في مئوية سنان حساني: روائي وسياسي نسيته كوسوفو
العربي الجديد -

تُمثّل حالة الروائي والدبلوماسي والسياسي الكوسوفي، سنان حساني (1922 - 2010)، حالة صارخةً لتبدُّل الأحوال والأدوار خلال عقود من حياة يوغسلافيا السابقة: من شخص خرج من القاع الاجتماعي في جنوب "مملكة يوغسلافيا"، ضمن أقلّية غير مرغوب فيها في هذه الدولة، إلى شخصية أدبية وسياسية بارزة تعكس التحوُّل الكبير الذي طرأ على الوجود الألباني في "جمهورية يوغسلافيا الفدرالية الاشتراكية"، حتى أصبح رئيساً ليوغسلافيا بين 1986 و1987.

وُلد حساني في مثل هذا اليوم من عام 1922 في قرية بوجران جنوبَ شرق كوسوفو، بعد عشر سنوات من نهاية الحكم العثماني في مجتمع بقي محافظا على ثقافته الموروثة وعلى المدارس التي بقيت من الحكم العثماني، ومنها "مدرسة عيسى بك" الإسلامية في مدينة سكوبيه المجاورة، والتي انتسب إليها ليتخلّص من الفقر المدقع، نظراً لما كانت توفّره من سكن داخلي ولباس وطعام مجّاناً لطلّابها.

وجد حساني نفسه في عالم آخر، في مدينة كبيرة كانت عاصمةً ولاية كوسوفو حتى 1912، ولكنّها أصبحَت ملتقىً للجيل الجديد "اليوغسلافي" الساخط على الأوضاع في هذه الدولة الجديدة، خصوصاً في ما يتعلّق بالمسلمين فيها، والذين كانوا يتعرّضون لضغوط متواصلة للهجرة إلى تركيا، وهو ما أوجد في هذه المدرسة "بؤرة يسارية" خرج منها الجيل الأول الذي التحق بـ "الحزب الشيوعي اليوغسلافي" بعد أن تولّى جوزيف بروز تيتو إعادة تنظيمه عام 1936.

تولى رئاسة يوغسلافيا بين سنتَي 1986 و1987

في عام 1941، تخرّج حساني، مع انهيار يوغسلافيا الملكية نتيجة للاجتياح الألماني- الإيطالي لها، فالتحق بوحدات الأنصار (البارتيزان) التابعة لـ "الحزب الشيوعي" الذي دعا إلى إعادة تشكيل يوغسلافيا جديدة تعترف لجميع الشعوب والقوميات بالمساواة. ولكنّ حساني اعتُقل في ربيع 1944 وأُرسل إلى معسكر اعتقال قرب فيينا بقي فيه حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

كانت "مدرسة عيسى بك" حاضنةً للجيل الألباني الأوّل الذي شكّل نواة المثقّفين الروّاد الذين بروزا لاحقاً في الفكر والأدب والسياسة، بعد الاعتراف للألبان بحكم ذاتي يشمل حقوقهم الثقافية والسياسية. في هذا السياق، برز اسمُه في المجال السياسي عبر صعوده في هرمية الحزب الجديد الحاكم في كوسوفو، ولكن مع انفجار الخلاف بين ستالين وتيتو في صيف 1948 وحصار "المعسكر الاشتراكي" لـ "يوغسلافيا التحريفية"، رأت القيادة اليوغسلافية في خريف 1949 أن تُرسل وفداً من شخصيات مسلمي يوغسلافيا إلى قلب العروبة والإسلام (سورية ومصر والسعودية) بمناسبة الحجّ، لتسويق صورة مختلفة عن المسلمين في "يوغسلافيا الشيوعية". كان الوفد برئاسة رئيس العلماء المسلمين إبراهيم فائق أغيتش، أي رأس المؤسَّسة التي تمثّل المسلمين وترعى شؤونهم الدينية والثقافية، وضمّ شخصيات مسلمة من البشناق والألبان؛ كان من بينهم سنان حساني.

في الطريق إلى مكّة لأداء الحج، توقّف الوفد في القاهرة للقاء شيخ الأزهر، بغيةَ عرض صورة إيجابية عن حال المسلمين في "يوغسلافيا الشيوعية"، في الوقت الذي كانت الصحافة المصرية وغيرها تقدّم صورة سلبية عنهم. وفي السعودية، حظي الوفد باستقبال جيّد بعد سوء تفاهم، واعتُبر ضيفاً على الملك عبد العزيز واجتمع مع الأمير فيصل وغيره، وعاد منه حساني بلقب "حاج"، وهو اللقب الذي لم يعد يُذكر في بلاده بعد صعوده في الهرمية السياسية والثقافية؛ فقد التحق بعد عودته بمدرسة العلوم السياسية، المخصّصة للكوادر الحزبية، في بلغراد، وتخرَّج منها عام 1952، ليُصبح رئيس "الاتحاد الاشتراكي" في كوسوفو، ثم مدير مؤسّسة الصحافة والنشر "ريلينديا" وغيرها.

أصدر أوّل رواية في الأدب الألباني الجديد في يوغسلافيا

خلال خمسينيات القرن الماضي، برز اسم حساني بقوّة في مجال جديد: الأدب الألباني. كانت اللغة الألبانية ممنوعةً في يوغسلافيا الملكية (1918 - 1941)، سواء في التعليم أو النشر، ولذلك بقي الألبان في غربة عن تطوُّر الأدب الألباني الجديد بعد نهاية الحكم العثماني سواء في ألبانيا أو في سواها. ولذلك حدثت في كوسوفو نقلة كبرى في الأدب الألباني من التراث العثماني إلى هضم الأجناس الأدبية الجديدة (الرواية والقصّة والمسرحية) التي كانت تعكس الاتجاهات الجديدة في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

في هذا السياق، برزت موهبة سناني في الرواية؛ حيث نشر عام 1957 "بدأ العنب ينضج"، والتي كانت أوّل رواية في الأدب الألباني الجديد في يوغسلافيا التيتوية، وأتبعها عام 1961 برواية "ليلة عكرة"، ثمّ صدرت روايته الثالثة "حيث يتفرّع النهر" عام 1963، ثمّ "الولد حامل الوسام" عام 1967، ثمّ "الريح والبلوط" عام 1973، ثمّ "طفولة جون فاترا" عام 1977، ثمّ "النهر الفائض" عام 1980.


من الحاج سنان إلى الرئيس سنان

صدرت الرواية الأخيرة في السنة التي رحل فيها تيتو وبدأ القلق الدائم على "يوغسلافيا ما بعد تيتو"، انطلاقاً من مظاهرات عام 1981 في كوسوفو، والتي بدأت معها دوّامة تفكُّك يوغسلافيا وانهيارها أخيراً حتى 1999.

في هذه الظروف ارتأت القيادة اليوغسلافية أن تعيد حساني إلى رئاسة الحزب في كوسوفو لتطبيع الأوضاع في الوقت التي التهبت المشاعر القومية في كل أرجاء يوغسلافيا. وفي هذا السياق، عُيّن عام 1985 نائباً لرئيس يوغسلافيا، حسب النظام الرئاسي الجديد لمرحلة ما بعد تيتو، ثم رئيساً ليوغسلافيا عام 1986. لكنّ حساني كان يمثّل وسطية الكبار للحفاظ على نسخة مصحّحة من يوغسلافيا التيتوية لم تعد تفلح أمام اندفاع الجيل الجديد من القادة (توجمان وميلوشيفيتش وجوكانوفيتش وغيرهم) لخيارات قومية يحظون فيها بالشعبية بوصفهم "منقذين".

في حياته الأدبية، كانت أعمال حساني تُطبع وتُترجم وتكرّم بأعلى الجوائز في يوغسلافيا (جائزة أفنوي عام 1978 تكريماً لمجمل كتاباته)، بينما حظيت روايته "الريح والبلّوط" بشهرة كبيرة، بعد أن تحوّلت إلى فيلم ثم مسلسل سينمائي خلال بين سنتَي 1979 و1980.

جاءت شهرة الرواية من كونها تتعرّض، بجرأة كبيرة، إلى تشوُّهات التجربة اليوغسلافية خلال سنوات ما بين 1948 و1966، والتي برزت في ممارسة الضغوط على مسلمي يوغسلافيا للهجرة إلى تركيا. ومن هنا كانت حساسيةُ الفيلم الذي نقل تلك التشوّهات بجرأة عام 1979 كبيرةً إلى حدّ أنّ الأمر كان يحتاج إلى موافقة من تيتو لعرضه بعد أن شاهده شخصياً.

سنان حساني (إلى اليسار) مع الناشر هاني الهندي (الى اليمين)، وبينهما محمد موفاكو مترجم "الريح والبلوط" التي تظهر على الطاولة

كانت هذه الرواية بالذات ما جعل حساني يعود ثانية إلى المنطقة العربية عبر الترجمة التي أنجزها محمد موفاكو وصدرت عن "المؤسّسة العربية للأبحاث" في بيروت ضمن سلسلة "ذاكرة الشعوب". وقد حظيت الترجمةُ باهتمام في يوغسلافيا نظراً لأنّ الناشر المعروف هاني الهندي (أحد مؤسّسي "حركة القوميّين العرب") زار بلغراد في ربيع 1987 ليجتمع في قصر الرئاسة بالمؤلّف (الذي غدا رئيساً ليوغسلافيا) ويسلّمه نسخة شخصية من الترجمة العربية. إلّا أنّ هذه الترجمة وصلت إلى بلغراد في ذروة الخلافات بين القادة الكبار والجدد حول مراجعة "يوغسلافيا التيتوية"، ولذلك أصبحت جرأة الرواية وترجمتها العربية تؤخذ عليها باعتبارها "ترجمة قومية" تشوّه صورة يوغسلافيا في العالم العربي!


نهاية غير متوقّعة

في غضون ذلك، كان سنان حساني يحظى في كوسوفو بتكريم إثر تكريم لإسهاماته في المجال الثقافي، منذ أن دخل في التاريخ الثقافي باعتباره مؤلّف أول رواية نُشرت بالألبانية عام 1957، وصولاً إلى عام 1986 عندما انتُخب عضواً في "أكاديمية العلوم والفنون" في كوسوفو. ولكنّ الأحداث اللاحقة جرفت يوغسلافيا إلى نهايتها مع سلسلة الحروب التي بدأت في سلوفينيا عام 1991 وانتهت في كوسوفو عام 1999، لتتحوّل يوغسلافيا إلى سبع دول.

كان حساني يمثّل الجيل القديم الذي رأى في "يوغسلافيا التيتوية" (على الرغم مما شابها من تشوُّهات في البداية) الكيانَ الأفضل للألبان عوضاً عن الاتحاد مع ألبانيا تحت حكم أنور خوجا، ولم يكن يرى ما يمنع أن يتزوّج مع صربية ضمن هذا التعدُّد الموجود في يوغسلافيا، إلّا أنّ مثل هذا الزواج العائلي والسياسي (مع يوغسلافيا) لم يعد مقبولاً بعد 1999 في كوسوفو التي أصبحت بحكم الواقع دولة بغالبية ألبانية كبيرة (95 %) تتطلّع إلى تكامُل مع ألبانيا المجاورة، مع أن دستورها يحرّم عليها الاتحاد معها.

عارض سكّانُ قريته اقتراحاً لنزع اسمه من أحد شوارعها

في هذا الوضع الجديد، جرت مراجعة صامتة اختفى معها سنان حساني ورواياته وألقابه ومكانته في الأكاديمية، ولذلك عندما رحل في الثامن والعشرين من آب/ أغسطس 2010، لم يعد له مكان في كوسوفو يُدفن فيه، فدُفن في بلغراد التي عاش فيها سنواته الأخيرة متقاعداً، بعد أن باح بما لديه للصحافي الكوسوفي طاهر بريشا، الذي أصدر عام 2005 كتابه "في مركز الأحداث: حوارات مع سنان حساني".

هكذا، لم يعد سنان حساني موجوداً سوى في قريته بوجران، التي عارض معظم سكّانها في 2015 اقتراحاً لنزع اسمه من الشارع الرئيس فيها. وبذلك يمكن القول الآن إنّه لدينا جيل جديد يشكّل حوالي خمس سكّان كوسوفو (ممّن وُلد بعد 1999) لا يعرفون مَن هو سنان حساني!


* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري



إقرأ المزيد