العربي الجديد - 3/30/2025 1:37:26 AM - GMT (+3 )

"لقد بدأنا من الصفر، حيث لا شيء وحيث كانت رؤية الناس لنا ونحن نمارس الرسم في الهواء الطلق تُثير الضحك والسخرية. لكن باشرنا العمل منذ الخمسينيات وطوال ثلاثين عاماً كانت الأرض جرداء، وصبرنا وصابرنا حتى أتى جيل الثمانينيات". بهذه الكلمات وصف الفنان التشكيلي عبد الكريم العريض (1934 - 2025)، الذي رحل عن عالمنا الثلاثاء الماضي، عن عُمرٍ يناهز الحادية والتسعين عاماً، الملامح الأولى لبدايات الحركة التشكيلية في البحرين، التي يُعدُّ واحداً من أبرز روّادها وشاهداً على التحوّلات والمحطّات الفنية التي مرّت فيها.
وُلد عبد الكريم العريض في المنامة، وفيها تلقى تعليمه بمراحله الأولى، لكنه لم يدرس الفنّ أكاديمياً، مع ذلك، حرص على أن يكون رسّاماً محترفاً، وصار واحداً من الرواد الذين أسّسوا الحركة التشكيلية في البحرين، إذ افتتح أوّل معرض فنيّ خاص به في العاصمة عام 1960. شكّل معرضه نقطة انطلاق حقيقية للفن التشكيلي البحريني، ليساهم بعد ذلك في تأسيس جمعيات وتجمعات فنية، من بينها "أُسرة هُواة الفنّ"، و"جمعية البحرين للفنّ المعاصر".
نشَر الوعي الفنّي وأسهم في تطوير الذائقة الجمالية في البحرين
حرص العريض على إبراز دور الفنّ ووظيفته الثقافية والاجتماعية حين بدأ الرسم أمام الجمهور، كان لديه شعور بأنه يقوم بمهمة نبيلة، لا من خلال الرسم بحد ذاته، بل من خلال إتاحة الفرصة لجمهور العامة للتعرّف إلى الرسم وطرق معالجة الرسّام لمواده وكيف ينظر إلى موضوعاته. كان تبشيرياً في طريقة نظره إلى علاقة الجمهور بالرسم، وكان يهمّه أن يتعرّف الناس إلى بلده بطريقة مختلفة، غير تلك الطريقة العادية التي تُخفي الكثير من مصادر السعادة ولا تظهرها.
من زاوية عربية تُمكن قراءة لوحة العريض مقارنةً بـ "لوحة البدايات الواقعية"، إن صحّت التسمية، التي نجد ملامحها في أعمال فنّانين عرب آخرين، يخطر لنا على سبيل المثال، اللبناني عبد الحميد بعلبكي (1941 - 2013)، في لوحاته البيروتية، أو السوري محمود حمّاد (1923 - 1988)، أو المصري أحمد عبد الوهاب محمد علي (1932 - 2021)، جيلٌ تأثّر بتحوّلات الحداثة التي بدأت تعتمل أمام ناظريه، ولكن في الوقت ذاته ظلّ محافظاً على حدود التصويرية.
لم يقتصر اهتمام العريض على الرسم والتجريب فحسب، بل اهتمّ بالتأليف الفني والنقدي، إلى جانب إعداد البحوث والدراسات التاريخية، منها: "نافذة على التاريخ" (1999)، و"حصاد الفنّ" (2002)، و"المنامة خلال خمسة قرون" (2006)، و"أيام الفنّ والأدب" (2009). شارك في كثير من المعارض والفعاليات الفنية في معظم البلدان العربية، منها: معرض "الاتحاد العربي للفنون التشكيلية" في الرباط، و"المؤتمر الأول للفنون التشكيلية في العالم العربي" في دمشق. في عام 1984، نال "جائزة الدولة التشجيعية للفنون"، وفي 1999 حصل على "جائزة الدانة الذهبية" في الكويت.
تنوّعت إبداعات الراحل بين الرسم التعبيري والتجريدي، وتوثيق الحياة الاجتماعية والتراث الشعبي البحريني، كما عكست أعماله انفتاحه على الفنّ الأوروبي الحديث. وتميَّز بقدرته على التعبير عن موضوعات وقضايا محلّية وعالمية، بأسلوب واقعي. امتدّ عالمه الفني بين البحر والسوق، واستطاع أن يضيء برسومه الحياة التي عاشها البحرينيون في زمن صيد اللؤلؤ والتجارة به. كما استطاع أن يعكس في رسوماته تلك المسافة العميقة التي توجد بين الغياب والحضور اللذَين يمثّلان عنصرَي الحياة.
إقرأ المزيد