جولة مع المُخبر في كركوك
العربي الجديد -

كان من الصعب عليَّ، ككاتب تركي، أن أذهب إلى العراق دون أن أزور كركوك. فهي من أكثر المدن التي يعيش فيها التركمان في العراق. ولكي أزورها طلبتُ إذناً من الوزارة المعنيّة بهذه الأمور، وركبتُ السيارة في الصباح مع المترجم الذي أرسلوه معي.

سرنا في الطريق الذي يمرّ بقُرى التركمان، مثل طوز، وطاووق، وعندما وصلنا إلى "طوزخورماتو" نزلت من السيارة بعد شعوري بتنميل في ساقي، ومشيت إلى السوق وحدي. رأيتهم يبيعون اللوز، واسمه "باغدمتشا"، وكان أصغر قليلاً من اللوز عندنا. ورأيتُ خُضاراً يسمونه "تِراتور" نحن لا نعرفه عندنا، يضعونه هنا في السَّلَطة أو يُقدّم بجوار الطعام، وربما اسم تِراتور الذي نستخدمه على نوع معين من المقبّلات في تركيا، قد جاء من هذا الاسم. يوجد خضار آخر هنا لا نعرفه عندنا اسمه "كِنْجَر".

في كركوك يمكنك التعرّف على التركمان سريعاً من ملابسهم، وأن تُفرّق بينهم وبين العرب والأكراد. فهم يضعون البورك على رؤوسهم ولا يرتدون العِقَال مثل العرب. يرتدون المعطف وتحته شيئاً يسمونه "زِبِنّ".

استرحنا قليلاً ثم خرجنا في طريقنا مرّة أخرى. كنت أريد أن ألتقي بموظّفي "المركز الثقافي التركي" في كركوك بمجرّد أن أصل. وقفنا أمام مكتب والي كركوك، ويقولون عنه المُحافظ. سألتُ عن سبب مجيئنا إلى هنا، فقال المترجم إننا يجب أن نصدّق على الإذن من الوالي. دخلنا إلى مكتب المعاملات، وانتظرتُ حتى تنتهي معاملتي. كم انتظرتُ هناك، يمكنكم تخمين ذلك. نصف ساعة أم ساعة أم ساعة ونصف أم ساعتين؟ أكثر من ذلك بكثير.

كنتُ من وقت لآخر أقف وأصرخ:
- لم أعد أريد شيئاً، تراجعتُ عن زيارة كركوك وسأعود الآن.

وكلّما فعلتُ ذلك، حاول الموظف الذي اعتدنا على شكله في كلّ مكان أن يهدّئني، ويطلب لي فنجاناً من القهوة.

أثناء جلوسي هناك، كان بعضهم يدخل إلى الغرفة بدعوى إنهاء معاملة وينظرون إليّ دون أن يلفتوا انتباهي، وكان بعضهم يحدّق فيَّ. هؤلاء الناس أعرفهم جيّداً أينما رأيتهم. أعرف أنهم من رجال الأمن، لكنهم في أصغر المناصب.

بعد ساعتين ونصف إلا دقيقتين، انتهت معاملتي، وبدأوا يصرّون علينا أن نذهب لزيارة الوالي في مكتبه. قلتُ لهم: 
- لا أريد مقابلة الوالي أو مَن شابَهَهُ. لم آتِ إلى هنا لمقابلة الوالي. إنني جئتُ لزيارة بابا جُرجُور. لدينا من هذا المحافظ الكثير في بلادنا.

خرجتُ مسرعاً نحو السيارة، ورأيت المُخبر الذي كان ينظر إليّ بالداخل، يركب سيارة ليتبعني. ناديتُه، وعندما جاء عرفتُ أنه تركماني، فقلتُ له:
- هل ستراقبنا؟

قال إنه سيكون كالدليل معنا، وأنكر، بعدَ سؤالي له، أنه يعمل مع الشرطة.

لم يعجبني أن يتبعنا شخص بهذه الطريقة، وطلبتُ منه أن يركب معنا ووافق. كان سعيداً لأنه سيتمكّن من مراقبتي عن قرب. 

خرجنا من بابا جرجور وسألني المخبر عن الأماكن التي أرغب في زيارتها. يبدو أنه أراد أن يقول: "سيكون من الأفضل ألّا تذهب إلى أيّ مكان آخر". كنت أريد أن أرى "المركز الثقافي التركي" في كركوك، ومثل رائحة الكبريت المشتعل في بابا جرجور، كانت تفوح هنا رائحة الضغوط. شعرت أن كلّ مَن سأتحدّث معه، سوف يؤذونه بعد سفري، وفوق ذلك، كيف سأحكي مع الناس والمُخبر لا يفارقني لدقيقة واحدة؟

لم أرغب في التسبّب بإيذاء أحد، وعندما فكّرت في ما حدث بعد زيارة الرئيس التركي ومن بعده زيارة رئيس الوزراء، أتأكّد أنني على حقّ في ما أفكر. 

طلبت أن أذهب لزيارة إحدى المدارس التي تُعلّم اللغة التركية، فقال المُخبر الذي يُنكر أنه يعمل مع الشرطة إنه أجرى اتصالات مع بعضهم وسنذهب لزيارة المدرسة. كان المعلّمون والمدير في انتظاري، وأخذوني إلى أحد الصفوف: كان يتكوّن من حوالي أربعين طالباً في الثانية عشر من عمرهم. أمام الطلّاب كتابٌ باللغة التركية، ولكن بحروف عربية. اختار المعلم أحد الطلّاب وطلب منه أن يقرأ جزءاً من الكتاب، وربما قد جهّزوا أنفسهم لهذا المشهد من قبل، لكنّ المشهد أعجبني وتأثّرتُ به كثيراً، لأن الطلّاب يقرأون بشكل جيّد. قبّلتُ أحد الطلّاب ووزّعتُ عليهم بعضاً من كتبي قبل أن أخرج من المدرسة.

ذهبنا بعد ذلك إلى مطعم في أحد الفنادق، والمُخبر معي، لا يتركني للحظة، وخلْفَنا سيارة تراقبنا أيضاً. سألني عمّا سأفعل بعد تناول الطعام، وأراد أن يصاحبنا حتى آخر المدينة، لكنّني لم أقبل. شكرتُه وأنا أصافحه، وطلبت منه أن يسلّم على المحافظ.

افترقنا أمام المطعم، وبعد أن مررنا بشارعين، لاحظت أن السيارة ما زالت تراقبنا، وظلّت هكذا حتى خرجنا من المدينة وابتعدنا عنها بعشرة كيلومترات.

وهكذا انتهت جولتي في كركوك. استطعت فيها أن ألتقي بشخص تركماني واحد، وهو المُخبر الذي لم يفارقني للحظة، ولم يعترف لي بأنه مخبر. في مثل هذه الظروف لم أحبّ أن ألتقي بالتركمان، وأن أجلب البلاء إلى رؤوسهم. ألم يكن من الأفضل أن يمنع النظام العراقي زيارتي إلى كركوك، بدلاً من أن يرسل الشرطة لمراقبتي؟

وككاتب تركي اشتراكيّ، أريد بلا شك أن تكون تركيا في سلام مع كلّ الدول، وخصوصاً مع جيراننا من الدول التي بيننا وبينها تاريخ مشترك. ووفقاً للفكر الاشتراكي، يجب أن يكون التركمان مواطنين في العراق، نعم هنا ليست تركيا، ولكن هم يعيشون هنا. أمّا الذين يقولون لهم إنهم سيعودون إلى تركيا يوماً ما أو إن تركيا سوف تنقذهم، فهؤلاء عنصريون رجعيون وغير واقعيين. في مقابل ذلك، لا يهدف الفكر الاشتراكي إلى فصل الأقلّيات عن ثقافتهم، هذه هي الاشتراكية الوطنية. إذا لم تفقد الأقليات ثقافتها فمن الممكن أن تصبح جسراً بين بلدين. ومن الممكن لتركمان العراق أن يكونوا جسراً هامّاً بين العراق وتركيا، ولذلك، ليس من الصواب أن يفقد التركمان لغتهم أو يصيروا عرباً.

إن النظام القومي في تركيا، الذي يفعل كلّ شيء من أجل مصالحه، يتجاهل مشكلة تركمان العراق، لكنّني ككاتب أرى أنه من واجبي أن أخبر الناس بما رأيت، لأن وظيفتي ككاتب اشتراكي ليست إقامة صداقة دبلوماسية عابرة بين دولتين، ولكن العمل على خلق صداقة حقيقية بين شعبين.


* فصل من كتاب "الدنيا قِدرٌ كبيرٌ وأنا مِغرفة: رحلة مصر والعراق" الحاصل على "جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة" (2021 - 2020) في فرع "الريبورتاج الرحلي المترجم - الرحلة الصحافية"، بترجمة: أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير، ويصدر قريباً



إقرأ المزيد