هل فضح كأس العالم الإسلاموفوبيا في إيطاليا؟
العربي الجديد -

خلال حفل افتتاح البطولة، 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري (Getty)

"افتتاح المونديال بآيات من القرآن الكريم كان بالتأكيد فرصة لا تُعوَّض في أذهان المنظّمين لإيصال جمال الرسالة القرآنية في افتتاحية كأس العالم". هكذا استهلّ "المعهد الإسلامي للدراسات الإسلامية المعمّقة" في إيطاليا بياناً له نشره على فيسبوك، بعد بثّ افتتاحية الحدث الرياضي الأبرز حول العالَم على القناة الوطنية الإيطالية Rai، الذي لاحظ مسلمو إيطاليا، كما لاحظ القائمون على "المعهد الإسلامي" (IISA)، كيف أن التلفزيون الإيطالي حال دون إيصال رسالة السلام -التي أرادها منظّمو المونديال- إلى إيطاليا، وذلك بعد أن فُرضت رقابة على ترجمة كلّ الإحالات الإسلامية من الحفل.

"بدأ كلّ شيء مع استخدام العبارة المثيرة للشفقة 'مرحباً بالجميع' بدل ترجمة البسملة"، يقول بيان المعهد الذي تديره الشاعرة والباحثة الإيطالية الشابة فرانتشيسكا بوكا الدقر، "وبعدها ببساطة إغفال ترجمة الآية القرآنية "يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير". ويصف بيان المعهد الاسلامي ما جرى خلال البث الإيطالي لافتتاح المونديال العربي بأنه "رقابة على القرآن"، ثم يضيف أن "هذا أقلّ ما يمكن أن يحدث في إيطاليا، حيث يصعب للغاية الحديث عن الإسلام، وكلّنا نعرف ذلك".

والحقيقة أن مظاهر الإسلاموفوبيا التي تجلّت بمناسبة هذا المونديال (المستمرّ حتى الثامن عشر من الشهر المقبل) في أكثر الصور قروسطيةً على التلفزيون العمومي الإيطالي، حيث اختير حذف القرآن وترجمة البسملة بما يناسب الذوق العام على طريقة الترجمات المحرّفة والمبتورة للقرآن في العصور الوسطى، تأتي في سياق حملة واسعة وَجد فيها اليمين واليسار الإيطاليان نفسيهما متّفقين على بثّ كراهيتهما للإسلام ومَن يمثّله، كل على طريقته. 

استبدل التلفزيون الإيطالي البسملة بعبارة "مرحباً بالجميع"

ففي الوقت الذي اختارت فيه صحف اليمين التغطيات العنصرية والمحمّلة برسائل كراهية صريحة وصلت إلى حدّ تشويه صور الحفل الافتتاحي باستخدام فلترات مُعتمة توحي بجنائزية الحدث على طريقة صحيفة La Verità، انتهجت صحف اليسار كعادتها أساليب مواربة تمثّلت بالتجاهل الكلّي لتغطية حفل الافتتاح في اليوم الأوّل، وبدلاً من ذلك اختيار ثيمات "نضالية" للحديث عن انطلاق الحدث الكروي الأبرز في العالم، على غرار صحيفة Il manifesto الشيوعية التي ذكّرتنا بحقوق العمّال وبقية حقوق الإنسان في هذا المونديال. لتتمادى ذات الصحيفة في اليوم الموالي بوصف افتتاح المونديال بكلمات لا يمكن تمييزها عن صحف اليمين المتطرّف، بل واعتبار الندوة الصحافية التي عقدها رئيس الفيفا بالـ"عجيبة".

كلّ هذا بالرغم من أن الجريدة نفسها تُعتّم منذ أسبوع كامل على فضيحة مدويّة بطلها نائب عن حزب تحالف الخضر اليساري (التي تعد Il manifesto ذراعه الإعلامية)، وهو الذي أظهرت تحقيقات للنيابة الإيطالية أن زوجته وحماته تُشغِّلان في التعاونية التي تديرانها مهاجرين بلا أوراق قانونية، في ظلّ ظروف إنسانية مزرية. وفضلاً عن تعرّض هؤلاء العمّال لإساءة معاملة بإبقائهم لأيام دون طعام وشراب وكهرباء ولا حتى ثياب، بحسب ما كشفته التحقيقات، فهم أيضاً من القُصّر. وقد بلغت قيمة المستحقّات التي لم تُدفع للعمّال في هذه التعاونية 400,000 يورو. الصمت المطبق للصحيفة عن انتهاك حقوق الإنسان والعمال والمهاجرين والقصّر في هذه الواقعة، وتنديدها بالمونديال العربي في المقابل والسخرية منه، بل واعتبار الحديث عن النفاق الغربي في هذا الصدد حدثاً "عجيباً"، لم يفاجئ أحداً في إيطاليا. 

فعلى عكس اليسار الفرنسي، الذي يطلق عليه اليمين الفرنسي اسم اليسار الإسلاميّ (Islamo gauchisme)، يعمل اليسار الإيطالي على وضع مسافة بينه وبين الإسلام في كلّ سانحة، بل ويحرص أيضاً على إظهار فوقيته على الإرث الثقافي العربي، وإبراز تسامحه معه في حالات محدّدة فقط، إنْ هي توافقت مع إيديولوجيته. ولا يكاد يُذكر أي اسم في إيطاليا حالياً يمكنه مضاهاة أسماء فرنسية مثل باسكال بونيفاس (Pascal Boniface) أو فرنسوا بورغا (François Burgat) أو جان بوبيرو (Jean Baubérot) في مرافعاتهم الموضوعية عن الإسلام الحضاريّ. بل على العكس من ذلك، تُلاحَظُ حالةٌ شديدة من الحرج تلفّ الدوائر اليسارية إذا ما استدعى موقفٌ ما الدفاع عن المكوّن الإسلامي في السياق الثقافي العالمي. ولا تُفَعَّل خاصّية التنديد بالإسلاموفوبيا المندرجة ضمن حزمة نضالات تأتي معاً على طريقة Full package، إلا في سياقات سياسية انتخابية بحتة.

العنصرية المؤسَّسة بنيوياً لن تتغّير بين ليلة وضحاها

كلّ ذلك دفع مسلمي إيطاليا في السنوات الخمس الأخيرة إلى أخذ مسافة من هذا التيّار، والتوقّف عن اعتباره حليفاً ثقافياً لهم. وهكذا خُلقَت دوائر إيطالية مستقلّة للتحدُّث باسم الإسلام الإيطالي على غرار مجلة La luce الشهرية، التي انطلقت منذ أسابيع قليلة تحت إدارة دافيدي بيكاردو، وهي دورية ذات خطّ تحريريّ مستقلّ عن كلّ التيارات السياسية الموجودة حالياً في البلد. بالإضافة إلى تأسيس مراكز بحوث نشطة، على غرار "المعهد الإسلامي للدراسات المعمّقة"، الذي يشرف على دورات وإصدارات جادّة لا توظِّف الرطانات السياسية المستهلكة، بل تجنح إلى تكريس خطاب معرفي رصين.

أمّا اللافت في هذه المؤسّسات الجديدة، فهو أنها صناعة جيل إيطالي "أباً عن جد"، كما يُقال، لا صناعة جيل مهاجرين مجنّسين أو غير مجنّسين، الأمر الذي يعطي صبغة مختلفة لتيّار جديد يحمل لواء مكافحة الإسلاموفوبيا انطلاقاً من مرتكزات ثقافية إيطالية. فهل سينجح هذا التيّار الإيطالي الصرف في إصلاح ما أفسده تحالف المهاجرين العرب - اليساريين الإيطاليين منذ عقود في قضية الإسلام في إيطاليا؟

الأكيد أن التجاوزات الخطيرة التي ظهرت من خلال فرض رقابة واضحة على القرآن في التلفزيون الإيطالي خلال افتتاحية المونديال لا تمثّل سوى ثمرة إسلاموفوبيا متجذّرة في المخيال الجمعي الإيطالي، كذلك إن تغيير هذه العنصرية المؤسَّسة بنيوياً على نحو تراكمي لن يتمّ بين ليلة وضحاها، لكنّ المهم أنّ العَمَلَ على تفكيكها قد بدأ بالفعل.


* روائية جزائرية مقيمة في إيطاليا



إقرأ المزيد