تميّز شمال العراق.. المنشئ البغدادي يصف التنوع الديني والقومي
العربي الجديد -

تناولنا في مقالتنا السابقة وصف الكاتب الإيراني محمد بن أحمد الحسيني، الشهير باسم "المنشئ البغدادي"، لبعض أقاليم كردستان العراق، في رحلة قام بها في العام 1821، برفقة المعتمد البريطاني المقيم في بغداد كلاوديوس جيمس ريج، والذي مات بسبب هذه الرحلة حين أصيب بالكوليرا في شيراز.

والطريف أن زوجة ريج عثرت بين حاجياته حين تسلمت جثمانه على أوراق تضمنت وقائع رحلته، ولكن الزمن لم يمهله لتحقيقها وإعدادها للنشر بسبب موته أثناء فراره من بغداد عبر الأراضي الإيرانية، بعد غضب الوالي داود باشا عليه، ولذلك تأخر نشر المذكرات حتى العام 1836.

في هذا المقال سنتناول وصف المنشئ البغدادي لباقي أقاليم شمالي العراق، بما في ذلك كركوك والموصل وما يحيط بهما. وفي هذا الوصف نرى التنوع القومي والديني الكبير في هذه المناطق، وهو تنوع يميز هذه البلاد منذ أزمان سحيقة.


من بغداد إلى كركوك

يقول رحالتنا في وصفه للطريق من بغداد إلى كركوك: "يمضي الطريق من بغداد إلى الجديدة، ومنها إلى النهروان سبعة فراسخ، وهو نهر قديم جداً لا ماء فيه، ولا يعرف من أين مبدؤه، ولا أين منتهاه. وفي جانب منه منزل، ونهر بط يبعد عن النهروان ثمانية فراسخ، وهو نهر ماؤه يتجمع في أيام الربيع، يأتيه السيل من الجبل، ويصب في البط، ومنه يأتي إلى دجلة. وأن طرفاً من هذا الماء في جبل حمرين، وجانبه الآخر مصبه في شط بغداد. وهناك محطة بريد إسطنبول من طاووق ودوز خرماتو، وفي هذا المنزل تبدل الخيول. ومن النهروان إلى هناك في فصل الربيع تكثر المراتع، ومن طريق تل تاوة تذهب القوافل إلى كركوك، وهذا الطريق بعيد نوعاً ما، ومن دوز خرماتو إلى كركوك ستة فراسخ".

وحول كركوك يقول: "بلدة جميلة وقلعتها تقع على تل، والبلدة تحيط بأطراف القلعة. أهلها أشرار كلهم أتراك إنكشارية، وأكراد أكثرهم شافعية، وبعضهم حنفية، ولها مائتا قرية، وكل قراها علي اللهية (علوية- كاكائية). وأهل كركوك؛ شيوخاً وشباناً يشربون الخمر، ويتوددون للغريب، يبرونه ويضيفونه، ولهم وفاء. وأكثر الأحيان يقضون مهام الغريب الذي يرد إليهم. يتقاتل الواحد منهم مع الآخر من أجل المحافظة على الغريب. وفي كل سنة يقتل بينهم عشرون أو ثلاثون بلا سبب أو باعث. وكل بيوت القلعة وظهرانيها ستة آلاف بيت، منها مائة وخمسون بيتاً من النصارى، وثلاثمائة بيت من اليهود، وإن المشاة التفكنجية في كركوك مشهورون بالكثرة".


بستان الوالي في سنة

ويستفيض المنشئ البغدادي في وصف طرق ومسالك الناحية الشرقية من كركوك، وهي مناطق تتبع لإيران، ولكن يغلب عليها الأتراك والأكراد، مثل همذان وسنة التي يقول فيها: "سنة ولاية طيبة مفرحة من مناظرها الجميلة، والفواكه فيها كثيرة ومشهورة، عماراتها جميلة، وخسرو آباد (بستان الوالي) فيها يبلغ محيطه فرسخاً واحداً، وليس له نظير في ملك إيران كله. وفي داخل هذا البستان عمارة تلائم الفصول الأربعة، وهي عالية كثيراً، وفيه كل نوع من الفاكهة. وقد غرس في أطراف هذا البستان اثنا عشر ألف شجرة من الأشجار المسماة بالحور، قائمة صفاً باتزان في قامتها، أي أنها على نسق مرتب، وفيها ستة آلاف بيت؛ منها مائتا بيت للنصارى، وثلاثمائة بيت لليهود.. وعشائر الأكراد الرحالة التي تسكن الخيام في سنة كثيرة، والأهالي في هذه النواحي والمقاطعات شافعية".

ويصف لنا قرية آلتون كوبري الواقعة على الزاب الكبير: "يقال لها باللسان العربي "قنطرة الذهب" وتلك البلدة طيبة كثيراً في مائها وهوائها، والرقي (البطيخ الأحمر) جيد فيها كثيراً، وبيوتها تقرب من ثلاثة آلاف بيت، ونهر كبري كبير يأتي من جبال حرير ويصب في دجلة، ويقال له الزاب الكبير، والقنطرة فيها عالية جداً وكبيرة أيضاً، ويأتي الكلك (زورق) من كويسنجق في ذلك النهر، ومنه يمضي إلى بغداد، ويسير ماؤه بسرعة. وعلى مسافة نصف فرسخ عن الكُبري، تسكن قبيلة بربرية تبلغ نحو أربعمائة بيت، ليس لها كسب سوى ضرب العود، وصغارها يرقصون ويذهبون لكل بلد ومدينة، وهؤلاء يقال لهم الكرد الجولكية، ومن ألتون كوبري إلى أربيل ثمانية فراسخ، وفي الطريق أكراد ديزنه، يبلغون ألف بيت، وشهرتهم دزدى، وهم أشرار بينهم الخيالة والمشاة يتعاطون السرقة".


أربيل ومحيطها المسيحي

أما أربيل، فيقول إنها ولاية قديمة وأخبارها في معجم البلدان لياقوت، ويقول: "ماؤها قليل، وكانت لها في الأيام السابقات قنوات والآن خربت، وتقع على رأس تل عال بنيت فوقه، وفي القلعة نحو ألف بيت للسكنى، وفي خارج القلعة نحو أربعة آلاف بيت، ولغتهم التركية والكردية. وليس في أربيل بساتين، والزراعة وافرة، وتأتي البلد أنواع الفواكه من جبال العمادية، وفيها مسجد مندثر قديم، ولا تزال منارته شاخصة خارج البلد. ولهذه المنارة سلَّمان أحدهما للصعود، والآخر للنزول، وهي منارة مرتفعة عالية. وتبعد عن أربيل بنحو ثلاثة فراسخ قرية عنكاوة، وفيها نحو ثلاثمائة بيت من النصارى حاكمهم منهم".

ويشير المنشئ البغدادي إلى قرية تدعى حسين كفتى أهلها داسنية، وهم من الكرد اليزيدية كما يقول، ولديهم قبة على الجانب الآخر من نهر الزاب تسمى "قبر يزيد" يحترمونها ويعتقدون بها، ولا يحلفون بها كذباً.

وبعد ذلك يحدثنا عن قرية تدعى كرمليس تبعد عن حسين كفتى أربعة فراسخ، ويقول إن فيها نحو أربعين بيتاً كلهم نصارى "وكانت قديماً بلداً وفيها عدة كنائس ومنها الآن دير مار الركسين قديم جداً لا يزال قائماً. وفي تلك الأنحاء قرى كثيرة، كلها نصارى كلدانيون وسريانيون، وجميعها تزرع الحنطة وتتعاطى النسيج".


الموصل وآثار نينوى

يصل رحالتنا إلى ولاية الموصل التي يقول إنها جيدة الهواء والماء، وتفضل بذلك عراق العرب كله، يؤكد أن أكثر أهلها نصارى، بعض فرقهم يعاقبة سريان، وكلدان، ونساطرة، وكاثوليك. ويلفت إلى أن الموصل خالية من الأرمن، وإذا جاء الأرمن إلى الموصل، كما يقول لا يعتبرونهم، لما يشعرون منهم من خيانة، والحاصل أن الأرمن غير مرغوب بهم في هذه النواحي.

ويستطرد في وصف الموصل فيقول: "المسلمون في الموصل حنفية وشافعية، وليس فيها شيعة، وفيها نحو ثلاثين ألف بيت أو أكثر، وجوامعها وكنائسها جيدة، وإن المدينة على شاطئ دجلة، ولها جسر محكم عريض متكون من جساريات، سهل العبور، بحيث يجتازه ثلاثة من الخيالة بصف واحد، يعبرونه باطمئنان. وفيه خمس وعشرون جسارية".

ويضيف: "إن أحد باشوات الموصل أراد أن يعمل قنطرة على الشط، قام ببناء جانب منها، ونقل إليها صخوراً كبيرة من نينوى، وشرع في البناء، وأتم نصفها بإحكام وإتقان، إلا أنه فاجأه الأجل، فعبر من قنطرة الدنيا الفانية، وتوفي ومضى إلى الدار الآخرة، فبقيت تلك القنطرة غير كاملة. والباشوات تشاءموا من إتمامها فلم يقدموا على إكمال العمل، أو أنهم يتضررون من إتمامها".

دير في العراق (Getty)

ويتناول المنشئ البغدادي مدينة نينوى الأثرية التي تبعد عن الموصل نحو ميلين كما يقول، ويشير إلى أنها مدينة مدمرة: "هناك صخور عظيمة مكتوبة توجد بكثرة، ومرقد يونس ابن متى في نينوى، وتبلغ هذه القرية نحو خمسمائة بيت، وغالب هذه القرية مبنية من أحجار مكتوبة بخط بابلي، ولو حفرت الأرض أو أي مكان لظهرت أحجار مكتوبة. كانت مدينة نينوى كبيرة جداً، وهي مبنية على مرتفع تل، ومحيط القلعة نصف فرسخ، ومحيط المدينة فرسخان، وكل حيطانها من صخور، وكل صخرة نحو ثلاثة أقدام إلى عشرة، وبمسافة نصف فرسخ من نينوى يوجد حوض ماء داخل الأرض صنع من أحجار، وله نقوش من أطرافه الأربعة، مملوء من الماء الحلو البارد، وينبع من الأرض ويسمى الموصل دملجة".

وحول قرى الموصل يقول: "من قرى الموصل ألقوش وتلكيف، وكل واحدة منها تبلغ بيوتها ثلاثة آلاف بيت من النصارى، وفي ولاية الموصل النصارى لهم اعتبار أكثر من المسلمين، وجميع أعمال المدينة وأمورها بيد النصارى".
أما القبائل العربية في المنطقة فيقول إنها ممتدة من الموصل إلى بغداد، وتسكن على جانبي دجلة، ومنها بوحمد وهم يغزون ويسلبون وعددهم نحو ألف بيت أو أكثر والهيازع وعلقاوي والأقرع والرواشد وبني تميم تسكن على شط دجلة، وكلهم يتعاطون السرقات.

ومن عمارات الموصل القديمة يحدثنا عن القصر الأسود، ويقول: "هذا البناء لبدر الدين لؤلؤ، وهو بضعة أواوين وغرفة عالية بنيت من صخر، وفي داخل الإيوان اسم بدر الدين لؤلؤ، ونسبه ولقبه، نقر على الأحجار ونقش عليها. ومشهد جرجيس النبي في الموصل، وبناؤه قديم أيضاً، وكذا مزار شيت بن آدم خارج المدينة. والجوامع في الموصل كثيرة، واثنان منها قديمة جداً أحدهما خارج البلد، ويقال له الجامع الأحمر، وفيه طاق عال ومخطوط بالخط الكوفي، وثانيهما في البلد ويسمى الجامع ذو المنارة، وهو مسجد كبير جداً وقديم أيضاً، وفيه منارة عالية لا تضارعها في العراق منارة، وإن ذلك المسجد في سالف أيامه كان مصلى للنصارى، فاتخذه المسلمون مسجداً".

ويلفت النظر إلى دير "شمعون الصفا" داخل البلد ويقول إنه قديم جداً، في جدرانه خطوط وكتابات أثرية لا تشبه الخطوط المعروفة، اندثرت، فلم يستطع أن يقرأها أحد.


يزيدية ورهبان

يصف المنشئ البغدادي بعض القرى والمواقع القريبة من نينوى الأثرية فيقول: "من الموصل يعبر من الجسر ويسار إلى جنب نينوى، وهناك قرية تبعد نحو خمسة فراسخ فيها نحو مائة بيت من الكلدان واليزيدية. وهذه القرية يقال لها واتة، وهناك شجر الزيتون بوفرة زائدة، ومنها بمسافة أربعة فراسخ تشاهد قرية في سفح الجبل تحوي نحو خمسين بيتاً كلهم يزيدية. وذلك الجبل صخري وعر، صعب المرور، وأكثر الجبل منحوت وبعد صعود نحو فرسخ يصل المرء إلى دير شيخ متى، وقبل أن يدخل هذا الدير يشاهد أن قد اتخذ محل مدور فيه بيوت ومواطن للزوار، يقيمون فيها بنى، ذلك في أعلى الدير، ولا يخلو دائم الأوقات من قسس ومطران، وجملة من الرهبان. وفي جانبي الدير نقر في الجبل كهفان كبيران قد صنعا، وفي كل كهف حوض بمقدار عشرة أقدام طولاً وعرضاً، ومن سقف الجبل يقطر الماء متوالياً في ذلك الحوض بلا انقطاع، ويقال لهذا الماء الناقوط، وفي هذا الدير صهريج كبير تتجمع فيه مياه الأمطار".

ويتابع: "هناك غار آخر، لا يفتح بابه لكل أحد، فيه اثنا عشر قبراً لخلفاء حضرة المسيح، وان القناديل موقدة فيه ليلاً ونهاراً لإضاءة هذا الغار. وهذا الجبل يدعى جبل مقلوب، ويقع حداً للعمادية. ومن الجبل إلى أسفله قطعنا أربعة فراسخ ونصف الفرسخ إلى فرزاني، وهي قرية تحوي ألف بيت من المسلمين من أكراد الزنكنة".


دير الربان هرمز

يستفيض المنشئ البغدادي في وصف دير الربان هرمز القريب من قرية ألقوش الكلدانية: "ودير هرمز بني في الجبل، والطريق إليه صعب المرور، حجري فيه تعاريج ومنحنيات يمتد نحو ميلين في وعورته، وإن الدير كبير جداً، وكله من صخر منحوت. ورهبان هرمز في وسط هذا الدير، والنصارى في تلك الأنحاء يعتقدون فيه اعتقاداً كبيراً، وفي كل سنة يأتون إليه من الولايات، وفوق الدير سفح الجبل فيه 49 غاراً".

ويضيف: "هناك مطران واحد وخمسون راهباً يقيمون دائماً في هذه الكهوف، وهم من الأخيار الأبرار جداً، كل واحد منهم يأتي من بلد، وقد تركوا الدنيا ولهم واحد وخمسون بقرة، وزبدة هذه البقرات تقدم للواردين، وهم لا يأكلون اللحوم".



إقرأ المزيد