قراءة نقديّة في مسرحيّة "ليلي قرطبة" للدّكتور عبد الحكيم الزّبيديّ ... ليالي قرطبة: كتابة التّاريخ بلغة المسرح .. بقلم د. دورين نصر
وكالة أخبار المرأة -

يبدأ الفعل المسرحي حين يُوضَع الماضي حيّز تفكيك داخل الحاضر. ومسرحيّة «ليالي قرطبة» لعبد الحكيم الزبيدي تندرج ضمن نمطٍ من الكتابة لا يتعامل مع التاريخ باعتباره مادّةً مكتملة، بل باعتباره صراعًا يُعاد توليده في زمنٍ آخر. لذلك تتّجه هذه الدّراسة إلى النصّ نفسه: بنيته، وتقطيعه، وإرشاداته، وإيقاعه، وما يقترحه من فعلٍ قبل أن يُرفع السّتار.

كما تتعامل القراءة مع النصّ المسرحيّ باعتباره نظامًا دلاليًّا مستقلًّا، تُنتِج فيه الإضاءة والموسيقى والجوقة والحركة معنى يوازي الحوار في الأهمّيّة. فتنطلق المقاربة من دراسات قراءة النصّ المسرحيّ عند آن أوبرسفيلد وباتريس بافيس، مع الاستناد إلى مفهوم بيتر بروك للمسرح، حيث تقوم القوّة المسرحيّة على توتّر العلاقة بين الفراغ والعلامة والفعل.

بالتالي تنبع أهمّيّة «ليالي قرطبة» من قدرتها على نقل المسرح التّاريخيّ من السّرد التّفسيريّ إلى البناء الدّراميّ الفعليّ: جوقة تحاور المتلقّي، وفضاء مزدوج يضع الحاضر في مواجهة الماضي، وإرشادات دقيقة للضّوء والصّوت، واختزال رمزيّ يجعل السّجن صورةً مرئيّة للفكرة المركزيّة. هكذا تتحوّل قرطبة من مدينةٍ تاريخيّة إلى نصّ مسرحيّ تظهر فيه علاقة الشاعر بالسّلطة، والمعرفة بالقوّة، والحبّ بالمصير.

وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن السّؤال الآتي:

كيف يُحوّل نصّ «ليالي قرطبة» المسرحيّ المادّة التّاريخيّة إلى فعلٍ دراميّ حيّ عبر تقنيّات الفضاء، والجوقة، والإضاءة، والمونتاج المشهديّ؟

استنادًا إلى ذلك، ارتأينا تقسيم هذه الورقة النقديّة ثلاثة أقسام :

  • القسم الأوّل: الإطار النّظريّ وأدوات القراءة (أوبرسفيلد في قراءة النصّ المسرحي – بافيس ودراماتورجيا النصّ – بروك والمسرح الحيّ – السيميائيّة المسرحيّة).
  • القسم الثّاني: البنية التّقنيّة للنصّ في "ليالي قرطبة" (بناء الفضاء – الجوقة – الضّوء والموسيقى – تنظيم المشاهد).
  • القسم الثّالث: الصّراع والمغزى الدّرامي (المونتاج الدّرامي – صورة السّجن – تحوّل التّاريخ إلى فعلٍ مسرحيّ).
القسم الأوّل: الإطار النظريّ وأدوات القراءة

تنطلق هذه الدراسة من النظر إلى «ليالي قرطبة» باعتبارها نصًّا يكتب مسرحيّته من داخله، ويقترح طريقته في الظهور قبل أن يصل إلى الخشبة. ومن هذا المنطلق تتأسّس القراءة على تتبّع ما يقوله النصّ في كلامه، وما يلمّح إليه في إرشاداته، وما يفتحه من إمكانات للفعل والفضاء والإيقاع. فالمسرحيّة لا تكتفي بتقديم حدثٍ تاريخيّ، بل تُنظّم شروط حضوره المسرحيّ، وتُعدّ المتلقّي لرؤيته منذ الصفحة الأولى.

بالتالي، تنطلق هذه المقاربة من اعتبار النصّ مشروع عرضٍ كامل، تظهر فيه الكلمة والحركة والضوء والصوت داخل شبكة واحدة تُنتج الدلالة. وبناءً عليه تُقرأ الإرشادات في «ليالي قرطبة» باعتبارها جزءًا من المعنى، لا ملاحظات تقنيّة هامشيّة. وتُبنى أدوات القراءة في هذا القسم بما يخدم تحليل اشتغال النصّ نفسه.

يتّصل هذا المنظور بما تقترحه آن أوبرسفيلد في قراءة النصّ المسرحيّ، حيث يتكوّن المعنى من تفاعل الكلام مع الفضاء، ومن توزّع الشخصيّات في المكان، ومن إيقاع الدخول والخروج، لا من الحوار وحده. ويتيح هذا المدخل قراءة مشاهد الافتتاح في المسرحيّة، وتوزيع الجوقة، وتحديد مواقع الشخصيّات في الفضاء، بوصفها عناصر تبني الدلالة قبل أن تنطق الشخصيّات بكلمة.

ويتكامل ذلك مع تصوّر باتريس بافيس لدراماتورجيا النصّ، حين يرى أنّ المسرحيّة الجيّدة تكتب عرضها ضمنًا، وتقترح على الخشبة إيقاعها ومسارات نظر المتلقّي ومناطق التوتّر. فحين يحدّد الزبيدي تعتيمًا تدريجيًا، أو موسيقى أندلسيّة حزينة، أو تركيز ضوء على قفصٍ في مركز المسرح، فإنّه يرسم بنية المشهد، ويحدّد طريقة تلقّيه قبل أي تنفيذ إخراجيّ.

أمّا مفهوم بيتر بروك للمسرح الحيّ فيقدّم أداة حاسمة لفهم روح هذه المسرحيّة؛ فالقوّة المسرحيّة تولد من الاختزال في الوسائل، ومن خلق توتّرٍ بين فراغٍ مقترح وعلامةٍ دقيقة وفعلٍ مكثّف. وهذا ما يظهر في «ليالي قرطبة» حين يوضع الحاضر في مواجهة الماضي عبر جوقة بملابس معاصرة، أو حين يُختزل السجن في قفصٍ مُضاء داخل فضاء شبه خالٍ. فتصير العلامة البسيطة حاملة لفكرةٍ كاملة.

ويكتمل هذا الإطار بأفقٍ سيميائيّ يرى أنّ كلّ عنصر فوق الخشبة علامة: الضوء، الموسيقى، حركة الدخول، الصمت، القفص، وحتّى طريقة وقوف الشخصيّات. وبهذا تُقرأ المسرحيّة كمنظومة إشارات تُنتج الدلالة بقدر ما تُقدّم الحكاية.

بهذه الأدوات لا يقف الإطار النظريّ خارج النصّ، بل يعمل من داخله، ويُمهّد لتحليل البنية التقنيّة في «ليالي قرطبة»، حيث يتحوّل التاريخ إلى فعلٍ مسرحيّ حيّ، لا إلى سردٍ مستعاد.

القسم الثاني: البنية التقنيّة للنصّ في "ليالي قرطبة"

تفتتح المسرحيّة بمشهدٍ تمهيديّ تتقابل فيه مجموعتان تدخلان من يمين الخشبة ويسارها، مع إشارات صريحة إلى اختلاف الأزياء والإيحاء الزمنيّ. هذا التقابل لا يقدّم خلفيّة زخرفيّة، بل يؤسّس منذ اللحظة الأولى فضاءً مزدوجًا: حاضرٌ يراقب، وماضٍ يُستدعى للمساءلة. إنّ التاريخ هنا يُستحضر ليُعاد تشكيله داخل زمن العرض.

بهذا التقابل للشخصيّات داخل فضاءٍ مفتوح، تتوضّح الدلالات من هيئة الحضور، فيتحقّق ما وصفه بيتر بروك بخلق الفضاء من الفراغ: أقلّ الوسائل البصريّة، وأقصى طاقة دلاليّة. فالمكان لا يشغله الديكور، بل يُشحن بالتوتّر الناتج عن توزيع الحضور واتّجاهات النظر، بما يجعل الفضاء نفسَه جزءًا من إنتاج المعنى قبل بدء الحدث.

الجوقة: المتلقّي داخل النصّ
في مشهد الافتتاح تظهر الجوقة بوظيفتها الكاملة داخل المسرحيّة:
"يا ويح ابن زيدون
ماذا جنيت على نفسك؟
كيف وصلت إلى هذا الدرب المسدود؟
أخبرونا أيّها الثقات
علّنا نجد العظات"
(بداية النص المسرحيّ – ص 87).

بهذا النداء تنتقل سلطة الحكي من راوٍ مفترض إلى جماعة تطلب المعرفة. ويُستدرج المتلقّي ليشعر أنّه شريك، وليس متفرّجًا سلبيًّا. أمّا الجوقة فهي صوت المتلقّي داخل النصّ، تراقب وتستفهم وتطالِب، فتؤسّس منذ البدء مسافة تأويليّة بين زمن العرض وزمن الحكاية. وهنا لا تُقدَّم الحكاية التاريخيّة كما هي، بل تُعاد صياغتها أمام المتلقّي عبر توقه إلى المعرفة. ما يعيدنا إلى التقديم النقدّيّ للكتاب حين أشار الدكتور هيثم إلى أنّ المؤلّف «ترك للقارئ المتلقّي لذّة الاستشفاف قبل الاكتشاف»، ما يؤكّد الوظيفة التي تنهض بها الجوقة داخل المسرحيّة.

انتقال المشاهد: من الجماعة إلى السلطة

بعد العتبة الجماعيّة، ينتقل النصّ إلى فضاء القصر عبر حركة دخول بسيطة:

"علي: معذرة يا مولاي، ابن حيان بالباب يستأذن في الدخول.

ابن زيدون: دعه يدخل يا علي.."

بهذا الانتقال ينحسر صوت الجماعة، ويظهر صوت السلطة. لا يحدث التحوّل عبر شرحٍ سرديّ، بل عبر حركة في الفضاء وتبدّل في مواقع الشخصيّات.

الضوء والموسيقى

يعاد تشكيل الزمن التاريخيّ في مشاهد المؤامرة من خلال العرض داخل النصّ بوضوح:

"يُعتّم المسرح ويتركّز الضوء عليهم، وتصدح موسيقى خافتة بأغنية

جادك الغيث إذا الغيث همى... حتّى تكتمل إنارته رويدًا" (ص 111).

الموسيقى تستدعي ذاكرة الأندلس، والضوء يكشف خيوط الخيانة. بهذا لا يعود الزّمن التاريخيّ معطًى جاهزًا، بل يصبح زمنًا يُعاد إنتاجه أمام المتلقّي: جمال الماضي يُستحضر في اللّحظة نفسها التي يولد فيها سقوطه. هذه مفارقة مسرحيّة تعيد إنتاج التاريخ بدل نقله. بهذا يتحوّل الضوء والموسيقى من عناصر مرافقة إلى أدوات بناء دلاليّ، تقود انتباه المتلّقي وتوجّه قراءته للمشهد. وتكشف هذه المعالجة عن وعي بتقنيّات المسرح الحديث، حيث تُكتب الصورة السمعيّة والبصريّة داخل النصّ لتصنع المعنى.

تدرّج الفعل: بناء السقوط بدل روايته

يتقدّم النصّ عبر وحدات قصيرة متصاعدة: لقاء، وشاية، مؤامرة، اعتقال. بهذا لا تُروى مأساة ابن زيدون، بل تُبنى أمام المتلقّي خطوةً خطوة. بهذا التدرّج المشهديّ يتقدّم الحدث عبر أفعال مرئيّة متعاقبة، فينشأ الإيقاع من الحركة لا من السرد. وتكشف هذه البنية عن توظيف واع لتقنيّة المونتاج المسرحيّ، حيث تبنى الدلالة من تعاقب الصور والفعل المتصاعد.

صورة القفص: اكتمال إعادة الإنتاج المسرحيّ للتاريخ

في الخاتمة تبلغ إعادة تشكيل التاريخ ذروتها. لا وصف مطوّل للسجن، بل صورة واحدة: قفص في مركز الخشبة، ضوء مسلّط، شاعر محاصر داخل الفراغ. هنا لا نقرأ حدثًا تاريخيًّا، بل نراه متحوّلًا إلى علامة بصريّة مكثّفة. الفراغ حول القفص يُضخّم العزلة، والضوء يحوّل الحضور الإنسانيّ إلى رمز، والصمت يقول ما لا يقوله الحوار. وتتحوّل الّلقطة الختاميّة إلى خلاصة بصريّة للصراع كلّه وتجمع في لحظة واحدة مسار الشاعر والسلطة والمصير.

ومن هنا ينتقل السؤال في القسم الثالث من: كيف بُني الفضاء؟ إلى: ما المغزى من إعادة تشكيل التاريخ بهذه الطريقة؟

القسم الثالث: الصراع والمغزى الدراميّ في «ليالي قرطبة"

ينتقل السؤال المركزيّ من «كيف يُبنى العرض؟» إلى سؤال «ما الذي يُقال من خلاله؟». هنا يتقدّم الصراع الدراميّ على أنّه اختبار لفكرةٍ كبرى: علاقة المعرفة بالسلطة، والشاعر بالحكم، والحرّيّة بالنظام.

لا يُقدَّم ابن زيدون في المسرحيّة مجرّد شخصيّة تاريخيّة، بل يتحوّل إلى وظيفة دراميّة. حضوره داخل فضاء السلطة، ثمّ إخراجه منه، يرسمان مسارًا رمزيًّا: انتقال الكلمة من موقع القوّة إلى موقع الحصار. بهذا تُعاد كتابة التاريخ من زاوية سؤالٍ معاصر: ماذا يحدث حين تُواجه الكلمة السلطة؟

يتشكّل الصراع على مستويين متداخلين:

المستوى الأوّل سياسيّ، حيث تنكشف المؤامرة، وتُبنى خيوط الوشاية، وتعمل السلطة على تطويق الصوت الذي يربك توازنها. والمستوى الثاني رمزيّ، حيث يُقاس مصير الشاعر بمصير الحرّيّة نفسها. بهذا لا تكتفي المسرحيّة بإعادة سرد حادثة تاريخيّة، بل تُعيد إنتاجها باعتبارها بنية صراع قابلة للتكرار في كلّ زمن. وفق قراءة أوبرسفيلد، لا ينفصل هذا الصراع عن تنظيم الفضاء؛ فكلّ انتقال مكانيّ لابن زيدون، من مجلس الحكم إلى فضاء المؤامرة ثمّ إلى القفص هو انتقال دلاليّ في موقع الكلمة داخل المجتمع. ووفق بافيس، تُكتب هذه الانتقالات باعتبارها دراماتورجيا داخل النصّ، تجعل المتلقّي يرى الفكرة قبل أن يسمعها. أمّا من منظور بيتر بروك، فإنّ لحظة القفص الختاميّ تختصر معنى الصراع كلّه: جسد محاصر داخل دائرة الضوء، فراغ واسع حوله، صمت أقوى من الخطاب. بالتّالي، لا تحتاج المسرحيّة إلى خطبة سياسيّة، لأنّ الصورة تحمل الكثير من الدلالات.

بهذا المعنى، لا تنتهي «ليالي قرطبة» عند سقوط ابن زيدون، بل تبدأ به. فالقفص لا يغلق الحكاية، بل يفتح سؤالها: هل يُهزم الشاعر، أو تُهزم السلطة حين لا يبقى لها سوى قفصٍ يحرس الفراغ؟

ومن هنا ينكشف مغزى إعادة إنتاج التاريخ في المسرحيّة. فالعودة إلى الأندلس ليست حنينًا إلى ماضٍ جميل، بل وسيلة لطرح سؤالٍ حاضر: كيف يكون الصراع بين الفكر والقوّة؟ وكيف تتحوّل الكلمة إلى خطر يستدعي السجن؟

بهذا ينتقل النصّ من المسرح التاريخيّ إلى المسرح التأمّليّ؛ لا يقدّم معنى واضحًا، بل يترك المتلقّي داخل السؤال. وهنا يتحقّق ما يجعل «ليالي قرطبة» مسرحيّة لا تروي التاريخ، بل توظّفه للتفكير باللّحظة الحاضرة.

وعليه، يتجلّى الجديد في النصّ بأنّ الكتابة المسرحيّة تتضمّن تصوّر العرض نفسه. الإرشادات الدقيقة للضوء، والموسيقى، وتوزيع الحضور، والتعتيم، والفراغ المركزيّ، ترسم مسار التلقّي منذ الصفحة الأولى. هذا الأسلوب يضع النصّ في أفق الدراماتورجيا الحديثة حيث تتناغم الكلمة والصورة والصوت داخل شبكة واحدة.

ويظهر الجديد الثاني في توظيف الجوقة. فهي تفتتح السؤال، وتستدعي الحكاية، وتضع المتلقّي داخل دائرة الفهم. هكذا تتشكّل مسافة تأويليّة منذ البداية، ويصبح الجمهور طرفًا في إنتاج المعنى. هذا الاستخدام يمنح المسرحيّة طابعًا معاصرًا في إدارة التلقّي من دون الوقوع في خطاب تعليميّ مباشر.

أمّا الفضاء المسرحيّ فيقوم على الاختصار في العلامات. التقابل الحركيّ في الافتتاح، ثمّ اختزال السجن في صورة القفص المُضاء، يصنعان معنى كثيفًا بأدوات قليلة. يتحوّل الفراغ إلى عنصر فاعل، والعلامة البصريّة البسيطة تُنتج شبكة من الدلالات. هنا تلتقي المسرحيّة مع أفق المسرح الحديث الذي يجعل الصورة تنقل الفكرة إلى المتلقّي.

وفي بناء الصراع، تعتمد المسرحيّة على وحدات مشهديّة قصيرة متعاقبة، ما يصنع إيقاعًا بصريًّا، ويُنشئ المعنى من تعاقب الصور والأفعال. يتقدّم الحدث خطوة خطوة أمام المتلقّي، فتتجسّد المأساة كأنّها عمليّة بناء ولم تظهر كخبر جاهز.

وعليه، تُسجّل المسرحية إضافة مزدوجة:

إعادة تشكيل التاريخ داخل زمن العرض، وكتابة مسرحيّة تعي أدواتها وتستثمرها في إنتاج المعنى.

وهكذا تغدو ليالي قرطبة، المدينة الموغلة في التّاريخ، بناءً مسرحيًّا تُعادُ إنارتُها بتقنيّات الصورة والصوت والفضاء؛ فإلى أيّ حدّ تنجح هذه الأدوات في جعل التاريخ ليلًا يُرى، لا حكاية تحكى؟



إقرأ المزيد