العربي الجديد - 3/30/2025 1:37:26 AM - GMT (+3 )

الشهيد ميلاد الراعي في جدارية لفنان مجهول (العربي الجديد)
في التاسع من أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، استشهد الفتى ميلاد الراعي البالغ من العمر 16 عاماً، في مخيم العروب شمال مدينة الخليل الفلسطينية. وكعادة أهل المخيم من أصدقاء وفنانين وناشطين، فإنهم يقومون بنشر أخبار الشهداء والكتابة عنهم على جدران البيوت في الشوارع الضيقة والصغيرة. وغالباً ما يتمّ رسم صورهم على تلك الجدران؛ وهي حالة عامة في ثقافة جميع المخيمات التي تمتاز بالرسوم الجدارية على أسوارها لرموز النضال الوطني مثل الشهداء والأسرى، والكتابات التي تحثّ على الصمود.
منذ أكثر من شهرين، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي وبشكل يومي اقتحاماتها للمخيم الذي يقع في منطقة (ج)، تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، وفيه يتعرّض الأهالي للتنكيل والإصابات المباشرة. ويتم إغلاق مدخل المخيم بحيث يمنع الدخول أو الخروج حتى للحالات الإنسانية، مما يدفع السكان للبحث عن طرق بديلة للخروج إلى أماكن عملهم وجامعاتهم تحت ظروف خطرة. كما يتعرض المواطنون للاعتقال والحرمان من ممارسة حقوقهم تحت سياسات ممنهجة وذلك منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023.
أسّست بنية اجتماعية وثقافية أمام سعي الاحتلال لخلخلة الوعي
في أوّل المخيم، وعلى الشارع الرئيسي الذي لا يتجاوز عرضه ستة أمتار، تظهر صورة كبيرة على جدار إسمنتي رمادي؛ وهو ما يميز المخيمات، للشهيد الفتى ميلاد الراعي التي رسمها أحد الفنانين بقياس مترين ونصف بمترين ونصف، وأصبحت جزءاً من المشهد العام داخل المخيم، ومثّلت هذه الصورة كغيرها من صور الشهداء التي تملأ الجدران الأخرى نقطة معروفة للالتقاء أو الانطلاق في مسيرات محدودة، لما تحمله الصورة من شاعرية ومعنى للفقد في سن مبكرة.
لكن هذه الصورة الملونة والمنفّذة بتقنية عالية استفزّت جنود الاحتلال، ودفعهم للتحقيق طوال أيام مع السكّان واستجوابهم لمعرفة الفنان الذي نفّذ هذه الجدارية، إلى أن اعتقلوا طفلة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات. وبعد سؤالها عن العبارة المكتوبة أسفل الصورة، تهجأت جملة الشهيد التي كتبها قبل استشهاده "أتمنى للأجيال القادمة أن تكون الحرية بين أيديهم"، ولم تمتلك جواباً على سؤالهم عن هوية الفنان.
وبعد ذلك، طرَق الجنود بالمصادفة على باب أحد البيوت بجوار الجدارية، وهدّدوا صاحبه بالسلاح والتعنيف اللفظي وقالوا له إن عادوا المرّة القادمة ولم يجدوا صورة الشهيد قد زالت، فإنهم سيطلقون عليه النار. وعندما وصل النبأ إلى والد الشهيد قام باتخاذ قراره الصعب، بإجراء تعديلٍ على الصورة حتى يحرّر الناس من عنف الأسئلة والمواجهة.
وبسبب ضيق الوقت، سارع الوالد إلى إزالة الصورة بطلائها، ليمحو صورة الشهيد الملثّم ووصيّته وظلّ أثرٌ من عينيه التي تشعّ بريقاً وتحدّياً وكأنها تراقب السائرين أمام الجدار. ثم قام جنود الاحتلال بعد ذلك بالعبث بصورة أخرى لشخص ملثّم في المخيم، وخطّوا عليها كتابات باللغة العبرية مع رسم نجمة داود.
وطالت الحملة التي شنتّها قوات الاحتلال منذ اجتياحها الضفة الغربية العام الماضي، تدمير معالم عديدة، منها: دوار الشهداء في ميدان الشهيد أبو علي مصطفى وسط مدينة جنين، وميدان الشهيد الحكيم جورج حبش، وميدان الشهيد عمر النايف عند المدخل الجنوبي للمدينة. كما امتد الاستهداف ليشمل النصب التذكاري أمام بلدية عنبتا، والنصب التذكاري للشهيد معتز زواهرة في مخيم الدهيشة، وغيرها الكثير.
قبل السابع من أكتوبر
تاريخياً، عكست جدران المخيم الواقع الفلسطيني المحاصر الذي يعاني من ضغطٍ يومي بسبب الحواجز والاستفزازات وتضييق الخناق على السكان، وعبّرت الرسوم والكتابات عليها عن تأثّر الناس المباشر بالأحداث السياسية والاجتماعية. كما أسهمت الجداريات والنصب التذكارية في بناء رمزية للذاكرة الجمعية والهوية الوطنية التي تتغير معانيها عبر الزمن.
دور في استعادة الأحداث التي لم يعد الناس يذكرها لكثرتها
وبعد انطلاق انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر 2000 ببعدها الشعبي، اقتصرت هذه النصب والجداريات على تمجيد الشهداء لا سيما في مواقع استشهادهم، أو في التأكيد على حقّ العودة. وغالباً ما كانت تثبّت على مداخل المخيمات، كما رمز المفتاح على مدخل مخيم عايدة في داخل حدود مدينة بيت لحم. وهي تتكون عادّة من حجرٍ أبيض يُكتب عليه اسم الشهيد وتاريخ ومكان استشهاده، وفي حالات محدودة كان نصباً رسمياً تتبنّاه البلديات أو مؤسسات أخرى، مثل النصب التذكاري ليوم الأرض، الذي يصادف الثلاثين من آذار/مارس من كلّ عام في مدينة سخنين (1978) وأشرف على تصميمه الفنان عبد عابدي، إضافة إلى النصب التذكاري لمجزرة دير ياسين التي قامت بها العصابات الصهيونية عام 1948، للفنان والمعماري إبراهيم حجازي (2006).
تعكس الجداريات والنصب التذكارية مفهوماً وطنياً متصلاً مع الإنسان والمكان والذاكرة، ويحفز الخيال على بناء المشهدية الذاتية لتجربة المتلقي، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وما يمثّله المكان من حضور طاغٍ على الفردانية لينتج ذاكرة جمعية تعتبر فيها هذه الرموز وكأنها مفاتيح أو كلمات سرية. وعملت هذه الأعمال طوال العقود الماضية على تأسيس بنية اجتماعية وثقافية متينة ومتصلة، وصنعت تاريخها المستقل بعيداً عن المؤثرات الخارجية، في مواجهة سعي الاحتلال على تكسير هذا الجدار الاجتماعي المنيع وخلخلة الوعي الجمعي للفلسطينيين من خلال سلوكه العنيف، واستعادة الأحداث التي لم يعد الناس يذكرها لكثرتها وبشاعتها.
سجل عنف الاحتلال
تعرضت المخيمات، وكذلك المدن الفلسطينية، لعملية تدمير ممنهجة للعديد من النصب التذكارية والمعالم الثقافية، قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر (2023). ففي عام 2017، حطّمت قوات الاحتلال النصب التذكاري في منطقة واد الغروس شرق مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، لبيان العسيلي (16) عاماً التي استشهدت خلال "انتفاضة السكاكين" سنة 2015 بالقرب من مستعمرة "كريات أربعة" المقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة.
ومن بين أبرز النصب التي تم تدميرها، أو مصادرتها تمثال الحصان في مخيم جنين في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2023، الذي شارك في إنجازه عام 2003 الفنان شادي الحرّيم - الذي لا يزال معتقلاً منذ أكثر من عام في سجون الاحتلال- مع الفنان الألماني توماس كيلبر. ونفّذ الفنانان التمثال في الذكرى الأولى لاجتياح مخيم جنين تخليداً لشهداء المقاومة، إضافة إلى تدمير أقواس العودة على مدخل المخيم، ودوار العودة، ونصب شيرين أبو عاقلة في جنين. هي اعتداءات متواصلة تهدف إلى طمس الذاكرة الثقافية الفلسطينية، في ظل دعوات دولية لحماية التراث الفلسطيني من الاندثار.
* فنان تشكيلي فلسطيني
إقرأ المزيد