يبحثون عن الله عبر تتبع ماضي النجوم.. الفاتيكان: مراصد فوق منزل بابا روما لفهم الكون من منظور الدين
هافنغتون بوست عربي -

"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، لعل هذا النص الإنجيلي كان السبب الذي دفع بعلماء يسوعيون تابعون للفاتيكان من أجل التفكر والتدبر في أحداث السماء، من خلال مراصد فلكية متطورة تبحث عن ساحة مشتركة تجمع بين الدين والعلم بالدليل العلمي.

العالم اليسوعي غاي كونسولمانغو هو مدير المرصد الفلكي التابع للفاتيكان وقائد جهود الكنيسة الكاثوليكية لتمويل بحوث فلكية مهمتها الرئيسية دراسة ما يدور في السماء والإجابة عن أسئلة لطالما حيَّرت البشرية: لماذا وكيف ومتى وأين؟

يقول كونسولماغنو "نحن بشر، ونحتاح لتغذية أوراحنا وفضولنا وحبنا للجمال وحس العبادة". لا يفصل غاي العلم عن عبادته، بل يربطهما معاً ويقول: "يمكنك أن تكون عالماً ومتديناً.. لا تعارض بينهما".

وينضم إلى جهود كونسولماغنو 8 رهبان يسوعيون آخرون يبحثون مثله عن تفسير علمي للأمور. يعملون جميعاً تحت إدارة الكنيسة الكاثوليكية، ويدرسون ملفات عدة من النيازك المريخية إلى نظرية الكم، إلى الكويكبات الصغيرة.

تركز نصف أبحاثهم تقريباً على النجوم؛ إذ يدرس العالم كريس كوربالي مثلاً النجوم المميزة والغريبة، أما ريتشارد دي سوزا فيدرس الضوء الخارجي للمجرات، ودايفيد براون النجوم القزمة، وفق ما أشارت مجلة Sky at Night البريطانية والمتخصصة بمستجدات العلوم والأبحاث الفلكية.

يبحث دي سوزا عن سبب اتساع المجرات، وليس بمنطق تفسير نظرية بيغ بن، ولكن كيف تسهم المجرات الصغيرة بنموها وتعاظمها في اتساع الكون كله.

جدير بالذكر أن نظرية بيغ بن تم تطويرها من قبل الراهب جورج لوميتر، الذي قال في كتاباته: "الله يخلق من العدم، والعدم أكثر من مجرد فراغ، فحتى الفراغ له زمان ومكان، والله خلق الزمان والمكان، وإذا كان الله يخلق خارج الزمان، فهذا يعني أن الخلق لم يحدث قبل 13.8 مليار سنة، ولكنه أمر يحدث الآن".

تماماً كالكرسي التي لا معنى لوجوده إلا عندما يجلس عليه الإنسان، فالله يعطي معنىً للكون بالتواجد خارجه، هكذا بسّط كونسولماغنو الأمر.

على صعيد موازٍ، جمع دي سوزا 5 آلاف صورة لمجرات ذات مميزات متشابهة، ما يساعده على دراسة خصائص الضوء في الجزء الخارجي منها.

أما براون فبتحليله النجوم الأخرى، يضع تصوراً لما ستكون عليه شمس مجموعتنا الكوكبية بعد 5 مليارات سنة على سبيل المثال.


المرصد الفاتيكاني.. جهود قيد التطوير

تأسس المرصد الفاتيكاني العام 1891 على يد البابا ليو الأول، وفي وقت وصفه ببداية إيمان الناس بتعارض الكنيسة مع العلم.

ويمتلك الفاتيكان جزءاً من مرصد آخر موجود في ولاية أريزونا يشترك في ملكيته عدة منظمات ويدعى "لوسيفر".

وتعود جذور الرصد الفلكي من قبل الفاتيكان إلى القرن السادس عشر، عندما ساعدت هذه الجهود على وضع روزماكة جوليان. ودعم المرجعية المسيحية الأبحاث الفلكية بصورة أكبر منذ القرن التاسع عشر، عبر مراصد منتشرة في روما، ولكن مع حلول القرن العشرين أثرت أضواء المدينة على فاعلية مراقبة السماء، فتم نقل المرص إلى مقر البابا الصيفي Castel Gandolfo.

ويتمركز على سقف المقر حالياً قبتان تغطيان تلسكوب سيز أو ZeisVisual Refractor Telescope، وZeis Double Astrograph وCarte du Ciel Telescope، وSchmidt Telescope، الذي بدأ العمل العام 1957.


علماء كاثوليكيون: لا تعارض مع العلم

من أشهرهم روجر بايكون الذي وضع في القرن الثالث عشر أسس علوم الكيمياء، ومثله غريغور مانديل "أب العلوم الجينية".

كانا راهبين رفضا وجود تعارض بين العلم والدين؛ إذ يعتبر لوميتر على سبيل المثال أن نظرية بيغ بن لا تتعارض مع فكرة الخلق الإنجيلية، بل تؤكدها لأن اتساع الكون الأزلي دليل على الديمومة واللامحدودية، وهو ما وعد به المسيح بجنة لا حدود لها، على حد تعبيره.


البابا فرانسيس: الخلق ليس سحراً

وكان بابا روما الحالي فرنسيس قال في تصريح جريء العام 2014 في مؤتمر Pontifical Academy of Science، "عندما نقرأ في سفر التكوين قصة الخلق، فإننا نخاطر بتخيل الله كساحر، مع عصا سحرية قادرة على صنع كل شيء، ولكن الأمر ليس كذلك".

وقال البابا فرانسيس وقتها إن الانفجار الكبير، الذي يعتبر في الوقت الحاضر أصل الكون، لا يتناقض مع الفعل الإلهي للخلق، بل يتطلب ذلك. لا يتناقض تطور الطبيعة مع فكرة الخلق، حيث يفترض التطور وجود كائنات تتطور.

ويبدو أن آراء الكنيسة وجهودها في العقود الأخيرة، تحاول بشدة أن تسير بالتوازي مع اكتشافات العلم المتسارعة والمتشعبة، وتسخِّرها لإيجاد مساحة مشتركة بين نظريات وتصور الموروث الديني، وما يتوصل إليه الإنسان كل يوم.

ويختم كونسولماغنو قائلاً إن لم تكن مؤمناً بإيمانك، عندها فقط عليك أن تخاف من العلم.



إقرأ المزيد