باكورة متأخرة ولكن مترعة بالصور والالوان
جريدة الصباح الجديد -

ماجد سوره ميري

أميد كریم صالح (أميد شيخ كریم) شاعر كوردي ثمانيني، وصوت شعري كوردي عذب من الأصوات الكوردية المعاصرة، ولد في مدينة السليمانية بإقليم كوردستان عام 1962، وأكمل فيها دراسته الابتدائية والمتوسطة ومن ثم دخل في اعدادية الصناعة وتخرج منها.
وبدأ بقرض الشعر منذ اوائل الثمانينيات من القرن الماضي ونشر نتاجاته الشعرية في المجلات والجرائد المنتشرة حينها.
وشارك في الندوات والنشاطات الادبية والشعرية في معظم المجلات الالكترونية الكوردية والعربية العراقية ونشر فيها نتاجاته الشعرية.
يعمل مديرا لتحرير مجلة (شه‌ونمی پیت) اي «ندى الحروف» ومراسلا لجريدة (سيروان) التي تصدر في كركوك.
وباكورة اعماله ديوان شعري صادر عن دار الثقافة والنشر الكوردية التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والاثار العراقية بعنوان «ينبوع يتكلم همسا» وان جاء في مرحلة عمرية متأخرة نوعا ما؛ الا انه يمثل نضجا في تجربته الشعرية وتطورها.
يقع الديوان في(120) صفحة من الحجم المتوسط، ويضم ما يربو على مائة قصيدة ورباعية، تتراوح القصائد ما بين الطويلة والقصيرة، ونزعم ان الديوان صدر بطباعة أنيقة وغلاف جميل.
والقصائد التي يضمها هذا الديوان، قصائد عديدة ومتنوعة في موضوعاتها؛ اذ تجد فيها الموضوعات الوطنية، والعاطفية الحزينة، والقصائد العامة، الا أن المنحى العام في هذا الديوان يتجه نحو بعدين أساسيين هما البعد الوطني والبعد العاطفي، ويمكن للقارئ ان يلاحظ انهما يمتزجان معاً امتزاجاً عضوياً بارعاً؛ وهو ما ضمن لهما درجة عالية من النضج والعمق والتكامل.
ففيما يخص البعد او الهم الوطني فقد انشغل الشاعر به انشغالا كبيرا، اذ تناول حقبة النظام السابق وما نجم عنه من كوارث حلت على يده، من تشريد للأهل، وتمزق بين أبناء الشعب الكوردي بصورة خاصة والعراقي عامة، والانقسام البغيض، ومن ثم تجربة الاقليم وما حصل من صراعات داخلية وتقاتل بين ابناء الشعب الواحد.
ومن ثم المرحلة التالية والخلاص من الدكتاتورية والتجربة «الديمقراطية» المنقوصة التي ادت لزيادة الفرقة والصراعات والحروب، ومن ثم الاجتياح الداعشي لمساحات كبيرة من ارض العراق وتهديده اقليم كوردستان، والاوضاع التي خلفتها سنوات الازمة المالية من بطالة وهجرة للكثير من الناس وتعرضهم للغرق في البحار وغيرها الكثير وهي مضامين أقضت مضاجع الشاعر، فانعكست في تجربته الشعرية، فأخذ يدعو إلى الاصلاح والوحدة والصمود والتحدي والمقاومة ولا ينسى في الوقت نفسه مخاطبة الحبيبة بأرق العبارات التي يظهر فيها ألم البعد والبؤس والشقاء ممزوجا برومانسية حالمة ومريرة ايضا في الوقت نفسه.
فها هو يناجي الحبيبة التي يكّنيها بزهرته الخاصة بالقول في أولى قصائد المجموعة:
«أيا زهرتي
أنا لا أفهم همي أنا
فكيف أستطيع
قراءة همك انت
فوجعُ فراشةٍ
يطرد النوم عن جفوني
فكيف أستطيع نسيان
ذبول زهرة القرنفل
وذبح «الزرازير»،
انا لا أستطيع استبدال
جحيم مليء بالعشق والمحبة
بجنة الفراق»
….
أيا زهرتي
يا مليكتي عندما تأتين اليّ
من اجل قلادة
انا لا املكها
اتمنى لو
اخرج كرتي عيني الزجاجيتين
واشدهما بسلسلة
واحولهما قلادة لجيدك
ليكونا حارسين لصدرك
وصديقين
لصغيري الارنب
المتحفزين فيه

وفي قصيدة اخرى يعبّر الشاعر عن أزمة الإنسان الكوردي والعراقي مع الاوضاع فعزم على الهجرة والرحيل عن موطن الاحلام وعن الحبيبة، فصّور بلغة بليغة مترعة بالغضب، وأحيانا بأسلوب السخرية المرة، في تجربة إنسانية يدرك فيها أنه يمزج في شعره الخاص بالعام، فينبثق من همّه الوطني هما قوميا، ومن همه الذاتي هما عاما، فمأساته ما هي الا جزء من مأساة وطنه، وأن الخاص الذي ألحَّ عليه في قصائده تجده حتما ظاهرا في العام:

«اسافر الليلة
وغدا اعود
وغدا اسافر
ولا أدرى متى اعود
فانتظار سفرك انت
وانتظار عودتك
استحل حياتي كلها
وانا بينهما
كشمعة مشتعلة في مقبرة
تصب قطرات روحي
قطرة قطرة على القبور
وتترك الاحياء
ولا تنفع الاموات.
ما بين سفرك انت وعودتك
اتراقص مثل صغار السمك
رمتها ركلات الامواج الغاضبة
قرب ساحل البحر
الى اليابسة
فأسعى لأصل لبركة ضحلة
ليكون للحياة استمرار
وأسعى للخلاص
مثل فراخ عصافير
ربط طفل صغير
أرجلها بخيط رفيع
ليكون للحياة استمرار ..

ولا يَنسى الشاعر ان يُعرِّي مظاهر العادات والتقاليد الاجتماعية البالية، ويصب عليها لهيب غضبه، فها هو في قضية الفتاة الأيزيدية «دعاء» التي قتلت رجما لأنها أحبت شابا من غير دينها؛ يقول في قصيدة غاضبة بعنوان «أحجار دعاء»:

«أحجار دعاء ناعمة
رأيت دعاء كغزالة مصابة
تتراقص في الدم
كسمكة وقعت في فخ الشباك
تتراقص على الارض
لآخر نفس وعيونها مفتوحة،
حتى وهي ميتة
تسجل شكل الشبكة
والصياد والجلادين
الذين يرمونها وتعدهم؛
ولكن روح دعاء الآن
مثل طير الابابيل
تدور في سماء سنجار وشيخان
كنورس في سواحل دجلة
مع حمامات سهل اربيل
والقباج المطوقة الجيد في گرميان
وزرازير السليمانية المهاجرة
تعود في أوانها مرة اخرى»

كما تتضمن قصائد الديوان بعدا آخر وهو البعد العاطفي الذي نجد فيه خيوطا شعورية ونفسية تتشابك مع بعضها، تعبر عن مزاج من مشاعر وأحاسيس مختلفة؛ وهي ما أكسبت قصائد هذا البعد تنوعا وغنى.
وتتجلى ملامح هذا البعد بين الاحتفال بحب جديد يشرق في ثنايا حياة الشاعر، والأسى على حب قديم قد ينطفئ، وما بين هاتين العاطفتين تتنوع التجارب الخاصة وتتعدد، فهو يتكلم عن حبيبة مختلفة عن الأخريات انها تتسامى وترتفع في العلياء، لتصل إلى مرتبة تتجلى فيها الفصول الاربعة اي انها الحياة بأكملها مع كل تناقضاتها، فها هو يقول في قصيدة بعنوان «هل تعلمين»:

«هل تعلمين كيف هي الدنيا
معك انت؟
وكيف اراها؟
-الحياة عندي اغنية
وخراب وعمران
على مدى فصول السنة الاربع
تتجلى فيها صورة وجهك انت
فإن كانت ربيعا
فهو ربيع مليء بالخضرة والجمال
يشع بالألوان والعمران
وإذا كانت خريفا
فانت خريف ناعم
من دون تساقط الاوراق
وبلا عواصف
وإذا كانت شتاء
فانت شتاء بلا جليد؛
دافئ
وإذا كانت صيفا
فانت صيف رطب ومنعش
ممتلئ بالحب».

ان المدقق في الأبيات السابقة يلاحظ انها تكتظ بالصورة الفنية النابضة بالحياة والحيوية، ومبنية على مستويين: حقيقية ومجازية، تذوب بينهما الفواصل والحدود، فليس معلوما إن كان الشاعر يخاطب الحياة وفصولها المختلفة أم المحبوبة، فهناك تماهٍ واندماج بين الصورتين.
كما نلاحظ في عدد غير قليل من القصائد ظاهرة بارزة وهي ظاهرة التكرار بألوانها المتعددة، والتي تشكل ملمحا بارزا في نسيج الرؤية العامة لتجربة الشاعر، وأداة فنية شغلت مساحة واسعة على امتداد صفحات الديوان، فكانت ظاهرة أسلوبية شغف الشاعر بتوظيفها لتحقيق أغراض فكرية وتعبيرية.
ومن ألوان ذلك التكرار لدى الشاعر: «التكرار الاستهلالي»، هو تكرار كلمة أو عبارة في مستهل كل بيت، وهذا التكرار يكون أكثر ارتباطاً ببناء القصيدة أو الأبيات التي يرد فيها، ومن وظائفه التأكيد والتنبيه، وإثارة التوقع لدى القارئ او المتلقي للموقف الجديد؛ لمشاركة الشاعر وإحساسه ونبضه الشعري، ويعين في إثارة التوقع لدى المتلقي، وهذا التوقع من شأنه أن يجعل المتلقي أكثر تحفزاً لسماع الشاعر والانتباه إليه، كما جاء في قصيدته «أيا زهرتي» التي استهل بها الديوان؛ حيث تكررت هذه العبارة اكثر سبع مرات على عدد مقاطعها التي اوردنا مقطعين منها اعلى هذا العرض الموجز.
حيث توكأ الشاعر في هذه الجزئية على تكرار عبارة «أيا زهرتي» في بداية كل مقطع، وهذا لم يأت بها من فراغ؛ وإنما ليكشف عن شدة تعلقه بالحبيبة او الوطن، وعمق حبه لهما، وهذا التتابع المتسلسل لكلمة «أيا زهرتي» يؤدي دوراً فنياً، وذلك في إثارة التوقع لدى المتلقي، وهذا التوقع سيجعل ـ أيضاً ـ السامع أو القارئ أكثر تحفزاً، وأشد انتباهاً لما سيقوله الشاعر.
واخيرا نقول ان ديوان «ينبوع يتكلم همسا» ما هو إلا بطاقة تعريفية لشاعر استطاع عبر متخيله الشعري أن يعرف بنفسه في مقطع زمني متأخر كما قلنا آنفا؛ في وقت اكتظ بجيل جديد من الشعراء الحداثة وما بعدها؛ الذين قد لا يتماهون مع نصوص كتبها ابناء الجيل السابق، ولكن لم تعدم الساحة الثقافية والادبية الكوردية والعراقية من شعراء ما زالت تتذوق كل ما يكتب من ابداع.



إقرأ المزيد