اعتقَدوا قدرتها على الشفاء من الأمراض.. قصة إدمان الجنود الأميركيين للمثلجات في الحرب العالمية الثانية
هافنغتون بوست عربي -

عمل الجيش الأميركي لعقود على توفير المتعة لجنوده، حتى إنه أنفق مليون دولار على مصانع المثلجات المتنقلة.

وفي سنة 1944، صدر كارتون "وارنر بروس"، الذي جسَّد الحرب العالمية الثانية من خلال شخصيتي باغز باني والمثلجات. وبعد أن تقطعت به السبل في المحيط الهادئ جراء الهجمات اليابانية، صادر باني شاحنة محملة بالمثلجات، وبدأ بتوزيع قطع مثلجات، تبين فيما بعد أنها قنبلة يدوية مغطاة بالشوكولاتة.

يحتوي ذلك الكارتون سيئ السمعة على الكثير من المغالطات. فقد تضمن الحوار الذي دار بين الشخصيات الكرتونية إيحاءات عنصرية وصوراً للجنود اليابانيين بوجوه صفراء. ولكن الشيء الوحيد الصائب هو "انفجار" المثلجات كسلاح سري خلال الحرب. وقد لعبت المثلجات دوراً هاماً زمن الحرب، واستخدمت لعقود كمركب صناعي عسكري، بحسب تقرير صحيفة The Atlantic الأميركية.

قبل الحرب العالمية الثانية، كان الهدف من الغذاء توفير الحاجة الضرورية من الوحدات الحرارية من أجل تحمل المشي (وأن يتناول المدنيون واللاجئون الغذاء اللازم ليتحملوا وضع الحرب). خلال الحرب العالمية الأولى، كانت هذه مهمة هربرت هوفر، المسؤول الأول ومستشار الولايات المتحدة الأميركية زمن الحرب عن إدارة الغذاء.

وقد نجح هوفر في تأسيس مشروع "الغذاء سيكسبك الحرب"، من خلال تحفيز الأميركيين على "تحويل الأغذية على نمط هوفر" أي بالتضحية بالقمح، والسكر، واللحم، والزبدة (وهو أصل عادة التقليل من اللحم أيام الإثنين ومن القمح أيام الأربعاء). فجاءت النتيجة على عجل، حيث تضاعف تصدير الغذاء بثلاث مرات، وخصص 18 مليون طن من الأغذية الرئيسية لجهود الحرب الأميركية، في أول سنة من الحرب.

كان الجنود يغادرون السفن، ولكن كانوا يذهبون للثلاجات ويفرغونها من المثلجات ويأكلونها كلها.

ولكن، بقيت صناعة المثلجات في مهدها مطلوبة أكثر من قبل الشباب وراء البحار، ليس بغرض كسب سعرات حرارية، بل من أجل الرفاهية. ففي منشور كتب سنة 1918، نشرته المجلة الشهرية "آيس كريم ريفيو"، تحدثت المجلة عن النقد اللاذع لقلة المثلجات في المناطق البعيدة، فقالت: "لو يعلم الأطباء الإنكليز ما يفعله أطباؤنا لوضعوا المثلجات في يد كل مريض".

وقد دعت واشنطن للتدخل من خلال دعم مصانع المثلجات في أوروبا: "في هذه الدولة تستخدم المستشفيات المثلجات كغذاء، إذ إن الأطباء في أمسّ الحاجة إليها في عملهم. ولكن، ماذا عن أبنائنا المرضى والمصابين في فرنسا؟ هل عليهم الاستلقاء في الفراش وتمني طبق أميركي من المثلجات القديمة؟ لليوم، ما زالت المثلجات والثلج شأنا محرماً في فرنسا. وهذا من مشمولات الجراح العام أو غيره من المسؤولين في الإدارة، الذين ينبغي عليهم أن يوفروا لهم المثلجات".

في الواقع، ليس لدى صناعة المثلجات جماعات ضغط قوية. لذا، فإن القلة القليلة من الأميركيين لديهم أجهزة تثليج. بل أسوأ من هذا، فقد قلّل السيد هوفر من خطر قلة السكر المنزلي على أمل أن يقوم بتجاوز الهلع الشعبي.

وبالكاد بقي بعض السكر في أميركا، الذي تم تصديره إلى الحلفاء في فرنسا وإنكلترا، ولم تنجح وعود الشفاء بالمثلجات زمن الحرب. وأمرت إدارة الغذاء، التي يشرف عليها هوفر، بخفض الصناعات المحلية، وأصدرت حكماً في صيف سنة 1918 قالت فيه إن "المثلجات لم تعد من الضروريات، وذلك بهدف تحرير استخدام السكر في صناعتها".


قانون المنع

سيتغير هذا جذرياً في العقدين القادمين، ويعود ذلك في جزء منه للمساهمة غير المتوقعة لقانون "المنع" الذي سبب "الاكتئاب العظيم". فعندما حظر التعديل الثامن عشر بيع المسكرات سنة 1920، تحولت العديد من المصانع، مثل يونغلينغ وإنهوزر بوش، إلى صناعة المشروبات الغازية والمثلجات حتى تحافظ على بقائها.

ومع انتهاء ذلك العقد، تبيَّن أن الأميركيين يستهلكون أكثر من مليون غالون من المثلجات يومياً، والمثير أن الشعب الأميركي قد ربطها بشهوة تعاطي المسكرات.

وفي سنة 1929، دعم هذا الشعور صانع المثلجات ويليام دراي عندما ربط بين حلوى "روكي رود" بالصورة المجازية، من أجل مساعدة الناس على التغلب على انهيار سوق الأسهم. وتعني روكي رود الآن شوكولاتة بقطع الجوز والخطمي، ولكنها استخدمت من قبل كرمز للرفاهية: حلوى لذيذة موضوعة جنباً إلى جنب، كقطع الصخر.

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، منعت جميع الدول المتداخلة في الصراع المثلجات مرة أخرى، حتى إن بريطانيا أهانت بعض المصابين من خلال تقديم عصي مغروس بها الجزر، كبديل للمثلجات زمن الحرب. ولكن كان ذلك مناسبة لتضاعف تعلق الشعب الأميركي بالمثلجات، ومن هنا دخلت المثلجات في التكتيكات العسكرية.

عندما كان اليابانيون يغرقون السفينة الحربية ليكسينغتون سنة 1942، ثاني أكبر حاملة طائرات في البحرية الأميركية آنذاك، تناول الجنود جميع المثلجات التي كانت في الثلاجات الموجودة على متن السفين، قبل مغادرتها. وقد وصف الناجون ما حدث في تلك الواقعة، حيث كانوا يغرفون المثلجات بخوذاتهم ويلعقونها قبل أن يستسلموا للغوص في مياه المحيط الهادئ.


المثلجات على أرض العدو

وبحلول سنة 1943، اكتشف جنود القاذفات الثقيلة أنه بإمكانهم صناعة المثلجات على أرض العدو، وذلك من خلال توفير دلاء للمزج توضع في المقصورة الخلفية للطائرات قبل المهمات الحربية. ومع اقتراب وقت الهبوط، يكون المزيج قد تجمد على ارتفاع عالٍ وممزوج جيداً بفضل اهتزازات المحرك والضغط الجوي.

وفي الأثناء، كان الجنود على الأرض يمزجون الثلج ويذيبون قطع الشوكولاتة في خوذاتهم، من أجل الحصول على مشروب الشوكولاتة.

أنفقت البحرية الأميركية مليون دولار سنة 1945، عندما حولت سفينة كبيرة إلى مصنع مثلجات يطفو فوق الماء، يجوب المحيط الهادئ ويوزع المثلجات على السفن العاجزة عن صناعة المثلجات وحدها. وتحوي هذه السفن 2000 غالون من المثلجات، وتنتج 10 غالونات كل 7 دقائق.

وحتى لا يقهر الجيش الأميركي، أنشأ مصانع صغيرة على خطوط الجبهات، وبدأ في توزيع علب كارتونية فردية في الخنادق. ويضاف إلى هذا، مئات الملايين من الغالونات من المثلجات الممزوجة في المصانع سنوياً، التي كانت توزع 135 مليون رطل من المثلجات المجففة في السنة الواحدة.

كان الموعد الفاصل في تاريخ المثلجات بعد عقد، أي خلال الحرب الكورية، عندما حاول الجنرال لويس بولر، إقناع البنتاغون بأن المثلجات طعام المخنثين، وأن الجنود سيكونون أكثر انغماساً إن تناولوا منتجات تتأقلم والثقافة الأميركية، مثل البيرة والويسكي. فرد البنتاغون ببيان رسمي حدد فيه فترة تناول الجنود للمثلجات التي لم تتعد ثلاث مرات في الأسبوع.


المثلجات والثقافة الشعبية

قبل "ازدهارها" على الصعيد العسكري، يجدر الإشارة إلى أن مفهوم المثلجات الأميركية يعود إلى مخترعها. فقد أنفق جورج واشنطن قرابة 200 دولار على المثلجات في صيف واحد، أي ما يعادل أكثر من 5000 دولار من قيمته اليوم. كما درس توماس جيفرسون صناعة المثلجات في فرنسا قبل أن يعود إلى مونتايسلو ومعه "آلة صنع المثلجات"، وأربعة قوالب، ووصفة مكتوبة بخط اليد عن المثلجات، ما زالت محفوظة إلى الآن في مكتبة الكونغرس.

كما كانت المثلجات تقدم للمهاجرين الوافدين إلى جزيرة "إليس" كجزء من طعام أميركي تقليدي، علماً أنها حركة أمر بها المفوض في الجزيرة. وقد وقع حفظ هذا التقليد في أحد العناوين الصحفية منذ صائفة 1921: "قادت سلطات جزيرة إليس المهاجرين بكل لطف لإدراك النقاط الإيجابية في الولايات المتحدة الأميركية، من خلال تقديم المثلجات في سندويتش وإدخالهم في عالم المتعة".

إذاً لماذا المثلجات؟ في كتابها تحت عنوان "كل شيء يعتمد على العشاء: التاريخ غير العادي والأساطير، الجذب والاستحواذ، المخاطر والمحرمات في الوجبة العادية"؛ قالت مارغريت فيسر إن هناك نوعين من الحنين للمثلجات. يتمثل الأول في الذاكرة الطفولية، التي "تجعل الكثيرين يشعرون بأنهم أطفال، وبأنهم في حالة أمان وبراءة".

أما الثانية فأكثر تعقيداً، وسمَّتها الحنين "لكل مكان". فقد يعني ذلك بالنسبة للبعض الحنين لذكريات العطل الصيفية، أو الممرات الشاطئية، أو ربما مثّل بالنسبة لعشاق مثلجات "هاغن داز" الترف الاسكندينافي، حتى وإن كان في الاسم رطانة.

وفي شأن ذي صلة، صدرت دراسة نمساوية حول التأثير العصبي للغذاء تؤكد هذا القول. فقد كشف الباحثون أن المثلجات وحدها قادرة على تخفيض ردة فعل الإنسان عند الهرب، في المقابل لم تقدم الإحصائيات أي معلومات هامة عن التأثير العصبي لتناول الشوكولاتة والزبادي.

وهذا يشير إلى أن الرفاهية التي تقدمها المثلجات، لها تأثير أعمق من الجانب الفسيولوجي للسكر والزبدة والحرارة وإدراك اللذة. وتبدو الظاهرة في المجمل نفسية نتيجة ما تبين من صلة بين المثلجات وكعكات عيد الميلاد التي ميزت فترة الطفولة، والمواعيد الغرامية الأولى، أما بالنسبة للجنود القائمين بمهامهم فهي تمثل رفاهية الوطن.

جدير بالذكر أن للمثلجات فوائد صحية، مثل كونها مصدراً غنياً بالطاقة، والمعادن والفيتامينات، إلا أنها تحتوي على قدر لا بأس به من الدهون والسكر، مما قد يؤدي إلى السمنة مع كثرة الاستهلاك، بحسب موقع SFgate.



إقرأ المزيد