كاتب من العالم: مع إيمانويل بييرا
العربي الجديد -

تقف هذه الزاوية مع كاتب من العالم في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع القارئ العربي. "يَحُول غياب التمويل أحياناً دون إنجاز مشاريع أدبية كثيرة، وهو أمرٌ فيه خسارةٌ ثقافية" يقول الكاتب الفرنسي في حديثه إلى "العربي الجديد".


■ كيف تقدّم المشهد الأدبي والثقافي في بلدك لقارئ لا يعرفه؟ 
المشهد الأدبي والثقافي الفرنسيّ واحدٌ من الأكثر ثراءً في العالم، ويشهد على هذا توهّجه عبر العصور. سِرُّه يكمن في قُدرته على تجديد نفسه بما يتناسب مع التغيّرات الحاصلة في المجتمع ولدى الأفراد. وهذا ما نراه اليوم، بالمناسبة؛ حيث يُظهِر الأدب تكيُّفَه مع وسائل الإعلام الجديدة وعصر الرقميّات. 


■ كيف تقدّم عملكَ لقارئ جديد، وبأيّ كتاب لك تنصحه أن يبدأ؟
أُخذتُ مبكّراً بفكرة تأليف الكتب، وبدأتُ الأمر، بحذر، عبر وضع كتبٍ دراسية حول الحقوق والقوانين، ثم تجرّأت على كتابة روايتي الأولى. لهذا، ترتبط كتاباتي أحياناً بعَمَلي كمحامٍ، وكذلك بالرحلات والإقامات التي أقوم بها، وخصوصاً في آسيا. أنصح القارئ بأن يبدأ بروايتي الثانية، "سباقٌ نحو النّمِر" (2003)، التي تدور أحداثها في مدينة كلكتا في الهند، حيث عشتُ مدّةً.


■ ما السؤال الذي يشغلكَ هذه الأيام؟ 
من الأسئلة التي تشغلني هذه الأيام، ثمة، بكلّ تأكيد، ذلك السؤال المتعلّق بجائحة كورونا. إنني، كمدافعٍ شرِس عن الثقافة، متأثّر بشدّة بالإغلاقات المتكررة للفضاءات الثقافية في فرنسا.


■ ما أكثر ما تحبّه في الثقافة التي تنتمي إليها وما هو أكثر ما تتمنّى تغييره فيها؟
أنا مغرَمٌ بالتاريخ، التاريخ المطرَّز بما أنتجته العبقرية البشريّة: إنّه محرِّكٌ وقوّة دافعة بالنسبة إليّ. رغم ذلك، أعتقد أنه لا بدّ من إدخال تغييرات على الطرُق التي يجري من خلالها إتاحتُه، كي يكون في متناول الجميع، ولا سيّما في الأوساط الشعبيّة.


■ لو قُيّضَ لكَ البدء من جديد، أيّ مسار كنتَ ستختار؟
عندما كنتُ طالباً في كلّيّة الحقوق، ولكي أستطيع تأمين مصاريفي الدراسية، عملتُ لعدّة سنوات كمساعد برلمانيّ. ورغم أنّ هذا العمل راقَني كثيراً، وأنّه جرى انتخابي ممثّلاً عن الدائرة السادسة في باريس، إلّا أنني كنت سأختار المسار نفسه الذي اتخذته.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
عطفاً على جوابي السابق: بصفتي محامياً، يمكن لي أن أمارس بعض التأثير على المجتمع، من خلال النجاح في الحصول على قرارات في صالح القضايا التي أكافح من أجلها.


■ شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
أودّ أن أذكر هنا اسم الإسكندر المقدوني، أو الإسكندر الكبير. لقد فرض سيطرته على إمبراطورية هائلة امتدّت حتى الهند ـ التي عشتُ فيها عدّة أعوام ـ، ما جعل منه شخصيّةً من أكثر الشخصيّات إذهالاً في التاريخ القديم.


■ ما هو، في اعتقادك، أكبر خطر على حرية الكاتب والكتابة في العالم اليوم؟
كثيراً ما يُعاني الكتّاب، ومعهم الفنّانون، من ضيق سبُل العيش. ليس أمراً سهلاً أن يعيشوا من عملهم الإبداعي. كما يَحُول غياب التمويل أحياناً دون إنجازهم لمشاريعهم الأدبية، وهو أمرٌ فيه خسارةٌ وأسفٌ كبيران للثقافة العالمية. 


■ ما هي قضيتك وهل يمكن أن تكون الكتابة قضية بذاتها؟ 
كمحامٍ متخصّص في حقوق الملكيّة الأدبية والفنّيّة، أدافع عن كلّ القضايا المتعلّقة بالثقافة، كحقّ الفنانين في أن يُعترَف بفنّهم وأن يجري تثمينه، على سبيل المثال. يمكن للكتابة أن تكون قضيّةً بذاتها إذا ما عرفنا أن العديد من البلدان ما يزال يسجّل نسبة مرتفعةً جدّاً من الأمّيّة، التي تمثّل بدورها عائقاً للوصول إلى الأدب.


■ "الأدب العالمي يكتبه المترجمون". إلى أي درجة توافق على هذه المقولة وإلى أي درجة كتَبَكَ المترجمون؟
الترجمة عملٌ شديد الصعوبة والخطورة؛ ذلك أنّ "الترجمة تعني الخيانة"، كما يُقال. على المترجم أن يكون لامعاً بما يكفي ليقنعنا بأن نغفر له هذه الخيانة. وهو تحدٍّ قرّرت خوضه عبر ترجمة ثلاثة مؤلّفات: اثنان من الإنكليزية وواحدٌ من البنغالية.


■ كيف تصف علاقتك مع اللغة التي تكتب بها؟ 
أغلب الأعمال التي وضعتُها مكتوبٌ بلغتي الأمّ، الفرنسية. لديّ علاقةٌ خاصة بهذه اللغة، باعتبارها اللغة التي دخلت من خلالها عالم الأدب قارئاً، والتي استخدمتها، لاحقاً، للكتابة. 


■ كاتب منسيّ من لغتك تودّ أن يقرأه العالم؟ 
في العام الماضي، 2020، أحْيَت الأوساط الأدبية ذكرى مرور 150 عاماً على رحيل ألكسندر دوما، المولود في عائلة مختلطة الأعراق. ما يزال يُنظَر إلى دوما ككاتب شعبيّ، وهو ما قد يرمي إلى أنّه ليس بذلك الكاتب الكبير. هذه الذكرى كانت، بالنسبة إليّ، مناسبةً لتكريم ذلك الكاتب العظيم، ولإعطائه المكانة التي يستحقّ، جنباً إلى جنب مع صديقه فيكتور هوغو.


■ لو بقي إنتاجك بعد 1000 سنة، كيف تحبّ أن تكون صورتك عند قرّائك؟ 
الكتابة وسيلةٌ نودع من خلالها تراثنا الأدبيّ للعالم. أتمنّى أن يستطيع قرّاءُ أعمالي المستقبليّون رؤيتي ككاتب ومحامٍ يدافع عن الثقافة.


■ كلمة صغيرة شخصية لقارئ عربي يقرأ أعمالك اليوم؟
العربية، مثل الفرنسية، لغةٌ رائعة، تحمل في داخلها توجّهاً نحو الكونيّة. لنتمنَّ، إذاً، ألّا يواجه القارئ العربيّ أيّة صعوبة في دخول عوالمي.


بطاقة
وُلد إيمانويل بييرا عام 1968 في مقاطعة فال دو مارن القريبة من باريس. إلى جانب عمله كمحامٍ، نشر العديد من الكتب الهادفة لإتاحة القوانين ومفاهيم العدل والحقوق للجمهور العريض. وقّع بييرا أعمالاً أدبية ومحاولاتٍ عدّة، من بينها: "سباقٌ نحو النمِر" (2003)، و"سعادةُ أن تعيش في الجحيم" (2004)، و"فهْمُ الفنّ الأفريقي" (2008)، و"محكمة التنّين" (2015). وهو أيضاً رئيس "نادي القلم".



إقرأ المزيد