استعادة عبد الحميد بعلبكي.. ذاكرة اللوحات والحكايا
العربي الجديد -

يعقب معرض "ذكرى عبد الحميد بعلبكي: تحيّة للجنوب" الاستعادي، المقام حالياً في "متحف سرسق" في بيروت، ويتواصل حتى الثامن من أيلول/ سبتمبر المقبل، دمار بيته في قريته العديسة، إثر قصف إسرائيلي أودى بالبناء، الذي أمضى بعلبكي (1940-2013) عمره في إنجازه. مع البيت الذي تقوّض اختفت مكتبة بآلاف الكتب وضاعت لوحات. المعرض الاستعادي هو كذلك جزء من ذاكرة الحرب، وواحد من آثارها.

ليس المعرض غنياً باللوحات، فقد فقدَ بعلبكي، في تضاعيف الحرب الأهلية قبل الحرب الإسرائيلية على لبنان، بعضاً من لوحاته، لعل أبرزها لوحة "عاشوراء" التي استلهمت المنمنمات الإسلامية، وبنت بالضبط على أسلوب الواسطي. لم يتابع بعلبكي هذا الأسلوب، الذي كان رائداً فيه، ومعرضه الحالي يشي بتقلّبه بين الأساليب.

هناك ما يردّنا إلى كلاسيكيات الفنّ اللبناني، سنتذكّر هذه البدايات أمام لوحةٍ تصوّر أمّاً تحمل ابناً على كتفيها. لكنّ بعلبكي لا يتكثّر من هذه النماذج الأكاديمية، مع ذلك لن نجد مجدداً ما يردّنا إلى المنمنمة الإسلامية التي رأيناها في أوائل أعماله وفي لوحة "عاشوراء" بالضبط.

تقوّض بيته واختفت مكتبته وضاعت لوحاته إثر القصف الإسرائيلي

لا نعرف لماذا لم يواصل بعلبكي فناً كان سابقاً فيه، وكان يمكن أن يفضي به إلى لوحة خاصة، وإلى مذهب في التصوير. مع ذلك نجد في لوحة، على الأقل، ما ينقلنا إلى المنمنمة العربية، كتلك اللوحة التي نجد فيها بأشكال طولية وتحت قوس تزييني جانبيه زخرفة لغصنين، وتحته زخرفة لسجادة، وفي أعلاه كتابة "حج مبرور وسعي مشكور".

من المعرض (العربي الجديد)

الأشخاص الماثلون في المدخل هم أيضاً، في هندستهم ووقفتهم وخطوطهم العمودية، يردوننا إلى المنمنمة الواسطية. مقابل هذه المنمنمة هناك "غيرنيكا" لبنانية. هذا هو اسمها وهي بالفعل "غيرنيكا" تعيدنا، من دون حرج، إلى الأصل البيكاسوي. تبدو بذلك إعادة للـ"غيرنيكا البيكاسوية" الأصلية. نحن نراها هكذا استعادة دائمة للأصل، الذي لا نجدها خائبة أمامه، فهي تملك روحه ومبناه.

ثمة أيضاً من الجانب الآخر، اللوحة التي تمثّل حصاناً مزخرفاً وطائراً محلقاً، هو الآخر مزخرف بخلفية نباتية مزخرفة، وأمامها رجل وامرأة معلقان من الجانبين فيما يشبه الصلب، وتحتهما بالأسود نسوة يتقدمن. نحن هكذا أمام ملحمة أخرى، "غيرنيكا" شخصية، وبقدرة على التمثيل ومخيال غني ودامغ. مرة ثانية نتساءل لماذا وقف بعلبكي هنا، ولم يستزد منه ويطوّره إلى أسلوب شخصي.

مع هذا التعدّد والتباين يسعنا أن نلاحظ أن للمعرض ما يشبه الوحدة، في ما تبقى من اللوحات. لن نجد أن اللوحات التي تمثل أشجاراً عارية وأغصاناً متخشّبة نافلة، بل هي في خلفية ما سيظهر "بعد ذلك" أشبه بالحكايا. سنرى هذه المرّة أشخاصاً، لكنهم في التعبير والتواصل، كهذا الرجل المستغرق الساهم وراء نظرته وسيجاره، والذي يبدو صمته دامغاً وحركته داخلية وبكماء أيضاً. 

سؤال اللوحة حاضراً ومثيراً (العربي الجديد)

هناك أيضاً حكاية في اللوحة التي تبرز راقداً في الفراش، أمام امرأة تشقّ يقطينة وتنضد قطعها على صينية. هناك أيضاً المرأة العاكفة بخطوط ثوبها وكتابها. لوحة كهذه تنطوي على حكاية، فثمة وراءها ما يبدو قصة بكاملها. هناك في لوحة أخرى رجلان بعصَوَيْهما، يتشاركان في حديث هامس. لا يمكن إلا أن يبدو سؤال اللوحة حاضراً ومثيراً. نحن هكذا، وفي غيره، أمام لوحات تبدو موازية لقصص نسمعها. نحن هكذا لا أمام لوحات فحسب، بل إلى جانبها قصص تكاد تخرج منها.

هذا ما يمكن أن يشبه الرسوم التي تواكب روايات وقصصاً، وتصنع لتمثيلها "إليستراسيون". نفكر إزاء رسوم هؤلاء الأشخاص، قليلاً أو كثيراً بالكاريكاتور، وربما ينقلنا ذلك إلى الرسوم الصحافية، وقد نفكر، ليس بدون سبب، في لوحات فنان كتولوز لوتريك، رُسمت في الأصل لغاية كهذه.


* شاعر وروائي من لبنان



إقرأ المزيد