رفع الفائدة حلاً للحفاظ على الليرة التركية واحتواء مخاطر الاحتياطي
العربي الجديد -

ضاقت الحلول أمام صناع السياسة الاقتصادية بواقع الضغط المستمر على الليرة التركية واستمرار المضاربة بواقع المخاوف و"السخط الشعبي" على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، الأمر الذي قد يعيق مصادر دخل القطع الأجنبي، من تعطيل قدوم السياح أو إبطاء الإنتاج والتصدير.

وربما، بحسب مراقبين، ليس من بد لتحريك أسعار الفائدة ورفع سعرها، لتثبيت سعر صرف الليرة التركية المتراجعة، إن لم نقل تحسينها، كما يتطلع برنامج الحكومة الاقتصادي نهاية العام الجاري، إلى سعر الصرف ونسبة التضخم.

ويرى مدير أكاديمية الفكر للأبحاث بإسطنبول، باكير أتاجان أنه لا بد من إجراءات اقتصادية، مالية ونقدية، لمواجهة حالة الأسواق التي كستها المخاوف والقلق، للطمـأنة والتأكيد على قوة الاقتصاد التركي المرتكز على ثنائية الإنتاج والتصدير، والمدعوم بعائدات السياحة والاحتياطي النقدي الكبير.

ويتوقع أتاجان خلال حديثه لـ"العربي الجديد" أن يتم رفع سعر الفائدة، ولو بمئة نقطة أساس، لأن بذلك رسالة قوة من الدولة واستقرار لسعر الليرة، وليس تراجعاً كبيراً عن نهج التشدد النقدي أو العودة للتيسير النقدي ورفع الفائدة بنسبة كبيرة. معتبراً أن الحل الآخر المتاح، هو استمرار التدخل المباشر من البنك المركزي التركي، الأمر الذي يضع الاحتياطي النقدي الدولاري بموقع الخطر بعد التدخل يوم اعتقال إمام أوغلو وضخ نحو 10 مليارات دولار، والاستمرار بهذه السياسة.

بالمقابل، توقعت مجموعة "غولدمان ساكس" أن يُقدِم البنك المركزي التركي على رفع سعر الفائدة الرئيسي بنحو 350 نقطة أساس، ليصل إلى 46%، خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر عقده في 17 إبريل/نيسان الجاري "أو حتى قبل ذلك" بهدف تهدئة الأسواق وحماية الليرة.

وقالت المذكرة الصادرة عن محللي غولدمان ساكس، كليمنس غراف وباشاك إديزغيل، إن الاحتجاجات المستمرة على خلفية اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وهو أبرز خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان بتهم فساد، إلى جانب عطلة عيد الفطر، قد تزيد الطلب على العملات الأجنبية، مما يُعيد مخاطر "إعادة الدولرة" إلى واجهة المشهد المالي التركي.

وتشير تقديرات بلومبيرغ إيكونوميكس إلى أن حجم تدخلات البنك المركزي التركي خلال الفترة الأخيرة بلغت نحو 27 مليار دولار، في محاولة لدعم الليرة التركية التي شهدت تراجعًا حادًا بعد اعتقال إمام أوغلو. كما قام البنك المركزي أيضًا برفع سعر الإقراض لليلة واحدة.

وترتكز التوقعات على بيان المصرف المركزي التركي الذي أشار إلى استعداده لاتخاذ خطوات إضافية إذا لزم الأمر لضمان سلاسة الأسواق المالية، وذلك بعد تقييم لجنة السياسة النقدية لمخاطر التضخم المتزايدة بفعل التطورات الأخيرة في السوق.
وأضاف في بيان أن لجنة السياسة النقدية قد اجتمعت بشكل طارئ هذا الأسبوع، ونفذت عددًا من الإجراءات الداعمة للاستقرار النقدي، دون أن يكشف عن تفاصيل هذه الإجراءات.

كما تستند التوقعات إلى تصريح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان ودعمه العلني للمسؤولين الاقتصاديين والماليين في حكومته، وهو ما اعتبره المحللون إشارة إلى استعداده لقبول رفع سعر الفائدة، على الرغم من مواقفه السابقة الرافضة لسياسات التشديد النقدي، إذ لطالما دافع أردوغان عن أسعار الفائدة المنخفضة باعتبارها أداة لتحفيز النمو وخفض التضخم.

ولكن، يرى آخرون أن سعر صرف الليرة التركية "شبه مستقر وثابت" إذ سجل الدولار الأربعاء، نحو 37.926 ليرة وتعدى سعر صرف اليورو 40.993 ليرة تركية، وهي برأيهم "أسعار مقبولة" ولا حاجة لرفع سعر الفائدة الذي سيكون له تبعات على تكاليف الإنتاج ومعيشة الأتراك، والأهم، تبطئ نسبة التضخم الذي بدأ بالتعافي خلال الشهرين الأخيرين وسجل نحو 39%.

ويقول أستاذ المالية بجامعة باشاك شهير بإسطنبول، فراس شعبو لـ"العربي الجديد" إن وضع الاقتصاد التركي الذي بدأ يتعافى، بعد تراجع نسبة النمو ونسبة التضخم الكبيرة، لا يسمح "على الأرجح" للعودة لسياسة التيسير النقدي ورفع سعر الفائدة، لأن لذلك آثارا لاحقة قد تنعكس على الإنتاج والنمو والتضخم.

واعتبر شعبو أن الحل الأمثل، بعد امتصاص فورة السوق وتبديد المخاوف من خلال التدخل المباشر وضخ المصرف المركزي للدولار "نحو 27 مليار دولار" يكمن في تثبيت سعر الفائدة وعدم الاستمرار بنهج التخفيض المستمر الذي أعلنته الحكومة منذ ثلاث جلسات سابقة، مضيفاً أن استراتيجية الحكومة التركية وبرنامجها الاقتصادي يهدفان لتخفيض سعر الفائدة ونسبة التضخم وتحسين سعر الصرف، ويجب ألا تتأثر الاستراتيجية بحدث طارئ.

وينبه أستاذ المالية من أن لرفع سعر الفائدة آثاراً كثيرة جراء توجه المدخرات لخزائن المصارف، لأن الفائدة بتركيا من أعلى النسب بالعالم، خاصة بواقع ما يقال عن أزمة اقتصادية دولية تلوح بالأفق، تشابه أزمة عام 2008 أو ربما أكثر.

وعانت الليرة التركية من هزة كبيرة وتراجع حاد وصل إلى 12% بعد اعتقال إمام أوغلو لتهوي الليرة مقابل الدولار إلى 42 ليرة قبل أن تتحسن جراء ضخ المصرف المركزي الدولار بالسوق وتتراجع، بالمقابل، حدة التظاهرات والاحتجاجات بالأسواق. إلا أن استمرار التدخل وتبديد الاحتياطي، قد يؤثر على ثقة المستثمرين وإدمان السوق على المعالجة من الخارج بدل تصويب السوق لنفسها عبر استعادة الثقة وتوازن العرض والطلب، وإلا، سيكون برأي أتراك، استمرار التدخل خطراً على الاحتياطي الأجنبي بالمصرف المركزي التركي الذي بلغ، قبل أزمة اعتقال إمام أوغلو نحو 159 مليار دولار منها نحو 65.5 مليار دولار ذهباً.

وكانت الحكومة التركية قد أعلنت في سبتمبر/أيلول الماضي برنامجها الاقتصادي الجديد للفترة الممتدة بين عامي 2025 و2027، وحدد البرنامج هدفا طموحا لخفض معدل التضخم إلى 41.5% بحلول نهاية عام 2025، مع توقع أن ينخفض إلى9.7% بحلول عام 2026.



إقرأ المزيد