هذه المرّة لا أرضَ أرتطم بها
العربي الجديد -

"يافا 1948"، شيماء فاروقي، ألوان مائية على ورق، 2021

كلارنيت محمد

مَسَكَ الكلارنيت
ونَفَخَ كلاماً كثيراً.

اقترب منّي 
أبي،
وهمس:
أخوكَ نفخَ الرّوح.

وحين رأيتُه حاضراً
أمامي، أيقَنتُ.
لقد شممتُه، 
ورأيتُ رملَ يافا في قدميه الحافيتين.

ظلّ محمد ينفخُ، وينفخ.
وأبي يبتسم، ويبتسم
حتى بانت قسمات وجهه.

للنَّفخِ لُغةُ الخَلق.

أتراني 
حين أنفخ على الورق
 - يا أبي -
هل أقصد شِعراً؟

كَم كُنت مُمتناً
حين بعَثَتْك نفخةُ الرّب
كم صرتُ مُمتناً
لأنّ النّفخَ في الكلارنيت يُعيدُك.


■ ■ ■ 


حاملو الشمس

(إلى أهل "مَسافِر يطا")

أولئك 
الذين يعيشون على هامش الاكتراث،
وهامش الأحاديث اليومية.

المنفيون في العراء،
داخل الوطن،
وخارج الزمن.

حاملو الشمسِ
في عِزّ حرّها.
يسيرون بين المَسافِر
في الجبال.

لا السُّلطان يعرفهم،
ولا لصوص المُستعمرات.

عطشٌ.. 
حَرٌّ، وإخطارات بالهدم.

مَنسيون 
في الخِيام.


■ ■ ■ 


نشرة صباحية 

يطير العصفور
فوق الحواجز،
بجناحَين 
وقلبٍ مُثقَل.


عصفورٌ آخر
لم يغادر العُشّ
يقرأ قَوْلَ حكيم:
في بلاد السَرْو
التعبُ بسملةُ.


4/ 5/ 2021


■ ■ ■ 


شارع المظاهرة

أسيرُ في شارع المُظاهرة 
جريحاً،
قبل أن يُطلَق رصاص
مُختنقاً،
قبل أن تُطلق قنابل
مُفارقاً،
قبل أن يسقط قتلى.


1/ 7/ 2021


■ ■ ■ 


بعد كُلّ معركةٍ

بعد كُلّ معركةٍ 
أخاف أن يُنسى الراحلون
وأن تذرو أسماءهم الرّيح.
أخافُ
أن تُحاصرهم الأغاني
وتطويهم القصائد...
وإن مرّت
تمرُّ الأخبار دونهم.


26/ 5/ 2021


■ ■ ■ 


قلب علي حرب

بعيداً عن العيون والصور، 
ووحيداً.
ظهرتَ يا علي بين الأشجار،
بثوبك المعطّر بالتراب.

بعيداً عن الوظيفة
وقريباً من قلب البلاد
سقيتَ الأرضَ ومضيت يا علي حرب
وجهاً وقلباً في مواجهة القَتَلة.
 

* استشهد علي حسن حرب، في 21 حزيران 2022 بطعنة في القلب من مستوطن، خلال تواجده بأرضه في بلدة إسكاكا قضاء سلفيت.


■ ■ ■ 


سُقوط حُرّ

أكان للأرض
أن تدور
لولا سقوطها الحُرّ؟

لم تسقط خيامُ اللاجئين!

أينما داروا،
تتدلّى الأيامُ
مشانقَ
من السماء.

كُلّ الدروب عواصف!

لو لم ترتطم الأرض بي،
لبقيت ابن الفضاء.

ما الذي اقترفته،
لأخسر البحر
وأرث العطش؟


29/ 3/ 2021


■ ■ ■ 


تبعثني فكرةٌ جديدة

على حافّة الذاكرة أقف
وأُلقي بنَفْسي.

تباً..
لم ألبس حقيبة الهبوط!

كُلّ مرّةٍ أرتطم بالأرض
فأموت
وتبعثني فكرةٌ جديدة
على الحافّة نفسها.

هذه المرّة
لا أرضَ أرتطم بها.


■ ■ ■ 


رحل مشتاقاً للبحر

في المُخيّم؛
مقبرةٌ باسم الشهداء
يعيش فيها أبي.

لم تقتله بنادقُ الاستعمار،
ولكن؛
رحل مشتاقاً للبحر.


30/ 4/ 2021


■ ■ ■ 


لم تؤلمه نظرات نابليون

حين هسَّ النصلُ 
في أضلعه
لم يبكِ جدّي.

لم تؤلِمْه نصال بنادق جنود نابليون
المُمْعِنة في طعن قتلى الرّصاص للتأكد من موتهم
ولم يغرق،
حين أُلقي في بحر يافا*.

وحين مشت مُجنزرات بنغوريون
على جُثَث أولاده 
في عام النكبة،
لم ينكسر.

لكنّه بكى بحُرقة
مع الموج..
حين رحل أبي -
طفلُ البحر
الذي أرّقته الأرض.


10/ 6/ 2021

* في عام 1799، ارتكب نابليون بونابارت مجزرةً بحق 4100 جندي في يافا، غدراً، بعد استسلامهم لتجنّب خسائر بشرية. أمر نابليون برميهم بالرّصاص بداية الأمر، ثُمّ استكمل المذبحة بالأسلحة البيضاء لتوفير الذخائر، ومن ثَمَّ قام بإلقاء الجثث في البحر.


■ ■ ■ 


عودةُ اللاجئين من البرزخ

يعودون
ويسيرون
في الحُلم
والمراسم
والصور.


1/ 4/ 2021


■ ■ ■ 


ليلٌ في صحراء

أيقظني قلبي.

فقدتُ الكثيرَ
في معارك القَدَر.

دفترُ الشِّعر في حقيبتي
بالفراغ ممتلئ.

ابتلعني الطّوفان.

كان اللّيلُ
سائلاً أسْوَد
كان السائلُ
ليلاً أسْوَد.


15/ 6/ 2021


■ ■ ■ 


شمس مُنطفئة

شمسُ هذا العيد
مُنطفئة.
لبس الحُزنُ جديدَه،
أكل الكعك 
وخرج يُردّد التكبيرات.

مشت الشوارعُ
بحثاً عن طوّافها المُثقَل،
ارتبكت السماء،
وزفرت عصافيرَها.

الطرقُ ضلّت
ولم تجده!

كان الحُزْنُ أجرأَنا
على ركوب سيّارته.


■ ■ ■ 


زهورُ الساقي


أكثر ما يُخيفني
في الرحيل؛
فكرةُ الاختفاء.

حين تذبُل زهورُ الساقي
وتنطفئ المجالسُ،
وتنطوي الأرائكُ
حول مقعدٍ ميّت.


مُقلقةٌ
فكرةُ اختفائه
من حيّز الحُلم!

البارحة 
أيقظني البُكاءُ،
واختفيت.
 

2/ 5/ 2021


■ ■ ■ 


سرب نَحْل

كسربِ نَحْلٍ
ينسابُ الوَقْتُ
في الممرّات. 


10/ 5/ 2021


■ ■ ■ 


رَدُّ الجميل!

أيُّ جميلٍ 
أردّه لأبي
في ورقِ الاعترافِ
بالحياة؟

يُسجّلني 
عند الميلاد
وأسجّله
عند الوفاة!


14/ 3/ 2021


■ ■ ■ 


مُفارقة

يدُه؛
هزّت سريري
كي أنام

ويدي؛
هزّت نعشَه
ليصحو.

هو؛
لم ينم.

وأنا؛
لا أستفيق.


9/ 4/ 2021


■ ■ ■ 


شاهد عيان

رأيتُه بأُمّ عيني
لم يَمُت..
أيقظه نَوْمٌ آخر.


17/ 3/ 2021


■ ■ ■ 


هكذا يغرق النّاجون

مُذ قرّر النّومَ
أغفو في حُفرة
باحثاً عنه،
بلا جدوى.

لا أجد يد النّجاة!

هكذا
يغرق النّاجون،
حين تغرق الرّوحُ
وحيدةً
في الأعماق.


20/ 3/ 2021


■ ■ ■


ابتهاجاً بالحُزْن

أنفخُ على الشَمعِ المُنطفئ،
فيشتعل
وأنطفئ أنا.


■ ■ ■


مِن زمن الفِطام

يا رَبّ
أرغبُ بِبُكاءٍ
لا أُجيده، 
وصرخةٍ
بِصوتٍ لا أجده.

كأنّه حُزن
تشكّل
من زمن الفِطام، 
أو ظِلٌّ 
نفضَ الغُبارَ
وصَرَخْ.


29/ 5/ 2021
 

■ ■ ■


لستُ بلال بن رباح

لستُ "ابن رباح"
ولكنّي مثله،
قَوْلي واحد؛
رحيلُك مُرّ

يا لثقل الصخرة!


14/ 3/ 2021


■ ■ ■


لستُ ناياً

لستُ ناياً
لتنفخَ الرّيحُ في أضلعي.
ولكنّي
قنديلُ صَوتْ
أطفأهُ البَرْد.


23/ 2/ 2021


■ ■ ■


قُنبلة قد تنفجر فجأة

اللّيالي موحشة
أكثر من ذي قبل

كُل رُكن
يبدو مهدوماً بغيابه

ريحٌ باردة
تعصف 
من كُلّ الأركان المهدومة..

الفراغ؛
يبتلعنا واحداً تلو الآخر

صدورنا مُطْبِقة 
كما لو أنّ صخرة فوقها...

الكل 
يُحاذر الاقتراب من الذكريات 
وأنا أيضاً
أُحاذر الكتابة عنها
كأن قنبلة ما 
قد تنفجر فجأة.


10/ 3/ 2021


* شاعر وصانع بودكاست من فلسطين



إقرأ المزيد