العربي الجديد - 4/2/2025 9:17:18 AM - GMT (+3 )

من أجواء أول أيام عيد الفطر في دير البلح وسط قطاع غزة، 10 إبريل/نيسان 2024 (Getty)
احتاجت المجتمعات إلى الأعياد لكسر روتين الحياة وتخفيف المعاناة. فتكاثرت المناسبات الاحتفالية وتنوعت بين الديني والوطني والشخصي، مما دفع الباحثين إلى دراسة تقاليدها وتفسير أهميتها للإنسان، لكن بعضهم وقع في دعاوى التحليل وإسقاطات النظرية. ولأن الاحتفال حاجة إنسانية اخترعها البشر منذ القِدم، ووفّروا لتلبيتها مناسبات مرتجلة أو منظّمة بطقوس احتفالية غير معتادة، مثل الرقص الشعبي أو الجماعي والإفراط في الأكل والزينة، أرجع البعض السبب الأساسي في اختراع العيد إلى كونه فرصة لاقتناص لحظات تسمح بقدر من المبالغة في الممارسات اليومية.
يكتسي العيدان "الفطر" و"الأضحى" لدى المجتمعات المسلمة، وعلى عكس بقية الأعياد، مظاهر احتفالية شاملة نظرا لطابعهما الديني، إذ يصبح العيد ممارسة دينية واجبة أضفت عليها التقاليد المتوارثة أبعادا طقوسية متعددة، قبل أن تغرقه ماكينة الاستهلاك في حمى المظاهر المادية.
ويتميز عيد الفطر بتقاليد عريقة للزينة، لتصبح الرمز الاحتفالي الأساسي بهذا العيد، في حين تكتسي عملية ذبح الأضحية الشكل الرمزي للاحتفال بعيد الأضحى. لكن، ماذا لو وضعنا طقوس عيد الفطر على سلّم المعرفة العلمية الحديثة، كيف سيتبدّى لنا؟
تدوين تاريخ الاحتفالات بالأعياد
إذا كان عيد الفطر ممارسة تجاوز تاريخها مئات السنين، فإن عمره في مرآة المعرفة والبحث والتحليل العلمي لا يتجاوز بضعة عقود. ذلك أنَّ معظم الأدوات العلمية لفهمه كظاهرة الاحتفال به بالشكل الحديث، لم تتبلور إلا مع اكتمال حقول كثيرة، مثل الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والنظريات التاريخية.
استرسال مع الرغبة في بسط النفوذ عبر خطاب المعرفة
وبدأت رحلة تحليل العيد في النصف الثاني من القرن العشرين، حين ازدهرت مقاربات هذه العلوم للأعياد الدينية ولطقوسها، بعد أن تطوّرت صيغتها البنيوية بفضل أعمال كلود-ليفي شتراوس، ومرجريت ميد، ورالف لانتون. وكلّهم درسوا الشعائر الدينية لدى القبائل البدائية القاطنة في أدغال أفريقيا وبعض مناطق أميركا، كنظام علامات له مفاتيحه وشفراته.
وتواصل تدوين العيد بتطبيق الباحثين البنيوية الثقافية على المجتمعات البشرية الأخرى، بعد أن أخرجوها من حقلها الأصلي الذي نشأت فيه ونقلوها إلى المجتمعات المعاصرة. ثم استخدمت هذه المقاربة، وبشيء من السطحية، على المجتمعات الإسلامية ومناسباتها الدينية، لتقوم بإسقاط رؤيتها الغربية على مجتمعات تملك عنها القليل من المعرفة.
عيد الفطر كما نعرفه
ضمن الدراسات التي تناولت طقوس الاحتفال، نجد كتاب علي مظهري "الحياة اليومية للمسلمين في العصر الوسيط" الصادر عام 1952، والمركّز على الأعياد وطقوسها. وبدورها تناولت ليلى نبهان عام 1993 موضوع "عيد الفطر في مصر: دراسة حول الأسس الدينية والتنظيم العملي" في أطروحتها للدكتوراه باللغة الألمانية. وقدّمت فيه وصفًا لطريقة الاحتفال بعيد الفطر في مصر منذ رؤية هلال شوال، إلى ما يعقبها من شعائر اجتماعية.
إرهاصات توصيف إثنوغرافي ضاربة في أدب الرحلة العربي
وحلّلت إلزا زويتان في مقالها "تجارب طفولية عن الشعائر والأعياد الدينية" (2012) مشاركة أبناء العائلات المهاجرة من أصول مغربية صيام رمضان والاحتفال بعيد الفطر في مدينة مرسيليا الفرنسية. وكيف يراوح هؤلاء الأبناء بين تأثيرات الوالدين ونظرات الأقران من المسلمين ومن غيرهم، سيما أنهم استبطنوا في أذهانهم الاحتفال بأعياد الميلاد والفصح. فيما صار الكتاب الذي أشرف عليه المؤرخ فرانسوا جورجون وعالمة الأنثروبولوجيا الإيرانية فريبة آدلخاه حول "رمضان والسياسة" (2013) مرجعًا في الطقوس الاحتفالية المسلمة. وفيه حللا تحوّلات الشعائر ومضامينها في المجتمعات الإسلامية الحديثة بعد أن تطوّرت الخطابات وباتت تدور على قيم وممارسات جديدة.
طقوس العيد بعدسة المحلّل الغربي
تجتمع دراسات كثيرة في تقديم عروض تفصيلية عن طقوس الاحتفال بالعيد وتفكيك أبعاده السياسية والثقافية. ورغم قيمة هذه الدراسات، فإنها تعاني عقدة هيكلية رئيسة: تطبيق مقولات إناسيّة وسوسيولوجية، مثل البنية والرموز والعلاقات العمودية، وجلّها أدوات نُظِّر لها من خلال دراسة جماعات قبلية في أفريقيا وأميركا الشمالية تمّ سحبها آليًا على المجتمعات الإسلامية الحديثة، وأحيانًا على الجاليات الإسلامية في الغرب، مما يجعل النتائج العلمية معروفة سلفًا لا تحتاج إلى برهنة، فضلًا عن كونها مغلوطة. فلا يقوم الباحثون، هؤلاء الذين يتكئون على الأنثروبولوجيا البنيوية، سوى بالتطبيق الحرفي لمقولاتها، في شيء من التعسف والسطحية مما يؤدي إلى تشويه المفاهيم وإعاقة فهم الظواهر المدروسة.
من جهة ثانية، لا تزال هذه الدراسات محكومة بمصادرة ضمنية مفادها أنّ مجتمعات الإسلام التي تحتفل بهذه الأعياد تحتاج إلى فهم إناسي (أوروبي) يخرجها من وهم المقدّس وسلطة الدين الغيبية، وأنَّ هذا الجهاز المفاهيمي الأنثروبولوجي هو وحده القادر على إيقاظ الفكر الإسلامي من أوهامه، لنفض الشعائر "البالية" التي تمنع تقدّمه وحتى اعتناقه للحداثة. بل تذهب هذه الدراسات إلى أبعد من ذلك: الدعوة للتخلي عن هذه المظاهر لأنها تعود إلى ذاكرة الإنسان البدائي في تقديسه للزمن، وتقسيمه إيّاه إلى مناسبات فضيلة وأخرى اعتيادية أو مُدنسة.
كما تصوّر هذه الدراسات المجتمعات الإسلامية على أنّها إما منغلقة على ذاتها أو متجانسة كليًّا، تعيش نفس الشعائر وتضفي عليها المعنى ذاته، في حين أنَّها باتت مُعولمة، تخضع للقوانين التي تسيّر "قرية العالم الصغير"، كما أنها مجتمعات منفتحة على تأثيرات أجنبية، خطت خطوات شاسعة في مسار العَلمَنة وأخضعت بعدها الديني لرقابة السياسي ومنظومته. وهكذا، تصفها هذه الأبحاث كما لو كانت كتلة واحدة، ذات طبيعة جوهرانية ثابتة، في حين أن تاريخ الأعياد الإسلامية يكون قطاعيًا أو لا يكون. بمعنى أنه لا يمكن توصيف ظواهره الاجتماعية كما لو كانت عامة ومتماثلة، عبر الزمن وعبر المجتمعات الكثيرة التي عرفت الإسلام، بل لا بد من تخصيص مبحث لكل منطقة، واستقصاء الدلالات السياسية والثقافية لطرق الاحتفاء بالأعياد فيها. ثم التمييز بين ما هو ثابت وما هو متحوّل، مع ضرورة استخراج هذه الأبعاد من البيئة المدروسة باستنطاق علاماتها وأنظمتها الدلالية الذاتية، لا استجلابها من مجتمعات أخرى.
العيد مسافرًا
إرهاصات التوصيف الإثنوغرافي لشعائر الأعياد وتنوعاتها تضرب بجذورها في أدب الرحلة العربي. فقد دوّن ابن جبير وابن بطوطة والإدريسي وغيرهم هذه العادات وسجلوا اختلافها بحسب البلدان، في ما دونوه من مشاهدات. ومع ذلك، تواصل هذه الدراسات التبجح بنتائجها كما لو كانت "قطيعة معرفية"، استرسالًا مع الرغبة في بسط النفوذ عبر خطاب المعرفة.
وقد وجه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو انتقادات جوهرية إلى العلوم الإنسانية، بما فيها الأنثروبولوجيا باعتبارها وسيلة تحكم في الآخر، تنبني على ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة عنه، مع أنها خطاب تسلّط وتبرير. ولذلك، فقدت هذه الدراسات فائدتها لأنها أقيمت على اعتبار مجتمعات الإسلام، رغم تنوعها، مختبرًا لمفاهيم طُوِّرت في مجالات أخرى تختلف عنها جذريًا.
* باحث وأستاذ جامعي تونسي مقيم في باريس
إقرأ المزيد