"معرض لايبزغ للكتاب": نحو مفهوم آخر للثقافة
العربي الجديد -

يُعتبر "معرض لايبزغ الدولي للكتاب" من أبرز المعارض الدولية المتاحة للقارئ والمستمع للكتب والقراءات الجديدة، ليس في ألمانيا فحسب، بل في جميع أنحاء العالم؛ إذ يجذب المعرض، الذي افتُتح أول أمس الخميس، ويتواصل حتى الثلاثين من الشهر الجاري، عشرات الآلاف من القرّاء والكتّاب ودور النشر. ومن المتوقع أن يبلغ عدد زوار المعرض هذا العام حوالي 250 ألف زائر، بمشاركة ما يقرب 2500 عارضٍ، سيتجمّعون في مركز المعارض التجارية في مدينة لايبزغ، التي تبعد عن العاصمة برلين 190 كيلومتراً.

وتعدُّ التظاهرة من أقدم التظاهرات الثقافية المستمرّة منذ عام 1632، أي منذ القرن السابع عشر، وقد أصبحت تقليداً واحتفالاً عالمياً، إذ يجرى في مدينة تعتبر من أجمل المدن الألمانية معمارياً، لأنها تجمع ما بين العمارتين القديمة والحديثة. وكان هذا المعرض من أبرز المعارض قبل أن ينطلق "معرض فرانكفورت الدولي للكتاب" الذي سرعان ما اكتسب أهمية كبيرة، ليس في ألمانيا فحسب، بل أصبح ثاني أبرز معرض في العالم.


ضيفة المهرجان

جرت العادة أن يستضيف المعرض في كل عام عشرات الكتّاب والصحافيين ودور النشر، ليُعرّف زائريه على ثقافة بلد معين كضيف للمعرض، وستكون النرويج ضيفة هذا العام، إذ سيتعرف الزوّار من خلال ترجمة الكثير من الكتب الكلاسيكيّة والحديثة إلى اللغة الألمانية على الثقافة النرويجية، في الوقت الذي يُخصص فيه جناح لعرض الكتب بلغتها الأصلية، إضافة إلى عقد لقاءات مباشرة مع العديد من كتّاب النرويج والاستماع إلى قراءاتهم في أمسيات متاحة بعدّة لغات.

ومنذ إعلان النرويج بلداً ضيفاً في نسخة هذا العام من المعرض، تسابقت دور النشر الألمانية إلى التعاقد مع مترجمين ومؤلفين، وورثة الراحلين منهم، لإصدار الترجمات الألمانية لعشرات الكتب.

أكثر من 3000 فعالية ثقافية في 350 موقعاً مختلفاً في المدينة

وستقوم ولية العهد النرويجية ميت ماريت بافتتاح الجناح النرويجي في المعرض، والذي حمل شعار "حلم في الربيع"، وسيشارك في الحدث أكثر من 40 كاتباً ورسّاماً نرويجياً، من بينهم أسماء بارزة، مثل كارل أوفه كناوسغارد (1968)؛ الذي اشتهر عالمياً من خلال سلسلة "كفاحي" وضمت ست روايات من السيرة، والروائية وكاتبة السيناريو مايا لوندي (1975) التي أثارت روايتها الأولى "قصة النحل" ضجّة محلية وعالمية وتصدّرت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً لعدة أشهر، إضافة إلى نجوم صاعدين، مثل أوليفر لوفرنسكي (2003)، الذي تُرجمت روايته الأولى "أخي، عندما لا نكون عائلة، فمن سنكون؟" لأكثر من 15 لغة، وتصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعاً.

إلى جانب الأدب المعاصر، سيركز الجناح النرويجي أيضاً على الكتب غير الروائية، والروايات البوليسيّة، وكتب الأطفال واليافعين، إضافة إلى الأدب الخاص بشعب "سامي"، الذي يُعدّ آخر الشعوب الأصلية في أوروبا.


جائزة المعرض

تُعد "جائزة معرض لايبزغ للكتاب" من الجوائز المنتظرة كل عام في ألمانيا، وتمنح في ثلاث فئات، هي: الرواية، والكتب غير الروائية، والترجمة، ويبلغ مجموع جوائزها 60 ألف يورو. وصل عدد الترشيحات في هذا العام إلى أكثر من 500 مشاركة، وهو رقم قياسي غير مسبوق. ومن خلال مراجعة سريعة للكتب المرشحة في فئة الكتب غير الروائية، نجد أن أكثرها يدور حول الحروب، والسياسة، وأجهزة الدعاية والإعلام وتأثيرها في البشرية وفي كوكب الأرض.

أما في فئة الترجمة، فقد جرى ترشيح المترجم توماس فايلر (1978) من لايبزغ عن ترجمته لكتاب "قرى النار، جرائم الفيرماخت في بيلاروسيا، شهادات الناجين"؛ وهي الترجمة الأولى لهذا الكتاب الذي صدر قبل 50 عاماً، للكاتبين ألكسندر أداموفيتش ويانكا برول، حيث يتضمن شهادات الناجين من المجازر التي ارتكبها الجيش الألماني في "قرى النار" البيلاروسية خلال الحرب العالمية الثانية.

مناقشات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الثقافة والمجتمع

وفي فئة الرواية، ترشحت إلى القائمة القصيرة رواية "شبه جزيرة" لكريستينه بلكاو (1974)، و"حفنة من الدولارات" للشاعرة والروائية إستر ديشيرايت (1952)، و"رخو" للروائي وكاتب السيناريو النمساوي فولف هاس (1960)، و"هواء" للكاتب والصحافي السويسري كريستيان كراخت (1966)، و"كوماندوس أجاكس" للكاتبة الألمانية من أصول كردية جميلة شاهين (1990).


منتدى حول الذكاء الاصطناعي نعمة أم لعنة؟

يوماً بعد آخر يزداد تدخل الذكاء الاصطناعي في حياة الأفراد والمؤسّسات والبلدان، وتزداد الأسئلة حول هذا التدخّل ومداه ومستقبله. وفي هذا المجال سيُقام خلال أيام المعرض منتدى ضخم حول الذكاء الاصطناعي "هل هو نعمة أم نقمة؟" على حد تعبير المنظّمين، الذين دعوا شخصيات أدبية وعلمية وصحافية وقانونية وسياسية لهذا المنتدى. وتحت عنوان "الإنسان والذكاء الاصطناعي: هل هو عالم جديد رائع؟" ستخصص جلسات عديدة لمناقشة تأثيرات الذكاء الاصطناعي على المجتمع.

ومن المقرر أن تشمل الموضوعات المطروحة عدة محاور وأسئلة عن تأثير الذكاء الاصطناعي على الديمقراطية والمشاركة السياسية، وهل يمكن، أو ينبغي، أن يقوم الذكاء الاصطناعي بكتابة الكتب ورسم اللوحات؟ وما هي القواعد المجتمعية التي نحتاجها لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي؟


قسم الصوتيات وعروضه

اعتاد المعرض أن يخصص قاعات للصوتيات والكتب المسموعة، وهي ميزة متجددة تُقدم لعشاق الكتب الصوتية، حيث يمكن للزوار الاستمتاع بتجربة استماع مريحة بدلاً من القراءة بأنفسهم. ويضم هذا القسم منصة صوتية جديدة وثلاث جزر استماع، للاسترخاء وتجربة محتويات جديدة، سواء كانت كتباً مسموعة، أو قراءات أدبية، أو بودكاست.

وضمن أنشطة هذا القسم سيقرأ ستيفان كامينسكي مباشرة من ملحمة الفانتازيا "أغنية الجليد والنار" لجورج آر. آر. مارتن؛ وهي الرواية التي استندت إليها سلسلة "صراع العروش" التلفزيونية. بينما سيقدم مايكل كيسلر قراءة من كتاب "رسائل من الغد، كنا نود قراءتها بالأمس"، وهو آخر أعمال الكاتب الألماني الشهير تيمور فيرميس (1967). بالإضافة لحوارات مع ممثلين وكتّاب وصنّاع البودكاست الأدبي، في تجربة فريدة تعد الجمهور باكتشاف عوالم أدبية جديدة من خلال الصوت وتأثيراته.


حوار وصخب

يُعد حفل "ليت بوب" واحداً من أبرز وأجرأ الفعاليات في المعرض، حيث يجتمع الأدب، والحوار الثقافي، والموسيقى، ويمكن للزوار الاستمتاع بجلسات قراءة لروائيين معروفين، مثل مارتينا هفتر التي نالت "جائزة الأدب الألماني" في العام الفائت، وسيباستيان فيتسيك، كاتب الفانتازيا الأكثر مبيعاً وشهرة، وغيرهما، والحوار وإلقاء النكات السياسية والضحك والرقص معهما، إضافة إلى لقاء مؤثرين على منصات تيك توك وإنستغرام، وممثلين مسرحيّين وموسيقيّين ومطربين. يُعتبر "ليت بوب" مزيجاً فريداً من الحوار الثقافي والاحتفال الصاخب.


لايبزغ تقرأ

لن تكون مساحة المعرض فقط هي المكان الوحيد لعشاق الأدب خلال المعرض، بل المدينة بأكملها، حيث سيُنظّم أكثر من 3000 فعالية في 350 موقعاً مختلفاً في المدينة، ضمن ما يُعرف بمهرجان "لايبزغ تقرأ"، بمشاركة كاتبات وكتّاب من مختلف أنحاء العالم. وسيكون من بين هؤلاء كاتبتان حازتا على "جائزة نوبل للأدب"، هما الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش (2015)، والكاتبة البولونية أولغا توكارتشوك التي مُنحت الجائزة عام 2019 بأثر رجعي.

ويُعد "لايبزغ تقرأ" من أضخم الفعاليات، إذ ستتنوّع القراءات والحوارات واللقاءات المباشرة مع الكاتبات والكتّاب، وستكون هناك قراءات في مختلف أنواع الكتابة الروائية والقصصية والشعرية، وكذلك قراءات لكتّاب غير روائيين. 


كلاب أوروبا

بدءاً من عام 1994 أُسست "جائزة لايبزغ للأدب" من أجل التفاهم الأوروبي، وهي تُمنح كل عام قبل افتتاح المعرض لأعمال أدبية تتناول "قضايا أوروبا أو التاريخ الأوروبي أو التحديات الاجتماعية والسياسية في أوروبا". ومنحت الجائزة هذا العام للكاتب والمترجم البيلاروسي ألهيرد باشاريفيتش (1975) عن روايته "كلاب أوروبا"، التي تتناول قصة دولة منغلقة ومغلقة. ورأت لجنة التحكيم أنها "مزيج جريء من الإثارة السياسية والملحمة، والمغامرات والسخرية والحكايات الخرافية". وبما أن الرواية تم حظرها في بيلاروسيا، فإن حصولها على واحدة من أبرز الجوائز الأدبية في ألمانيا يعد أمراً بالغ الأهمية، وفق تعبير لجنة التحكيم. 


محبّو المانغا

منذ عام 2014، بدأ "معرض لايبزغ للكتاب" بإضافة مهرجان "المانغا" لفعالياته. ويقصد بـ"المانغا" قصص الرسوم اليابانية المصوّرة، إذ أسهم المعرض في انتشار هذه السلسلة من الكتب في جميع أنحاء أوروبا.

وفي دورة هذا العام، سيكون عشاق "المانغا" و"الأنمي" و"ألعاب الفيديو" على موعد مع الكتب والكتّاب والرسامين و"الكوسبلايرز"؛ وهم الذين يُقلّدون الشخصيات في ارتداء ثيابها وحتى تمثيل مقاطع من حكاياتها، في حفلات توقيع من الرسامين ومسابقات للأزياء وجلسات نقاش حول الثقافة اليابانية والقصص المصورة، وصولاً إلى أجنحة لشراء المجسّمات والبضائع التي تخص الأنمي، والتي تشمل كذلك مسلسلات تلفزيونية، وأفلاماً سينمائية، وأفلاماً قصيرة، وتعكس ثقافة وفكر الشعب الياباني.



إقرأ المزيد