"ريلكه": الشاعر في عزلته وأسفاره
العربي الجديد -

يُعَدّ النمساوي راينر ماريا ريلكه (1875 ــ 1926)، من قلائل الشعراء الذين تركوا بصمة أساسية على الشعر الأوروبي في الفترة بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وذلك على طرفَيْ نهر الراين: حيث ترك صاحب "بِلا حاضِرٍ" (1898) أعمالاً لعبت دوراً بارزاً في تشكيل المشهد الشعري، إن كان في لغة غوته أو في لغة موليير، اللتين كتب فيهما.

وإضافة إلى مجموعاته الشعرية العديدة (أكثر من عشرين مجموعة، أغلبها بالألمانية واثنتان منها بالفرنسية)، وضع ريلكه أعمالاً أساسية في حقولٍ أُخرى، إن كان في السرد (مثل روايته ذات الطابع السيَري "مذكّرات مالتا لاوريدس بريدجه"، 1910)، أو في التنظير للكتابة الشعرية (ولا سيّما مع عمله المعروف "رسائل إلى شاعر شاب"، 1910).

عن منشورات "بوان" في باريس، صدرت طبعة جديدة من كتاب "ريلكه ــ مونوغرافيا"، للشاعر السويسري الذي رحل العام الماضي فيليب جاكوتيه (1925 ــ 2011)، والذي يُعَدّ من أبرز مَن ترجموا ريلكه إلى الفرنسية.

ينتمي العمل إلى ما يُعرَف بالمونوغرافيا، أو الأفرودة، وهو نوعٌ من الكتب يسعى إلى إعطاء صورة متكاملة قدر الإمكان حول موضوع معيّن، وهو ما يسعى جاكوتيه إلى القيام به مع ريلكه، حيث يأتي العمل كمقدّمة إلى حياته ومجمل أعماله في الوقت نفسه.

ومن أجل تقديم قراءة كهذه، يدخل جاكوتيه إلى عالَم ريلكه من باب العلاقة الضرورية بين حياة الشاعر النمساوي وكتابته، حيث يصف المؤلّف انتقال ريلكه المبكّر إلى الكتابة كمصير حتميّ، إذ سعى من خلال القصائد والسرد إلى تضميد جراحه وتجاوُز الصعوبات التي عرفها في طفولته، ولاحقاً مع رحيل والده. وينقل جاكوتيه عنه قوله في إحدى رسائله: "عانيتُ، وما زلتُ أعاني، وما زلتُ خائفاً ــ لكنّني أكتب؛ بدأتُ حياتي في ظروف صعبة، لكنّني أعمل الآن على استعادة التوازن من خلال الكتابة".

يُتابع جاكوتيه الشاعر النمساوي منذ طفولته وحتى سنواته الأخيرة ورحيله في مصحّة بسويسرا، وما تخلّل ذلك من عزلةٍ تارةً، ومن أسفار (إلى روسيا وإيطاليا وفرنسا)، ولقاءات برموز زمنه من كتّاب وفنّانين تارةً أُخرى، مستنداً في كلّ مرّة إلى مقتطفات من أدبه، ومن مراسلاته، ومشتغلاً في كلّ مرّة على إبراز التداخل بين مفاصل حياة الشاعر وأعماله.



إقرأ المزيد