العربي الجديد - 4/1/2025 8:24:48 AM - GMT (+3 )

عارضة أزياء أمام مرآة خلف الكواليس، مومباي، الهند، في 28 مارس 2025 (Getty)
بدأت كذبة إبريل/ نيسان محاولةً لمقاومة التغيير، أو علامةً على صعوبة التكيّف واستيعاب ما هو خارج المعتاد، عندما غيّر البابا غريغوريوس الثالث بداية العام الميلادي إلى يناير/ كانون الثاني، لكنّ أولئك الذين فاتهم موعد التغيير تمسّكوا بفاتح إبريل باعتباره اليوم الأول من العام الجديد، فأصبحوا مثالاً للعيش ضدّ الحقيقة، حقيقة الواقع التي رغم نسبيّتها تصبحُ الحقيقة المطلقة بحكم قوة الأمر الواقع.
هكذا صار التاريخ جزءاً من سوء فهم التاريخ، وكيّفته العقلية البشرية التي تبحث عن المختلف لتذمّه أو تسخر منه، فجعلت التاريخ المعني تاريخاً للكذب.
يكاد الكذب أن يكون أكثر السلوكيات البشرية إثارة للتناقضات الإنسانية، فبينما يؤكد الجميع على نبذه باعتباره سلوكاً ذميماً، ينقض الثقة ويبني أموراً كثيرة على أُسس زائفة، إلّا أنهم يمارسونه يومياً ولو في إطار ما يسمونه الكذبة البيضاء؛ وهي الكذبة التي لا تؤذي أحداً إنّما تنقذ ماء وجه الكاذب الذي "بحسن نية" يقدّم رواية مختلفة للحدث، لكن هل الكذب الأبيض بريء فعلاً؟ وماذا عن الحقيقة، هل تتأثر بالروايات الملفّقة للأحداث الصغيرة ما يحوِّل مسار حياة الكثيرين بفعل أثر الفراشة؟ وكذبة نيسان هل هي كذبة بيضاء أو بلا لون؟
لا استقلالية للكذب بمعزل عن التاريخ والسياسة
قد لا تكون أفعال الإنسان صادقة في حدّ ذاتها، لكنّها تُعادل ما نُسميه صدقاً. فالأفعال الصادقة، أو حتى شبه الصادقة، تمنح الإنسان شعوراً بالرضا. وقد لا يستطيع إحراز الصدق كاملاً، لكن عليه ألّا يقف في طريق الصدق على الأقل. وقد كشف الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930- 2004)، في كتابه "تاريخ الكذب" عن الطبيعة المراوغة لمفهوم الكذب، بتبيان شروطه الضرورية، كما تأمَّل في معنى "الخُرافة" التي لا تُعتبر، وفقاً له، حقيقةً ولا كذباً؛ بل إنّها نوع من "المحاكاة" و"التلفيق"، إنها على حد تعبيره "تُشبه الكذب في كونها مجرد احتمالات، لا تُصنف وفقاً للوجود أو العدم".
"تاريخ الكذب" كاذب
تتوفَّر القواميس على عدد هائل من التعريفات المختلفة للكذب الذي يعني في أبرز تعريفاته "حديثاً مُزيّفاً يُدلي به شخصٌ ما في سعيه إلى خديعة شخص آخر". رسم دريدا مُخططاً للتأريخ المُحتمل للكذب، دليلاً للدراسات المستقبلية حوله، واستهل كتابه باعترافَين بارزَين؛ الأولُ أن عنوان الكتاب نفسه كاذب "فتاريخ الكذب يعني مجرد التاريخ الذي افترضنا بمقتضاه أن الكذب كذب، وبالتالي فإن إثبات الكذب لا بدّ أن يستند إلى وجود حقيقة صادقة، فما هو الصادق؟"، يسأل دريدا هذا السؤال في ظلّ اعتقاده الراسخ بأنَّ "الصدق" الذي نعرفه هو صلب الصورة الخيالية، التي بَثَّها أفلاطون في عالمه الثابت المثالي، وصارت المعيار الأمثل الذي نقيس عليه درجات الصدق أو الكذب.
وهو بانتقاده لهذا التصوّر غير الواقعي ينتصر للواقع وزخم أحداثه، وما تتصف به هذه الأحداث من عشوائية ونسبية، أما الاعتراف الثاني فلم يُصرِّح به دريدا، مُقراً بذلك "احتراماً لقداسة الصدق، الذي من دونه لا يمكن إدانة الكذب" وعلينا ألّا نستغرب هذا الكتمان، فعادة ما يقدم دريدا تطبيقاً عملياً للتفكيك أثناء الكتابة، فتظهر كتابته كصراع وتناقض بين الجمل والعبارات بالفعل.
يحدث الصّدق في الحاضر أو الماضي، أما الكذب فهو للمستقبل
ذهب دريدا إلى أنّ الكذب الحَقَّ يعني "التصريح بشيء مخالف لما أفكر بأنني أفكّر فيه، ويعقب هذا التصريح إساءة لي وللآخرين"، ومع ذلك يؤكّد أن هناك صعوبة شديدة في البرهنة على أن أحداً ما قد كَذَب، وهذا حتى في حالة ما تمكَّنا من البرهنة على أنه لم يقل الحقيقة. يرجع هذا، من وجهة نظره، إلى لجوئنا إلى أنصاف الكذب وأرباعه، وإلى أكاذيب من المستحيل التعاطي معها بثقة، نظراً للسرعة الفائقة التي تنزلق بها لتستقر في المنطقة المظلمة، إذ من الصعب اتخاذ موقف واضح بين الإرادي واللاإرادي.
الكذب والسياسة
لا يمكن إيجاد تاريخ مُستقل للكذب عن التاريخ والسياسة عند دريدا "ليظهر الكذب من خلالهما مُكتملاً ونهائياً، إذ هناك إمكانية للتلاعب بالوقائع". والكذب ضروري لتاريخ الكذب من وجهة نظره، ولن يكون هناك تاريخ عموماً، ولا تاريخ سياسي خصوصاً، دون إمكانية الكذب، أي إمكانية الحرية والفعل، كما ينبغي اعتبار الإعلام أداةً لتحويل صورة الواقع، إذ إنه لا يُمثِّل الأحداث الأصلية، فهو مجرد محاكاة للمحاكاة.
هكذا قدَّم دريدا تفسيراً زمنياً للكذب؛ فقولُ الصّدق يحدث في زمن المضارع أو الماضي، بينما الكذب يهدف إلى المستقبل، ولا يروي وهو يؤرخ للكذب، التاريخ الكامل للكذب، بل يضطر القارئ إلى الأخذ في اعتبار أنه لا ينقل حتى ما كان يعتقده حقاً بشأنه، فهو أراد معالجة موضوع الكذب بمعنى "خارج عن الأخلاق"، ومن ثم إزالة "الإدانة الأخلاقية" عنه، ليخَلُص إلى أن تاريخ الكذب غير ممكن لأسباب عديدة، أهمها الجانب العملي فيه.
تفكيكُ الكذب لفهمه
لن يجد السّاعي لإيجاد مفهوم متماسك للكذب عند دريدا ضالته، لكنّه مع ذلك، لن يصل إلى فهم حقيقي لتاريخ الكذب وتبريراته العقلية من دون قراءة كتابه، وفي هذا الطريق المُتشعِّب نحو الفهم قد يتبين أن كل ما يعرفه الإنسان خاطئ ولا قيمة له، وأن أموراً مثل الدحض، والتزوير، والتصحيح، أو المراجعة، ستُعيد صياغة كل ما ظنّه سابقاً صحيحاً وواقعياً، لذلك تحتاج تصورات الإنسان عن الكذب والصدق إلى تجديد مستمر.
على المستوى الثقافي، وبين الأدب والفلسفة، ظهرت منهجية "التفكيك" Deconstruction في أوضح صورها مع جاك دريدا ليُطبِّقها على التاريخ الفلسفي لمفهوم الكذب، لا ليُفكِّك مفهوم الكذب وحده، بل ومفهوم الصدق أيضاً. ويسعى التفكيك إلى "الكشف عن معنى مُخالف ومُهرَّب في غضون النص وهوامشه"، أي أن فلاسفة التفكيك ينظرون إلى الكتابة بوصفها نوعاً من الصراع والتناقض بين الكلمات والجُمل، وعلى هذا الأساس الفكري، قدم دريدا مقارنة تفسيرية لمفهوم الكذب، تكشف علاقته بمفاهيم أخرى مثل الخداع، والصدق، وشبه الصدق. وهو مرادف لـ "المراوغة"، وعلى الضدّ من "الصدق"، وهذا هو التعريف التقليدي للكذب، الذي يتفق معه دريدا، ويوضح شروطه توضيحاً فلسفيّاً تفكيكيّاً.
حبلٌ طويل
حدّدَ دريدا للكذب أربعة شروط ضرورية، أولها شرط التصريح، أي أن يُدلي الشخص بتصريح ما، والتصريح يقتضي استخدام اللغة. ومع ذلك من الممكن لشخص أن يُصرح باستخدام لغة الإشارة، والشيفرات، أو إيماءات جسدية محددة، أو أن يرتدي شخص ما شَعراً مستعاراً، أو خاتم زواج وهو غير متزوج، أو زيَّ شرطة وهو ليس ضابط شرطة، وهذه حالات تستلزم إعادة النظر في الحكم على هذه المواقف بأنها كذب.
الشرط الثاني هو وجود اعتراف ضمني بالكذب، أي اعتقاد الكاذب بأن تصريحه كاذب، لكن قد تكون التصريحات الصادقة خاطئة، فإذا كان القول خاطئاً دون علم قائله، فإنه لا يكذب. ومن ناحية أخرى، قد تكون التصريحات الكاذبة صحيحة، فإذا أدلى شخص بتصريح صادق بقصد خداع شخص آخر، فإننا، وفقاً للمفهوم التقليدي للكذب، قد نجزم بأن الشخص لا يكذب.
ثم يأتي شرط المُرسَل إليه في عملية الكذب، بمعنى أن يكون الكذب مُوجَّهاً إلى شخص آخر، لكن هناك حالات يكون الكذب موجَّهاً إلى الجمهور، ومن الممكن أن يكذب شخص بنشر تقرير كاذب عن حدث ما، أو تقديم بيان كاذب في إقرار ضريبي، أو نشر بيان كاذب في إعلان مجلة أو إعلان تلفزيوني.
الشرط الرابع للكذب هو شرط قصد الخداع، أن يقصد الكاذب أن يعتقد المُرسَل إليه بصدق التصريح الكاذب، "بمعنى أن الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، حتى إذا كانت أقوالنا حقة"، فماذا عن الإدلاء بتصريحات ساخرة، أو إلقاء فكاهة، أو كتابة قصة خيالية، أو التمثيل في مسرحية، وما إلى ذلك، دون القصد بأن يُصدق المرسل إليه هذه التصريحات الكاذبة؟
* شاعرة وباحثة من مصر
إقرأ المزيد