العربي الجديد - 2/28/2025 4:44:34 AM - GMT (+3 )

حين نطالع الدراسات التي انصبّت مؤخّراً على نقد الاحتلال وتفكيكه، يُخيَّل إلينا أنّ هذا الخطاب مستحدث، توصّل إليه الفكر المعاصر بعد أن تابع فظاعات "إسرائيل" وما اقترفته في حقّ فلسطين أرضاً وثقافة. إلّا أنّنا حين نستعيد كتاب الحبيب ثامر (1909 - 1949)، "هذه تونس" (1948)، نكتشف أنّ هذا النقد البنيوي سبق أن اجترحه مفكّرون مثل مصالي الحاج وابن باديس وعبد العزيز الثعالبي وغيرهم حين كانت بلدان المغرب العربي ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي. ولا ننسى أنّ هذا النقد "المناضل" ضدّ الاحتلال بأشكاله الخفية والجلية نضج في أعمال فرانتس فانون وتلامذته الذين حللوا هذه الظاهرة نظرياً بغاية التحرّر واقعياً.
هذا المنهج ذاته هو الذي اتّبعه قبله هؤلاء المنظّرون العرب، ومن بينهم الحبيب ثامر، الطبيب التونسي، الذي ركز على آليات الاستعمار الخفي، الذي سُمِّي في حالة تونس والمغرب "حماية" تضليلاً، مع أنّه استحوذ على الأرض وتغلغل في العقول ليصل إلى فرض رؤية للعالم، إذ لم يقتصر الاستعمار على احتلال الأرض واستغلال مواردها الطبيعية، وإنّما شمل التأثير العميق في نظم الحياة اليومية من أجل طمس الهوية وسلب الوعي ليكون المستعمَر مجرّد خاضع.
قسّم الحبيب ثامر كتابه إلى ثلاثة أقسام: عرّف في الأوّل منها بتاريخ تونس وخصائصها الجغرافية، مع ذكر منظومتها القضائية والإدارية والتجارية. وفي القسم الثاني، نقد سياسات فرنسا الاستعمارية إزاء الشعب التونسي إيغالاً في طمس هويته وتغييب ثقافته ليس فقط من خلال العنف المادي، كتقتيل المناضلين ونفيهم، بل العنف الرمزي الذي شمل كلّ قطاعات الحياة من اقتصاد وإدارة وتعليم وثقافة؛ حيث جُرّد بايات تونس، منذ 1881، من كلّ الصلاحيات فلم يبقَ لهم إلا مظاهر شرفية لا أثر لها في حياة الناس. وفي القسم الثالث، ضمّن نبذة عن تاريخ الحركة الوطنية التونسية منذ أن فُرض الاحتلال إلى تاريخ صدور الكتاب.
ربَطَ بين مشروع التحرّر وتحديث السياسة والمجتمع
بهذه الخِطّة، عاد ثامر إلى مظاهر الاحتلال بأشكاله الخفية والجلية من أجل تفكيك طرقه الماكرة التي وظّفتها السلطات الفرنسية عبر المُقيم العام وعساكره لطمس الهوية العربية-الإسلامية وإلحاقها بما يعتبرونه نموذجاً كونياً في القيم والفكر. فكل صفحة عبارة عن تشريح دقيق، أنجزه ثامر بدقّة الطبيب الذي كان، للاستعمار وأساليبه، تشريحاً علميّاً اعتمد فيه الوقائع الموضوعية والتوثيق التاريخي الرصين. وقد ساعده تكوينه الطبّي في كلّيات فرنسا ثمّ انضمامه إلى "جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين بفرنسا"، في ثلاثينيات القرن الماضي، على إجراء هذا التشخيص للحالة التونسية ليستنتج أنّ المقاومة المسلّحة هي الكفيلة وحدها بتحرير البلد من نير الاستعمار.
وقد استقى ثامر مادّة كتابه الثرية من مَصدريْن متكامليْن، فقد اعتمد أوّلاً تجربته المعيشة في النضال والاحتكاك اليومي بالسلطات الاستعمارية وهي تمارس أشدّ أنواع التضييق والتنكيل بالأهالي الذين تُسمّيهم ازدراءً Indigènes (السكّان الأصليّين)، كما لو كانوا قبائل بدائية تعيش في الأدغال، فعرّضوهم للاضطهاد ورُمِي المناضلون منهم في السجون والمنافي. وأمّا القسم النظري فاستعان عليه بزملاء الحزب الدستوري ضمن خطّة عمل جماعية للتحقّق من المعلومات حتى يكون "التعريف بالقضية التونسية علمياً".
وانتظمت هذه المادة بخيط رفيع هو الدعوة إلى التحديث العملي للسياسة والمجتمع، إذ بحُكم تكوينه الطبّي، دعا ثامر إلى تغيير العقليات الخاملة التي كانت تعوق مسار التحرّر وتحثّ على الاستسلام باعتبار الاستعمار قضاءً لا مناص منه.
ويكمن ذكاء الرجل في محاربة فرنسا بأسلحتها، مع التشديد على قيم الحرّية والعدالة والأخوّة التي طالما تغنّت بها، كما عاد إلى مبادئ القانون الدولي وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، ولم يفتأ بذكائه الدبلوماسي، يحاضر في المحافل الدولية ويكتب باللسانيْن العربي والفرنسي حتى قضى في حادث طائرة خلال رحلة إلى باكستان للتنديد بفضائح الاستعمار، رفقة زملائه من قادة المغرب العربي بُعيْد طبع كتابه، فكان أفضل تركة أورثها للأجيال القادمة.
نصٌّ لا يفقد راهنيته بعد قرابة ثمانين عاماً من صدوره
وقد حُرّر هذا النصّ بعربية عصرية، لأنّ الغرض منه، وقد صدر عن "مكتب المغرب العربي" بالقاهرة، التعريف بالقضية التونسية؛ وكأنّ هذا النفس التحرري قد أطلق عقال القلم واللسان وخفّف الخطابة العربية من أثقال البلاغة. ففيه نقرأ خطاباً واضحاً، ومنه ننقل هذه الفقرة لنُظهر حداثة الأسلوب وراهنيته، فكأنه يصف ما يجري حالياً من تكميم للأفواه وقمع للحرّيات تحت ذرائع واهية: "يعيش الشعب التونسي تحت كابوس من الإرهاب لا نجد له نظيراً حتى بين الدول الديكتاتورية، فالحرّيات العامّة لا وجود لها منذ أن فَرَضت فرنسا 'حمايَتَها' على هذه البلاد والشعب التونسي لا يملك ولو جزءاً بسيطاً من الحرّية في أيّ مَظهر من مظاهرها (...) ونجد أنّ السياسة الفرنسية المتّبَعة هي مصادرة الحرّيات العامّة، سواء في الاجتماع أو القول أو التنقّل والاستناد إلى القوّة وفرض الأحكام العسكرية لإخضاع البلاد وتكميم الأفواه".
ولعلّ تحديث أسلوب الكتابة كان جزءاً من عملية التحرير الشاملة التي تمرّ عبر استخدام خطابٍ يفهمه الجميع ولا يضيع في متاهات السفسطة والبديع.
فعندما جثم الاستعمار بكلكله على الولايات العثمانية المستضعفة، ظنّ أنه ألحقها بأملاكه إلى الأبد وجعلها حديقته الخلفية. ولم يجل بخاطره أنّ رجالاً ونساءً سيتقنون لغته ويتمثّلون قيمَه ثمّ سيحاربونه بهما حين يدركون أنّها مجرّد غطاء للاحتلال وأنّها لا تنطبق على كلّ بني الإنسان، بل تصدق فقط على الأوروبيين، في ازدواجية معيارية مَقيتة. كان الحبيب ثامر وزملاؤه الذين درسوا في فرنسا بعد أن تشبّعوا من تراثهم العربي-الإسلامي قد خرجوا من هذه الحرب بأفضل غنائمها: اللغة والعلم والقانون، ثم أشهروها سلاحاً في وجه مَن أنتجها ثمّ خانها أو مارسها في انتقائية عنصرية.
حين نستعيد هذا النقد الدقيق للاحتلال الفرنسيّ لا يمكن إلّا أن نستحضر الاحتلال الإسرائيلي. فرغم أنّ الكتابَ حُرّر قبل النكبة بسنة واحدة، فإنّ تحليلاته تصدق على حرب الإبادة التي تدار اليوم في غزّة، فضلاً عن احتلال أحيائها وتقتيل شعبها، بل يصدق على كلّ تجربة استعمارية مهما كان دافعها. فلو حذفنا اسم تونس من صفحات الكتاب وعوّضناه بفلسطين، لظلّت كلّ فقرة منه وصفاً للعناصر المكوّنة لجوهر الاستعمار التي تتجلّى في كلّ تجارب الاحتلال.
ونكاد نقول، على سبيل التهكّم، إنّ الاستعمار الفرنسي كان "رحمةً" مقارنة بما تقترفه اليوم "إسرائيل" من إبادة ممنهجة بحقّ الأطفال والنساء والعجّز. وما هذه الوحشية إلّا الوجه الأفدح في تعابير الاستعمار، مع أن المصطلح مجرّد غطاء مضلّل لأنه مشتقّ من العمارة والبناء. تجاوزت "إسرائيل" كلّ الخطوط الحمر أخلاقياً وعسكرياً. ولا غرابة أنّ وحشيتها هذه تقترف بمرأى ومسمعٍ من دول العالم المتقدّم التي كانت سابقاً كيانات استعماريّة مفترسة.
* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس
إقرأ المزيد