100عام من الثورة.. كيف انتهى نضال الإيرانيين بانتقال عرش الطاووس إلى حوزة آية الله؟
هافنغتون بوست عربي -

الاحتجاجات التي بدأت في مدينة مشهد المقدسة لدى الشيعة، الواقعة بشمال شرقي إيران، في 28 ديسمبر/كانون الأول 2017، ليست إلا مشهداً تكرر كثيراً في تاريخ هذه البلاد عبر أكثر من 100 عام خلت.

المفارقة أن الاحتجاجات الأخيرة انطلقت من هذه المدينة المحافظة رفضاً للسياسات الاقتصادية للحكومة الإيرانية برئاسة الرئيس الإصلاحي حسن روحاني، وقيل إن بعض المحافظين كانوا وراءها نكاية في روحاني، لكن بعض الاحتجاجات توسعت لترفض الجمهورية الإسلامية ذاتها ورموزها.

وأعادت تلك التظاهرات إلى الأذهان أحداثاً فاصلة غيَّرت ماضي إيران وواقعها، وامتد تأثيرها للحاضر وربما للمستقبل.

فإيران مرت بتغيرات كبيرة في القرن العشرين وقبله، منها ثورات وهبّات أخفقت، ولكنها أفضت في نهاية المطاف إلى الثورة الإسلامية إن لم تكن اختُزلت فيها، لتنهي النظام الملكي الشاهنشاهي الذي استمر قروناً.

في هذا التقرير، نستعرض أهم الثورات والاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال القرن العشرين وكيف أخفقت -في الأغلب- جراء التدخل الخارجي وبطش الأنظمة في تحقيق مطالبها، التي كان أبرزها وضع دستور ديمقراطي وتحسين الوضع الاقتصادي للشعب الإيراني، لتصل في نهاية المطاف إلى النموذج السياسي الحالي للبلاد؛ نظام جمهوري يقوده الولي الفقيه، بينما صلاحيات منصب الرئيس تبدو في أحسن الأحوال مماثلة لرئيس وزراء في الأنظمة الجمهورية التقليدية.


الثورة الدستورية.. أميركي يهندس الإصلاح والروس والبريطانيون يحبطونه

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت إيران تعاني التدهور والانهيار الاقتصادي، وتسببت السياسة المالية وأسلوب إنفاق شاه إيران وقتها، مظفر الدين شاه، خامس حكام السلالة القاجارية، في عدة أزمات اقتصادية متتابعة.

وفي عام 1905، دخلت إيران في حالة من الغليان نتيجة اندلاع الاحتجاجات على جمع رسوم من التجار لتسديد القرض الروسي الذي خُصص لتمويل الجولة الملكية الخاصة بمظفر الدين شاه في أوروبا.

وبضغط من المحتجين، وافق الشاه على تغيير الحكومة، لكن لم ينتهِ الأمر عند هذا القدر، فقد أراد المحتجون الحدَّ من سلطات الشاه وإنشاء برلمان. وفي بداية 1906، تجددت الاحتجاجات وأُعلن إضراب جماعي وأُغلقت البازارات -المحلات التجارية- وأضرب العمال.


مجموعة من الدستوريين متجمِّعين خارج السفارة البريطانية في طهران

اتجه عدد من التجار والرافضون للوضع إلى السفارة البريطانية التي وافقت على حمايتهم، وأعلنوا الاعتصام بها احتجاجاً على قرارات الشاه. وأمام تلك الاحتجاجات، وافق الشاه في اغسطس/آب عام 1906، على السماح بإنشاء برلمان.

وفي خريف ذلك العام، أُقيمت أول انتخابات، وانتُخب 156 عضواً للبرلمان. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وقَّع الشاه على الدستور المُعد من البرلمان، لتتحول إيران إلى ملكية دستورية.


الشاه الجديد يقصف البرلمان

في يناير/كانون الثاني 1907، تولى شاه محمد علي القاجاري السلطة، وفي أغسطس/آب 1907، أبرم اتفاق أنغلو-روسي لتقسيم إيران إلى منطقة روسية في الشمال ومنطقة بريطانية في الجنوب.

ولكن، سرعان ما حل الشاه البرلمان وألغى الدستور بمبرر مخالفته الشريعة الإسلامية، ثم قصف البرلمان الفارسي، بدعم عسكري وسياسي من روسيا وبريطانيا.

وفي يوليو/تموز 1909، سارت القوات المؤيدة للدستور من مقاطعات البلاد وأعادت الدستور، ثم صوّت البرلمان على وضع ابن محمد علي شاه، البالغ من العمر 11 عاماً، أحمد شاه على العرش. وتنازل محمد علي شاه بعد الثورة الدستورية الجديدة، ومنذ ذلك الحين تم تذكره كرمز للديكتاتورية.

وفي عام 1911، عيَّن البرلمان الإيراني الأميركي مورغان شوستر لإصلاح الضرائب والخزانة، فأصدرت روسيا مهلةً لطرد مورغان شوستر وإغلاق البرلمان، ثم غزت روسيا شمال غربي وشمال إيران؛ للاحتجاج على توظيف مورغان.

وفي عام 1925، انتهت السلالة القاجارية على يد رضا شاه بهلوي مؤسس الدولة البهلوية، ووالد الشاه محمد رضا بهلوي، آخر ملوك إيران.


عملية أجاكس.. مليون دولار أطاحت بـ"مصدّق" رئيس الحكومة المنتخب

منذ اكتشاف النفط لأول مرة في إيران عام 1908، تنبه الإنكليز إلى تلك الثروة النفطية الجديدة، وبتعاون مع الحكومة الإيرانية أُنشئت شركة النفط الأنجلو-فارسية عام 1908، وتمتعت تلك الشركة بالعديد من الامتيازات الاحتكارية طويلة الأمد، جعلت تلك الامتيازات من الحكومة البريطانية، الممثلة في الشركة، المحتكر الأول للنفط الإيراني والمستفيد الأكبر من أرباح النفط.

وفي 28 أبريل/نيسان 1951، انتُخب محمد مصدّق رئيساً للوزراء، وبعد يومين من تسلُّمه السلطة أمَّم النفط الإيراني وألغى حقوق الامتياز الممنوحة للإنكليز، وصادر أصول الشركة وممتلكاتها.


متظاهرون يعتلون الدبابات في طهران في 19 أغسطس/آل 1953

لكن الحكومة البريطانية لم تقف مكتوفة الأيدي، فبالتعاون مع شركات النفط العالمية، وعبر الضغط على شركات نقل النفط، استطاعت الحكومة البريطانية أن تخفض عائدات النفط الإيراني إلى صفر، لكن لم يكن ذلك كافياً للإطاحة بـ"مصدّق" صاحب الشعبية الجارفة، إلا أن الأزمة امتدت لتشمل صراعاً بين الشاه الموالي للغرب، و"مصدّق" صاحب الأفكار القومية.

وفي عام 1953، تصاعدت الأحداث بين الشاه و"مصدق"؛ ما دفع ذلك الشاه إلى الهروب باتجاه إيطاليا عن طريق العراق. وقبل فراره، وقَّع على قرار بإقالة حكومة مصدق وتولية الجنرال فضل الله زاهدي. جاء هذا القرار بإيعاز من المخابرات البريطانية الساعية لاستعادة سيطرتها على النفط الإيراني، والاستخبارات المركزية الأميركية، المتخوفة من ازدياد النفوذ الشيوعي في إيران.

كما زادت حدة التوترات بين التحالف الذي شكّله مشروع "مصدق" بداية الأمر داخل البرلمان. بدأ حُلفاء الأمس في الانقلاب عليه، سواء الأحزاب اليسارية أو الإسلامية، التي تبنَّت فتوى أصدرها رجال دين بأنّ "مصدّق" عدو للإسلام لتحالفه مع اليسار!


صورة "مصدّق" على غلاف مجلة التايم عام 1951م


خطة الانقلاب النموذجية: إعلام وبلطجي وجنرال..


أطلقت الاستخبارات المركزية الأميركية على عملية الانقلاب على "مصدق" اسم "عملية أجاكس"، وخصصت مليون دولار للإطاحة بحكومته، واستطاعت الاستخبارات الأميركية، عن طريق عملائها، رشوة مجموعة من المسؤولين الحكوميين واستخدام وسائل الإعلام؛ مما خلق حالة من الفوضى والصراع في الداخل الإيراني.

وتضمن مخطط العملية في البداية، تدشين حملة إعلامية مُناهضة لـ"مصدق" في الإعلامَين العالمي والإيراني المحلي، ثم تمثيل تظاهرات مناهضة لـ"مصدق"، بالتنسيق مع شعبان جعفري، الذي بات يُعرف باسم شعبان المجنون. وقد كان بمثابة زعيم من زعماء بلطجية إيران. قاد شعبان التظاهرات المُناهضة لـ"مصدق" والتي تصدرتها هتافات تُقلل من شأنه. وقد كانت هذه التظاهرات بمثابة لمسة الشرعية على الانقلاب "العسكري" المُخطط له ضد "مصدق".

وفي 19 أغسطس/آب 1953، اشتعلت الأحداث في طهران وحدثت اشتباكات بالشوارع، ونُهبت المنشآت، وأحرقت المساجد، وأسفر ذلك عن مصرع 300 شخص، ونزول الجيش والحرس الإمبراطوري للشوارع.

استطاع الجيش السيطرة على العاصمة واعتقال "مصدق"، وعاد الشاه إلى إيران في 22 أغسطس/آب 1953م، وتوصلت حكومة فضل الله زاهدي لاتفاق مع البريطانيين والأميركيين يضمن لهم نصيب الأسد في النفط الإيراني، وحُكم على "مصدق" بالإعدام، الذي خُفف إلى السجن 3 سنوات من الحبس الانفرادي، وبعد خروجه من السجن بقي "مصدق" تحت الإقامة الجبرية في قرية أحمد آباد حتى وفاته عام 1967.


اعتراف أميركي متأخر.. دعم الأحزاب

وفِي عام 2013، أفرجت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) عن وثائق تعترف رسمياً، وللمرة الأولى، بدورها الرئيسي في الانقلاب الذي وقع بإيران عام 1953 وأطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً آنذاك، محمد مصدق.

وتشير الوثائق أيضاً إلى كيفية إعداد الاستخبارات المركزية للانقلاب من خلال وضع أخبار معارِضة لـ"مصدق" في كل من الإعلام الإيراني والأميركي.

ويقول مالكولم بايرن، محرر الوثائق، إن هذه الوثائق مهمة، ليس فقط لأنها توفر "تفاصيل جديدة، ولمحات حول عمل وكالات الاستخبارات قبل وبعد عملية الانقلاب"؛ ولكن أيضاً لأن "الأحزاب السياسية من كل الاتجاهات، بما في ذلك الحكومة الإيرانية آنذاك، كانت تدعم الانقلاب باستمرار".


الثورة الإسلامية.. حين يجني العلماء ثمار نضال الجميع

في بداية سبعينيات القرن الماضي، بدأت إيران تتجه إلى أزمة اقتصادية ناجمة عن زيادة الإنفاق الحكومي واتجاه الشاه إلى مشروعات وبرامج مكلفة، أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم وركود القوة الشرائية الإيرانية ومستوى المعيشة، تزامنت تلك الصعوبات الاقتصادية مع ازدياد القمع الاجتماعي والسياسي من قِبل نظام الشاه وقوات السافاك (منظمة المخابرات والأمن القومي).


الخميني يحيي الجماهير عند وصوله لإيران عام 1979م

فمنذ الإطاحة بـ"مصدق" في الخمسينيات، أُغلقت الأجواء السياسية ومنافذ التعبير عن الرأي، وتم حظر كثير من الأحزاب المعارضة وتهميشها؛ مثل الجبهة الوطنية وحزب تودة الشيوعي وغيرهما، كما كان الاحتجاز غير القانوني والتعذيب والرقابة السمة العامة لكل معارض أو صاحب رأي.


العلمانيون والشيوعيون يتجهون لرجال الدين

و للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، رأت التيارات العلمانية والشيوعية أن أي محاولة للتغيير لن تنجح من دون اشتراك العلماء والمراجع الدينية ذات التأثير القوي في المجتمع الإيراني، فبعد الإطاحة بـ"مصدق" في عام 1953 أصبح من الواضح أن الدين وثقافة المجتمع الإيراني المحافظ أقوى من أن يتم تجاهلها.

جاء خطاب أستاذ الفلسفة ورجل الدين آية الله الخميني ليوحد جميع القوي السياسية المعارضة للشاه، فاستطاعت خطابات الخميني القاسية المعارِضة للشاه أن تلهب نفوس كثيرين من الإيرانيين. ورغم نفي الخميني من إيران عام 1964، استمرت خطبه من باريس، واستطاعت الوصول إلى إيران عن طريق شرائط الكاسيت، لتكون تلك خطب الثورة الإيرانية.


تشهير إعلامي بالخميني يتحول لثورة

وفي يناير/كانون الثاني 1978، انطلقت تظاهرات، كان طلاب المدارس الدينية نواتها الأولى في مدينة قُم، جاءت تلك المظاهرات احتجاجاً على قصة تشهير ضد الخميني نُشرت في صحيفة تهران، وأُرسل الجيش لتفريق تلك الاحتجاجات، وتعامل معها بقوة أدت إلى مقتل أكثر من 70 طالباً، لتنطلق بعد ذلك دعوات للتظاهر في كل أنحاء إيران.

اشترك في تلك التظاهرات كل الطوائف السياسية وأعداد كبيرة من العاطلين والمتضررين من الأوضاع الاقتصادية، وعمل الخميني خلال نفيه في العراق وبعدها بفرنسا، على التنسيق بين المعارضة لبناء جبهة قوية موحدة ضد الشاه.

العطلة الأخيرة للشاه.. جمهورية إسلامية رغماً عن الشركاء

وفي يناير/كانون الثاني 1979، فرَّ الشاه وعائلته من إيران، فيما وُصف رسمياً بأنه "عطلة"، وقبل فراره عيّن شهبور بختيار رئيساً للوزراء. حاول بختيار الوصول إلى حل توافقي مع الجبهة الوطنية أو الخميني، لكنه فشل وتوسعت التظاهرات، لتتجاوز الحشود مليون شخص بطهران وحدها. وفي 1 فبراير/شباط 1979، عاد الخميني إلى إيران، حيث قوبل باستقبال حاشد، ليعلن إقالة حكومة بختيار وتولية مهدي بازركان مؤقتاً رئيساً للوزراء.

وفي الأول من أبريل/نيسان، وبعد تأييد ساحق في استفتاء وطني، ورغم المعارضة الشديدة من قِبل القوميين واليساريين والعلمانيين، أعلن الخميني إيران جمهورية إسلامية، ليسدل بذلك الستار على قرون من الزمن، كانت فيها إيران مملكة، وآل عرش الطاووس إلى حوزة اية الله.



إقرأ المزيد