أنقذونا من الذاكرة
العربي الجديد -

لا يبدو أنّ لحكاية الحرب نهاية واضحة ومُحدّدة، فما أن تنتهي المعارك التي يأتي بها الآخرون حتّى تبدأ معارك من نوعٍ آخر، تأتي بها ذاكرةُ من عاش سنوات الحرب أو أياماً منها. ذلك لأنّ الإنسان يشهد في الحرب أحداثاً لا تُنسى، حتّى لو استمرّت لفترةٍ وجيزة بمقياس العمر الذي قد يعيشه، إذ ترسم مواقفُ صعبة مصيرَه بصورةٍ نهائية. 

ليست الحرب حدثاً عادياً، حتّى لو شاع استخدام تفاصيلها في أدب اليوميّات بهدف تصوير البطولة التي قد تنطوي عليها الحياة مقابل الموت، حتّى لو شاع استخدام تفاصيلها في أدب المذكّرات بهدف تصوير البطولة التي قد تنطوي داخل المرء، الذي هزم الحرب يوماً، وهزمه العيش في إثرها. ليست الحرب حدثاً عادياً، حتّى لو تنادى حشدٌ من المثقّفين والسياسيّين وقالوا بحتمية وقوعها وتلقائيته، لإحداث تغيّرات من نوعٍ ما، وقالوا في استثمار نتائجها لتحسين شروطٍ ما. 

لربما تُعبّر عن الحرب مفرداتٌ تجيء بعد انتهائها، وبهدف التعامل مع آثارها، مثل ما يُعرف في الطب النفسيّ باضطراب ما بعد الصدمة، أي، إنّ الصدمة قد حدثت. والأمر الوحيد الذي بإمكان الناجين منها القيام به هو التعامل مع الاضطرابات النفسية التي خلّفتها في داخلهم. وحكماً فإنّ الآخرين، ممّن يعيشون معهم، يجدون أنفسهم مضطرّين كذلك إلى التعامل مع اضطرابات الناجين. وعلى ضوءِ هذا، ينشأ نوعٌ من العلاقات قوامها التعاطف إلى أن يجد الناجون سبيلاً للتعاطي مع ذاكرتهم. وهنا يمكن للأدب أن يجد دوراً يقوم به في حمأة الأدوار التي يجد الناجون أنفسهم معرّضين لها.  

يخال المرء أنّ أدب الحرب يُكتب في مكان كي يُقرأ في آخر

يعيدُ الأدب ترتيب الذاكرة، أو يعيد إخراج أحداثٍ بعينها من رميم الذكريات والماضي، وفي هذا فضيلتهُ. لكن يخال المرء أنّ أدب الحروب يَلقى رواجاً في مجتمعاتٍ لم تشهد حرباً، ذلك لأنّ الناجين يتجنّبون ذكرياتهم. قد يكتبونها، ولكنهم لا يجدون في القراءة عن حربٍ عرفوها أيّ طائل. قد تكون الكتابة بالنسبة إليهم نوعاً من التشفّي في القتلة الذين أرهبوا حيواتهم. حتّى يخال المرء أنّ أدب الحرب يُكتب في مكان، كي يُقرأ في آخر. يكتبه قوم، كي يقرأه قومٌ آخرون. وفي هذا، إلى جانب التشفّي في القتلة وفضحهم، هوسٌ بإخبار الآخرين بما حلّ بهم، ببلادهم، وما المصائر التي مضوا إليها بسبب واقع الحرب، أو بدفعٍ من حدث الحرب. ويتّضح أنّ الكتابة عن الحرب أمرٌ، والقراءة عنها أمرٌ آخر.

يمكن أن يكون أدب الحرب أدباً ممتعاً، شرط أن ينطوي على محتوى إنسانيّ. لكن بالنسبة إلى من شهدها لربما لا يكون قادراً على قراءة أدبٍ عن الحرب. فذلك الحدث غير العادي سيخرج من بين الصفحات ويجد سبيله إلى الذاكرة البشرية التي تصارع كي تنجو، وبصورة دائمة تصارع كي تنسى، ويكاد يصرخ الناجون: أنقذونا من الذاكرة. لقد اختزنت ذاكرتهم الكثير من المجازر الكثير من الفقد، الكثير من الاعتقال والعنف، والكثير الكثير من الخوف.

لربما لا يعرف أحدٌ سطوة الحرب على الحاضر أكثر من الناجين منها، على الرغم من انتمائها إلى الماضي. وعلى هذا النحو، تشكّل الكتابة محاولة تشافي لمن يكتب ما حدث معه، حتّى لو بصيغة مذكّرات أو يوميّات خاصّة به. فيما تشكّل القراءة محاولة تشافٍ لمن يقرأ ما حدث مع آخرين نجوا من تجربة الحرب؛ يقرأ بطولاتهم وهزائمهم ويجد في تجربةٍ تستنزف القوى القصوى للبشر، مثل الحرب، إلهاماً في أزمته التي ربما تكون أزمة عابرة، على عكس حدثٍ كالحرب، التي ما إن تحدث مرّة في حياة المرء حتّى ترافقه مدى الحياة.


* روائي من سورية



إقرأ المزيد