إدوارد كوزين... بين ثنايا الإسكندرية
العربي الجديد -

بعد كتابه الأول، الذي صدر بالهولندية عام 2021، وحاول من خلاله الإجابة عن أسئلة مصيرية متعلّقة بمصر، خلال فترة إقامته فيها والتي تجاوزت العشر سنوات، ها هو الكاتب الهولندي إدوارد كوزين Eduard Cousin يصدر كتابه الثاني "الإسكندرية: قصة مدينة تعيش في الماضي" (2024)، عن دار نشر "Atlas Contact"، حيث يأخذ قراءه في رحلة صحافية تتبع راهن "عروس البحر الأبيض المتوسط"، مقارنًا إياه مع ماضيها التاريخي العريق، حين كانت ذات يوم مركزًا للعالم الهلنستي، وقيل إنها كانت أكبر مدينة في العالم لفترة من الزمن.

يقول الكاتب في مقدمة كتابه: "أتخيل نفسي أحيانًا في جنوة، عندما أسير في أزقة الإسكندرية الضيقة، تحت الشرفات التي تتدلى منها قطع الغسيل، ولست الوحيد، فعلى سبيل المثال، كتب الدبلوماسي الأميركي فريدريك كورتلاند بنفيلد واصفًا الإسكندرية عام 1903 قائلًا: "تخبرك السماء الياقوتية، والهواء المائل إلى السمرة، وأشجار النخيل التي ترتفع فوق هامات البيوت، أنك في مصر؛ ولكن المباني والمتاجر وبضائعها توحي لك بأنك في مدينة في إيطاليا أو جنوب فرنسا، ربما في نابولي أو مرسيليا".

يتعمد الكاتب الهولندي ربط أفكاره المتداعية مع مشاهداته اليومية أثناء تجواله في الإسكندرية، ويبدأ في انتقاد رؤيته "الأوروبية" للمدينة وتاريخها، فيقول: "لطالما اعتبرت أنا أيضًا الإسكندرية مدينة متوسطية، ألا يرتبط ذلك بحقيقة أنني أربطها بتاريخ الإغريق والرومان القدماء؟ هل للأمر علاقة بحقيقة أن الهندسة المعمارية في المدينة تذكرني بالمدن في إيطاليا وجنوب فرنسا حيث ذهبت في عطلة؟ وبعبارة أخرى، هل ما يمكن وصفه بـ(الوجه الأوروبي) للمدينة هو ما يجعلني أعتبرها (مدينة متوسطية)، وبالتالي جزءًا من عالمي؟".

تقود هذه الأسئلة الكاتب إلى البدء في البحث عن هوية الإسكندرية، محللًا نظرته الأوروبية للمدينة، ومقارنًا إياها بنظرة سكانها الحاليين. ولكن الأمر يتحول إلى أكثر من مجرد بحث عن هوية للمدينة الساحلية، إذ يتعمق داخل الكاتب الهولندي الشاب شعور الباحث هو الآخر عن هوية لطفله الأول. يقول: "وصف بنفيلد، وغيره من المستشرقين الغربيين في القرنين التاسع عشر والعشرين، مدينة تقع على الحدود بين عالمين، بين أوروبا والشرق. هذا النموذج من الانقسام بين أوروبا والشرق ينعكس أيضًا في وجودي، فأنا هولندي الجنسية، لكنني عشت في مصر لأكثر من عقد من الزمن، وتزوجت من مصرية، أقف بساق في مصر وبالأخرى في أوروبا. يسألني الناس عما إذا كنت أشعر بأنني عربي الآن، وعما إذا كانت مصر هي وطني حقًا أم لا. ابني رام، هل هو الآن جزء من (الغرب) أم من (الشرق)؟ من كليهما، أم لا علاقة له بأي منهما؟".

تعمّقٌ في الذات بحثاً عن هويةٍ لآخر هو طفله الأول

لا يتوقف إدوارد كوزين كثيرًا في ثنايا تاريخ الإسكندرية القديم، على غرار الكتب الأكاديمية المتخصصة، وإنما يتخذ من جولاته في المدينة وحواراته مع البسطاء والمثقفين على حد سواء وسيلة لاستطلاع أحوال الإسكندرية والتنقل السردي بين ماضيها وحاضرها، في أسلوب صحافي متعدد الأوجه. صحيح أن الكتاب يبدأ بخريطتين للمدينة، ويشرح تأسيسها على يد الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، لكن، وفقًا لكوزين، فإن ازدهار الإسكندرية بدأ بالاضمحلال بسبب التدخل الروماني، إذ جعل أوكتافيان – الذي أصبح الإمبراطور أوغسطس في ما بعد – من مصر مقاطعة رومانية. ورغم اضمحلال المدينة كمنارة للعلم والترجمة، إلا أنها ظلت جسرًا رئيسًا بين الشرق وأوروبا، وكانت أكثر انفتاحًا وليبرالية من كثير من دول أوروبا. وهنا يشير كوزين إلى قصة طبيبة يونانية شابة جاءت إلى الإسكندرية في أوائل القرن العشرين، لأنه لم يكن مسموحًا لها بممارسة الطب في بلدها، وكان ذلك مسموحًا به في الإسكندرية، ولكن للأجنبيات وليس للمصريات!

في النصف الثاني من الكتاب، والذي جاء في 12 فصلًا رئيسيًا، يركز الكاتب على التطورات السياسية في مصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث النظام الملكي المدعوم من بريطانيا وتسانده الطبقة العليا من كبار ملاك الأراضي. كان الملك فاروق تابعًا للإنكليز وكان قانعًا بهذا الدور طالما أتاح له ولحاشيته أسلوب الحياة المترف الذي اشتهر عنه. يتناول الكاتب أيضاً إعلان بريطانيا استقلال مصر عام 1922، مستغربًا الفاعل والمفعول في الجملة، إذ كيف يعلن بلد يحتل بلدًا آخر عن استقلال هذا البلد عنه؟ لا تصمد علامة الاستفهام المستنكرة طويلًا حين نعرف أن بريطانيا حافظت على وجودها في مصر رغم هذا الاستقلال المزعوم، وظلت الشرطة والجيش والسكك الحديدية وقناة السويس تحت السيطرة البريطانية بالكامل، وقد لعب الملك فاروق دور العميل المثالي، إلى أن جاء عام 1952 وثار الجيش على الملك.

ومع أول صدام فعلي بين جمال عبد الناصر والغرب إثر تأميمه شركة قناة السويس عام 1956، بدأ واقع سياسي جديد يفرض نفسه بقوة على الإسكندرية بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وكان هذا التغيير هو ما أنهى مكانة الإسكندرية كمدينة كوزموبوليتانية بشكل نهائي، وبدأت الجاليات الأجنبية تغادر المدينة على مراحل إثر كل حرب خاضتها مصر منذ 1956 وحتى عام 1973، لتختفي الجاليات اليونانية والإيطالية واليهودية والأرمنية والبريطانية والفرنسية من المدينة، وتصبح طاردة لكل ما هو أجنبي منذ ذلك الحين.

ولم تكن نتيجة نكسة عام 1967 بأقل أثرًا من العدوان الثلاثي على مصر، فعلاوة على أنها كانت خسارة عسكرية مهينة للمشروع القومي العربي بأكمله، كانت أيضًا خسارة معنوية للشعب المصري الذي شعر بالخيانة من قادته العسكريين، وأيضًا خسارة المشروع الفكري الذي قاده عدد من مثقفي مصر والعالم العربي الكبار، الذين حاولوا في الخمسينيات والستينيات تشكيل هوية جديدة لمصر بعد الاستعمار، تقوم على التحرر والمواطنة والحريات الفردية. وضعت الضربة المعنوية للهزيمة في حرب 1967، وغياب الدعم الأوروبي لحرية الفلسطينيين، حدًا لنهضة مصر الفكرية كما الاقتصادية، وكانت لها عواقب وخيمة على الإسكندرية باعتبارها مدينة متوسطية وكوزموبوليتانية!

عين متورطة في المدينة وتعايشها وترصدها يوماً بعد يوم

في نهاية الكتاب، يربط الكاتب بين إسكندرية اليوم وإسكندرية الماضي، ويقول إنها لا تزال المدينة نفسها التي تطل على البحر ذاته، ولأنها بوابة الشرق إلى أوروبا، فهي أيضًا بوابة أوروبا إلى الشرق. ويربط ما يحدث اليوم في غزة بالنظرة الاستعلائية الغربية ذاتها التي تعتبر الإسكندرية مدينة متوسطية، دون النظر إلى تاريخها العربي والمصري العريق. ويختتم كوزين كتابه: "كل محاولاتي في هذا الكتاب لـ(التواصل) ستكون عقيمة، طالما أننا في الغرب لا نولي الطفل الفلسطيني المقتول القيمة نفسها التي نوليها للطفل الإسرائيلي، أو نحزن على صحافي فلسطيني قُتل كما نحزن على صحافي غربي".

لا شك أن الكتب التي تناولت تاريخ مدينة الإسكندرية كثيرة، لكن كتاب إدوارد كوزين يتميز بكونه مكتوبًا من وجهة نظر لا تغفل عن التفاصيل، عين متورطة في الحدث وتعايشه يومًا بعد يوم، وترصده من مختلف زواياه. يكفي قراءة ثبت المراجع الذي ورد في نهاية الكتاب، لنعرف أي طريقة تتغلغل فيها الإسكندرية داخل الكاتب، ومن بينها أفلام ليوسف شاهين وكوثر بن هانيا وباولو سورينتينو، وموسيقى لبوب مارلي وفرق مصرية حديثة مثل كايروكي ومولوتوف، إلى جانب عشرات الكتب لكتاب إسكندريين أو عن الإسكندرية، من بينهم قسطنطين كفافيس ولورانس داريل وألبير كامو وإدوار الخراط وأمين معلوف ونعوم تشومسكي وألبير قصيري، وصولًا إلى كتّاب معاصرين مثل إبراهيم عبد المجيد وعلاء خالد وغيرهم.



إقرأ المزيد