"معجم الدوحة": الاقتراض والنظائر والاستدراك
العربي الجديد -

من خامس جلسات المؤتمر، التي عُقدت اليوم في الدوحة (العربي الجديد)

يتوسّع البحث والنقاش الذي يؤسّسه "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، ليشمل أسساً معرفية في صدارتها الاقتراض والنظائر والاستدراك والحضارة.

كلّ هذه المصطلحات، التي عالجها الباحثون ضمن المؤتمر الثالث للمعجم، الذي بدأ أمس واختُتم اليوم، تعرّضت لرؤى من زوايا مختلفة، بل حتّى للمعارضة والاختلاف.

اقتراض ونظائر
يطرح محمد مرقطن، الباحث المتخصّص في لغات وحضارات الشرق القديم، بعض الألفاظ الخاصّة بالقراءة والكتابة عند العرب، والتي كان "معجم الدوحة" قد عالجها.

وإذ ذهبت ورقته إلى فحص التفاعل الثقافي بين اللغة العربية واللغات الأخرى، ودراسة الأصول الحضارية وتاريخ نشأة تلك الألفاظ واستخدامها في العربية، فقد طرح ما إذا كانت تلك الألفاظ مقترضة من اللغات الساميّة الأخرى، حيث أن "معجم الدوحة" يعالج هذا الأمر ضمن النظائر.

هذا الاشتباك يحمل وجاهته إذا ما رأينا توجّهاً بحثياً يرى أصحابُه أن الاقتراض مقصور على المفردة الأعجمية، نقترضها فتدخل في لغة بأصلها كما هو، بينما النظير هو الشبيه في جذره القادم من حوض لغوي يجمع اللغات السامية. خذ مثالاً على ذلك كلمة "ترجمان"، التي جابت العالم ودخلت في لغات كثيرة، فهي أكّادية، دخلت العربية عن طريق النبطية؛ فهل نعتبرها من النظائر أم مقترضة؟ يتساءل مرقطن.

إضافةً إلى ذلك، عالجت ورقة مرقطن بعض الألفاظ الخاصّة بالكتابة والمقترضة من اليونانية واللاتينية، مثل "قلم" وِسِجلّ" و"طِرس".

لغة اليمن القديمة
أمّا عميدة شعلان، أستاذة الآثار والكتابات العربية القديمة في قسم الآثار والسياحة بـ"جامعة صنعاء"، فقد ركّزت ورقتُها على دراسة وتحليل العمق التاريخي لألفاظ اللغة اليمنية القديمة في دراسة معجمية مقارنة مع ألفاظ اللغة العربية في "معجم الدوحة" خاصّة، ونظائره السامية عامّة.

تعيدنا شعلان إلى القرن الثامن قبل الميلاد، حيث أقدم نصّ مكتوب في اليمن، ضمن آلاف النصوص والنقوش التي تعدّ مصدراً أساسياً لتاريخ اللغة العربية، وحيث اليمن هو الجزء العتيق من دوحة الثقافة العربية. ولأنّ الوقت المخصّص لكلّ ورقة هو عشرون دقيقة، فإن ثلاثين لفظة يمنية قديمة لم تُطرح كلّها وإنما بضعة أمثلة، هي في المجمل ألفاظ تتعلّق بالزراعة والمعادن والغناء والنبات والريّ.

ووفق ما تقول الباحثة، فإن عدداً وافراً من الألفاظ اليمنية القديمة تشكّل إضافة إلى "معجم الدوحة"، لإدراجها ضمن مداخل معجمية جديدة، منها اللفظان "بهث" و"رنع". أمّا إذا وقعتَ على كلمة "البلسن"، فإنما هي "العدس" الذي انتقل إلى العربية وثبّتته المعاجم هكذا: البلسن: العدس، معروف، وهو البلسن بلغة بعض أهل اليمن.

وتلاحظ شعلان هنا أن اللفظ مؤرَّخ باللغة الزبورية من القرن الأول إلى الثالث الميلادي، بينما نجده في "معجم الدوحة" مؤرّخاً في أقدم شاهد، أي "كتاب العين"، بتاريخ 791 ميلادية.

وكذلك الأمر مع "جلجلان"، أي السمسم، فهو ــ كما تواصل ــ مؤرَّخ في القرن الأول والثالث الميلادي، وورد ذكره في أربعة نصوص زبورية حتى الآن، بينما في "معجم الدوحة"، فإن أقدم دليل موجود من ديوان وضّاح اليمن، وهو مؤرّخ في 709 ميلادية.

ألفاظ الحضارة
حين يتطرق واسيني بن عبد الله، أستاذ التعليم العالي في "جامعة المسيلة" بالجزائر، إلى منهج التعامل مع ألفاظ الحضارة الإسلامية في المعجم التاريخي، فإنه يطرح جملة من الخصائص تسهّل التعامل مع هذه الألفاظ في ظلّ المعجم التاريخي.

ومن ذلك الصبغة القرآنية لبعض ألفاظ الحضارة مثل "المكيال"، و"الميزان"، و"البيت"، و"القرية"، و"الحائط"، و"الحصون"؛ والألفاظ المادّية، مثل "القلم" و"البرجد" (الكساء الصوفي الغليظ الأحمر أو المخطّط)، و"التخت" (وعاء الملابس الذي تحوّل معناه إلى سرير).

ومن هذه الخصائص: الحقيقة والبعد عن المجاز. ويشرح بن عبد الله ذلك بأن اللفظ الحضاري ذو دلالة مباشرة، ومن الأمثلة على ذلك كلمة "الوتد"، فالوتد في الدلالة الحضارية التي يوردها "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" يعني "ما يرزّ ويثبت في الأرض أو الحائط من الخشب ونحوه".

أمّا حين يستعمل اللفظ ذاته في المجاز، كالقول "أوتاد الفم"، أي الأسنان، فهذا أمرٌ يمكن ضمّه إلى حقل المجاز: "لكن عندما نؤثّل له في المعجم نعطيه المعنى الحقيقي"، على حد قوله.

الاستدراك
سيملأ "معجم الدوحة" فراغاً معرفياً كبيراً ويفتح آفاقاً واسعة لمشاريع الأبحاث في مستويات مختلفة من علوم العربية. هذه هي خلاصة رشيد بلحبيب، عضو مؤسّس لـ"معجم الدوحة"، في ورقته "نحو آفاق مفتوحة للاستدراك".

ومصطلح الاستدراك جزء هام من طرائق التأليف العربي، ومن ذلك المعاجم التي كانت فردية في العموم عند القدماء، فيأتي من بعدهم مَن يستدرك، وأحياناً يقيم استدراكه على اتّهام مَن سبقه بأنه قصّر وأهمل.

من أفضل العبارات التي وصلتنا مع المعجم الشهير "لسان العرب"، ما استدلّ بها محدثنا بلحبيب: "وإني رأيت علماءها بين رجلين، أمّا مَن أحسن جمعَه فإنه لم يُحسن وضعَه، وأمّا مَن أجاد وضعَه فإنه لم يُجد جمعَه. فلم يفد حُسن الجمع مع إساءة الوضع ولا نفعت إجادة الوضع مع رداءة الجمع".

ولذلك كان مطمح ابن منظور ومطمح كلّ معجميّ أن يحقّق ــ مع الجمعِ الحسن ــ الوضعَ الحسن قدر المستطاع، وقد جعل "معجم الدوحة التاريخي" غايته أن يحقّق الهدفين معاً أو يقاربهما، كما يفيد بلحبيب. 

بل أكثر من ذلك، عدّ المتحدّث مشروع المعجم جمعاً ثانياً، أو ولادة ثانية، ستتجسّد في المشاريع البحثية، ومنها الاستدراك على المعاجم، إذ أن روّاد الجمع الأوّل اضطلعوا بالمهمّة بأخذها من أفواه الأعراب، بينما "معجم الدوحة" يسعى ليستدرك من بطون المصادر وأمّهاتها ومن مختلف المدونات والذخائر.

وبحسب ملاحظة إبراهيم من مراد، عضو المجلس العلمي لـ"معجم الدوحة"، فإنه إذا أهمل مؤلّف المعجم ألفاظاً، فإنما ذلك من اختياراته وليس من واجبه أن يستوعبه، بعكس المعجم التاريخي، فهو استيعابيّ، بما يفرض عليه أن يأتي بما أُهمِل أو ما لم تذكره المعاجم الأخرى.

وردّ بلحبيب بالقول إن الاستدراك واجب عِلميّ وحضاري وإن "معجم الدوحة" يفخر بأن يكون مستدرِكاً ومكمّلاً للمعاجم، لافتاً إلى أنهم في المعجم يستدركون على المعاجم داخل مناهجها، فما كان لبعض المعاجم أن تُهمل ألفاظاً لها نصوص معلومة جاهلية أو إسلامية إلّا لقصور في الاستقصاء.

وختم: "أكثر المعجميين كانوا لا يُدخلون المولَّد، بينما إدخالنا نحن للمولَّد قد لا يكون فضيلة، لأننا نتعامل مع النصوص، لكنّ إغفال القدماء لما ليس مولّداً، هذا هو مربط الفرس".



إقرأ المزيد