"معجم مصطلحات السيميائيات": تحديث عربي لمعرفة متسارعة
العربي الجديد -

يكاد ينحصر استعمال المعرفة السيميائية في الثقافة العربية بتطبيقات في النصوص الأدبية أو الأعمال الفنية، في حين أن طموح هذا الحقل المعرفي هو القدرة على دراسة العلامات كيفما كانت وأينما تجلّت.

قد تكون المعاجم، بما تتيحه من إضاءة شاملة، أداة تساعد في سد هذه الفجوة بين واقع السيميائيات عربياً وما وصلت إليه في ثقافات أخرى، وضمن هذا الجهد يتنزّل صدور "معجم مصطلحات السيميائيات الحديثة" للباحث اليمني علوي أحمد الملجمي عن منشورات "عناوين" مؤخراً.

في حديث إلى "العربي الجديد"، يشرح الملجمي دواعي نهوضه بإنجاز هذا المعجم، يقول: "هناك مجموعة من الدوافع التي أسهمتْ في ظهور معجم مصطلحات السيميائيات الحديثة، ولعل الدافع الأبرز هو حاجة الباحث العربي والمكتبة العربية إلى معجم شامل ومتخصص ومحدث للسيميائيات. السيميائيات الحديثة في تطور متسارع، والعالم يتابع جديدها من خلال مراكز وجمعيات متخصصة، تصدر مطبوعات منتظمة بكل جديد، وللأسف لا يوجد في الوطن العربي مركز متخصص في السيميائيات يتابع جديدها ويقدمه للقارئ العربي، لذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق الباحثين وجهودهم الشخصية".

يضيف: "ومن الدوافع أيضاً اهتمامُ العالم الكبير والمتزايد بالسيميائيات، بوصفها علمًا متعدد التخصصات، دخل كثيرًا من المجالات، وحقق نتائج علمية بالغة الأهمية، وعالج عددًا من القضايا في تخصصات مختلفة؛ لذلك فإن الحاجة ملحة كثيرًا لمثل هذا المعجم، الذي آمل ألا يظل جامدًا، وأن يظل محدثًا، وأن يكون في المستقبل أكثر شمولية بتضافر جهود عدد من الباحثين، لما يمثله عمل معجم موسوعي شامل محدث من عبء كبير على باحث بمفرده".

وحول هيكلة "معجم مصطلحات السيميائيات الحديثة" والمنهجية التي أنجز على ضوئها، يقول الملجمي: "المعجم مرتب على حروف الهجاء العربية، وبه ملحق يتكون من مسردين: الأول بالعربية ويقابله المصطلح بالإنكليزية، والآخر بالإنكليزية ويقابله المصطلح العربي. حاولت في الغالب ألا أورد التعريف المختصر فقط، بل اجتهدتُ أن أعطيَ كل مصطلح حقه من الإبانة، بما يجعل القارئ يفهم المقصود، وأبسّط الكلام أحيانًا في بعض المصطلحات، وخاصة عند الحديث عن اتجاهات السيميائيات ومدارسها وأعلامها؛ لأنه من الصعوبة تقديمها في سطر أو سطرين. كما ركزتُ على المصطلحات الخاصة بالسيميائيات الحديثة دون غيرها، وعملتُ جاهدًا على تتبع كل جديد فيها، ولكن هذا لا يمنع الإتيان ببعض المصطلحات القديمة؛ لأنها تُعدُّ مصطلحات أساسية ومحورية في السيميائيات في كل مراحلها. وأدخلتُ في هذا المعجم أهم أعلام السيميائيات الحديثة ومؤسسيها البارزين وعلمائها المؤثرين".

كثيرا ما يثار في الثقافة العربية جدل حول تعدد وتذبذب ترجمات المصطلحات العلمية، فكيف كان الأمر مع حقل السيميائيات؟ يجيب المؤلف: "برأيي، السيميائيات أكثر الحقول المعرفية تعقيدًا في منظومتها المفهومية والمصطلحية، فمصطلحاتها كثيرة ومعقدة؛ لأنها علم متعدد التخصصات أخذت مصطلحاتها من خلفيات متعددة. هذا في كل المراكز والأقسام المتخصصة في السيميائية في العالم بشكل عام، فهذه طبيعية السيميائيات. ولكنها في العالم العربي أكثر تعقيدًا على القارئ المتخصص، ناهيك عن القارئ العادي، فقد أُضيفَ إلى التعقيد الناتج عن طبيعتها تعقيد آخر تمثل في اختلاف واضطراب الترجمات والتعريب للمصطلح الواحد، وربما وجدنا لغطًا كبيرًا ومدادًا ما زال يسيل في تعدد تسميات مفهوم معيّن، وفي رأيي أن ذلك يعود لأمرين، الأول: عدم وجود مؤسسة علمية متخصصة في السيميائيات تضم وتستقطب كل المتخصصين في الوطن العربي، من خلالها تُوَحَّد المصطلحات وتُدْرَس المفاهيم دراسة معمقة، وتتابع الجديد في كل اتجاهات السيميائيات دون التركيز على اتجاه أو مدرسة واحدة وإهمال بقية المدارس. والآخر: بعض من يتصدى لنقل المصطلحات إلى العربية لا يتمتع بتأطير كافٍ حول السيميائيات وخلفياتها الفلسفية".

حين سألنا محدّثنا عن رأيه إن كان يوجد تأصيل كاف للسيميائيات عربيا أم أنها تحتاج إلى مزيد من اهتمام وجهود الباحثين؟ قال: "هناك عوز شديد في التأصيل الإبستمولوجي للسيميائيات في الدرس العربي، وإن كان هناك من محاولة للتأصيل فهي الجهود المغاربية، ولكن هذه الجهود ركزت اهتمامها على المدرسة الفرنسية، وعلى بعض المدارس الأخرى (وإن كان قليلًا) لكن من خلال الثقافة الفرنسية. فالسيميائيات في الجامعات والمراكز البحثية العربية تحتاج إلى مشروع تأسيسي، يقدمها (بكل مستوياتها واتجاهاتها ومدارسها) للقارئ العربي، ويتابع جديدها. ولعل عدم وجود هذا التأصيل في الدرس العربي حتى الآن يرجع إلى أن السيميائيات الحديثة حديثة النشأة، وهي في تطور مستمر، وأنها علم شامل متعالٍ يتداخل مع كثير من التخصصات، ولعل من أهم الأسباب هو حصر السيميائيات في مجال معين، كحصرها في اللغويات أو النقد الأدبي، وهو ما لا يتفق مع طبيعتها، وهذا يعود إلى قلة بضاعة من يفعل ذلك، فأول ما ينبغي فهمه في السيميائيات هو مستوياتها التراتبية، فهناك السيميائيات العامة في المستوى الأول، والسيميائيات الخاصة في المستوى الثاني، والسيميائيات التطبيقية في المستوى الثالث. ومن الأسباب أيضًا التلقي السطحي للسيميائيات، وعدم الإحاطة بخلفياتها الفلسفية، وعدم تتبع منابعها وتاريخها وتشعباتها".

يضيف: "ومن أهم الصعوبات التي تواجه مشروع التأسيس للسيميائيات الحديثة كثرةُ مصطلحاتها ومفاهيمها وعدم انتظامها، إضافة إلى أنها دخلت كثيرًا من المجالات العلمية والإنسانية. وبالرغم من هذه الصعوبة فإن وضع إطار تأسيسي لا بد منه؛ فأي مقاربة في ضوء السيميائيات لا بد لها من التسلح بمعرفة كافية بمصطلحاتها ومفاهيمها المتصلة بخلفياتها المعرفية التي ساهمتْ في تأسيسها. ومن هنا يأتي هذا المعجم ضمن هذا المشروع التأسيسي أو التأصيلي، فهو يُركِّز على أهم نقاط الإشكال في فهم السيميائيات، وهي مصطلحاتها ومفاهيمها الكثيرة والمعقدة، فقد قدمتُ أهم المصطلحات وأحدثها مما يجعل دارس السيميائيات الحديثة متسلحًا بجهاز مفاهيمي ومصطلحي كافٍ".

من المعروف أن هناك سجالات غير محسومة في تاريخ السيميائيات، وهو ما يجعل وضع معجم عملية تحتاج إلى الفصل في عدة مواضع. فكيف تعامل الملجمي مع هذا الوضع؟ يقول: "تطرق علماء السيميائيات كثيرًا لتاريخ السيميائيات وبداياتها وإرهاصاتها، والتي تتمثل في ملاحظة وجود العلامة (أعراض المرض مثلًا التي تحيل على المرض)، ومحاولة مقاربتها ودراستها، وقد أكثر بعض الباحثين من تتبع وجود مثل ذلك عند القدماء، ولكن بداية السيميائيات بوضعها المعاصر بدأت مع فلاسفة النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وأبرزهم تشارلز سندرس بيرس".

يتابع الملجمي: "مرت السيميائيات الحديثة بمراحل متعددة بدءًا بالإشارات التي سبقتْ ميلاد السيميائيات في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وتدخل في هذه المرحلة كل الجهود السيميائية التي قدمها الفلاسفة منذ أرسطو إلى الرواقيين وفلاسفة القرون الوسطى، وجهود العلماء العرب القدماء في هذا المجال. وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت السيميائيات مع مؤسسها الأول - كما يرى إيكو – بيرس، ومعه في الضفة الأخرى وفي الفترة نفسها فردينان دي سوسير. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن مرت السيميائيات بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: مرحلة السيميائيات البنيوية ويسميها دانيال تشاندلر السيميائيات التقليدية أو الكلاسيكية. ويمكن أن تُحدد بداياتها بكتابات سوسير وحديثه عن السيميولوجيا، أمَّا نهاياتها فيمكن أن تُحدد – أيضًا – بسبعينيات القرن الماضي. وتسميتها بالسيميائيات البنيوية ترجع إلى تأثرها بالبنيوية، واحتفاظها بكثير من الإرث البنيوي، وتختلط السيميائيات في هذه المرحلة بالألسنية البنيوية. والمرحلة الثانية: سيميائيات ما بعد البنيوية أو السيميائيات الحديثة أو سيميائيات ما بعد الحداثة. ويمكن أن نحدد بروز السيميائيات الحديثة بانعقاد "الجمعية الدولية للسيميائيات" في كانون الثاني/ يناير 1969 في باريس. أما المرحلة الثالثة فقد ذكر إيكو هذه المرحلة في كتابه "السيميائية وفلسفة اللغة" (1984)، وهي ما يسميها السيميائيات الأكثر حداثة. واتجهت السيميائيات الأكثر حداثة مع إيكو في أحدث اتجاهاتها النصية إلى قراءة القراءة أو ما أُطلقَ عليه "سيميائيات القراءة".

إذا كان انفتاح حقل السيميائيات على نوفذ كثيرة. ألا يعقّد ذلك عملية تأليف معجم؟ يجيب محدّثنا: "السيميائيات – كما قلتُ سابقًا – علم شامل ومتعالٍ ومتعدد التخصصات، وهو الأمر الذي جعله يدخل مجالات كثيرة، ويعالج كثيرًا من القضايا في عدد من الحقول ابتداء بالخلية في البيولوجيا وصولًا إلى الثقافة العامة. هذا الأمر يعقد عملية تأصيلها، وهو حجر عثرة في وجه المشروع التأسيسي للسيميائيات في الثقافة العربية. ومع ذلك فإنه ليس أمامنا إلا أن نبني هذا المشروع، ولو بوضع لبنة واحدة، بدلًا من الاستسلام. وقد ذكرتُ في مقدمة المعجم الصعوبات التي تواجه المعجم ومنها هذا الانفتاح على معارف أخرى، وذكرتُ كذلك أن ميزة هذا المعجم هو أنه شامل لكل اتجاهات السيميائيات، وأنه لم يقتصر على مدرسة أو اتجاه معين، كما فعلت بعض المعاجم. وبالرغم من ذلك، فإني أعترف أن هذا المعجم يحتاج إلى تحديث مستمر وجهود موسوعية ليشمل كل المصطلحات القديمة والجديدة لكل فروع السيميائيات الحديثة وتطبيقاتها، وخاصة أن هذه المصطلحات متجددة بسبب حداثة هذا العلم وتطبيقاته وتعالقه مع العلوم الأخرى، فما زالت جامعات العالم الأول، والمراكز البحثية حول العالم ترفدنا بكل جديد في هذا المجال".

في ظل هذا الواقع، كيف يمكننا أن نرسم أفق استعمالات السيميائيات في الثقافة العربية؟ يقول الملجمي: "ظلت السيميائيات في الثقافة العربية في العقود الماضية محصورة في اللغة والدراسات النصية، وينظر لها على أنها إحدى نظريات النقد ومناهجه، مثلها مثل التفكيكية أو الأسلوبية، وللأسف ما زال هذا هو الوضع، ما عدا استثناءات بسيطة، تتمثل في الجهود التي يقدمها "مختبر بنغازي للسيميائيات"، وبعض الجهود الفردية لباحثين مغاربة. وفي اعتقادي أن وضع السيميائيات هذا سيستمر (على الأقل في الفترة القريبة القادمة)، والسبب في ذلك هو تركيز الدارسين على مدرسة سوسير والمدرسة الفرانكفونية، وإهمال المدرسة الأميركية وما تفرع عنها من مدارس أخرى، والتركيز على السيميائيات النصية دون غيرها من السيميائيات الأخرى، كالسيميائيات البيولوجية، والسيميائيات الثقافية وغيرها. لكن الأمل يظل موجودًا بتضافر جهود الباحثين المتخصصين والمؤسسات الأكاديمية والبحثية في استغلال ما تقدمه السيميائيات في عدد من التخصصات، وخاصة في العلوم الطبيعية والدقيقة، ومجالات الثقافة والتاريخ، وألا يظل مقتصرًا على الدراسات النصية. ويبقى الأمل كذلك معقودًا بأن يكون للعرب إسهامات في الدراسات السيميائية. وأنتهز الفرصة هنا لأوجه الدعوة إلى المؤسسات الرسمية بضرورة الاهتمام بالسيميائيات، وإنشاء مراكز ودوريات متخصصة، وأوجه الدعوة للباحثين العرب المتخصصين في السيميائيات بإنشاء حلقات أو تكتلات وجمعيات علمية متخصّصة، من أجل متابعة الجديد على المستوى العالمي، وتلاقح الأفكار، وتكاتف الجهود في تقديم السيميائيات بكل اتجاهاتها ومستوياتها للقارئ العربي بشكل مبسط ومُحَدَّث؛ مما يسهم في استغلالها جيدًا في تخصصات ومجالات معرفية عديدة".



إقرأ المزيد