العربي الجديد - 4/2/2025 2:49:58 PM - GMT (+3 )

تتراكم المشكلات على أهالي غزة، مع توقف المخابز عن العمل، وسط أزمة اقتصادية عميقة تمنع أسر القطاع من الحصول على الحد الأدنى من متطلبات الحياة. فقد سبّب الإغلاق الإسرائيلي التام لمعابر قطاع غزة ومنع دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات شللاً كاملاً في عمل المخابز الآلية والنصف آلية، ما يهدد بتعميق الكارثة الإنسانية التي يعيشها أكثر من 2.3 مليون فلسطيني.
وأعلنت جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة إغلاق كل المخابز العاملة مع برنامج الغذاء العالمي (WFP)، والتي كانت توفر الخبز بمقابل رمزي (نصف دولار تقريباً) للربطة الواحدة، بفعل نفاد كلّ الإمدادات اللازمة للعمل على مدار شهر من الإغلاق الكامل والذي بدأ منذ الثاني من مارس/ آذار الماضي. الأزمة الشديدة في الخبز لم تبدأ مع إغلاق المخابز العاملة في القطاع، وإنما تزايدت حدتها، حيث لم تكن المخابز العاملة وعددها 25 مخبزاً فقط كافية لسد احتياجات مئات آلاف الفلسطينيين غير القادرين على صنع الخبز في بيوتهم أو خيام النزوح جراء نفاد غاز الطهي، والارتفاع الكبير في أسعار الحطب.
وتعد المخابز التي تعمل بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي أحد المصادر الأساسية للخبز المدعوم في قطاع غزة، حيث توفر هذه المخابز كميات كبيرة من الخبز بأسعار منخفضة، وهو ما يساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية على الأسر الفقيرة التي تعاني الظروف الاقتصادية الصعبة نتيجة الحصار المستمر وفقدان مصادر الدخل.
ويعني إغلاق هذه المخابز قطع شريان غذائي حيوي عن العديد من السكان، خاصة في وقت يعيش فيه القطاع تحت ضغط متزايد بفعل العدوان المتواصل والقيود المفروضة على الحركة والتجارة، بينما تتصاعد المخاوف من كارثة قد تكون لها تبعات خطيرة على الأمن الغذائي والصحة العامة.
تشديد الحصار يضرب المخابزالمخابز العاملة كانت توفر مادة أساسية وضرورية لغالبية الأسر في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها نتيجة نقص غاز الطهي إلى جانب الأوضاع الاقتصادية المتردية والتي ستحرمهم من القدرة على شراء الطحين أو الخبز من السوق السوداء، والتي ترتفع فيها الأسعار إلى أكثر من عشرة أضعاف. ويقول رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة عبد الناصر العجرمي إن وقف إمدادات برنامج الغذاء العالمي نتيجة إغلاق المعابر سبّب إغلاقَ كلّ المخابز العاملة، والتي توفر الخبز المدعوم للسكان.
ويبين العجرمي لـ "العربي الجديد" أن إغلاق المخابز جاء بعد شهر من تشديد الحصار الإسرائيلي ومنع دخول كلّ البضائع بما فيها المواد الأساسية اللازمة لعمل المخابز وفي مقدمتها الدقيق والخميرة والملح والسكر والوقود. ويشير العجرمي إلى أن المخابز تعمل تحت مظلة برنامج الغذاء العالمي، الذي يقوم بدوره بتوفير المواد الخام والإمدادات اللازمة وتحديد أسعار البيع أو المساعدات التي يتم تجهيزها ليقوم بدوره بتوزيعها مجاناً.
ويضيف: "أبلغنا برنامج الغذاء العالمي أن المواد الخام نفدت من مخازنه بعد شهر من منع دخول أي إمدادات إضافية وتم خلال فترة الإغلاق توزيع قرابة 7500 طن على المخابز ما تسبب بنفاد كل المخزون". ويبين العجرمي أن جميع مخابز قطاع غزة أغلقت الاثنين أبوابها، حيث بدأ الإغلاق في مخابز المحافظات الوسطى والجنوبية، ومن ثم إغلاق أربعة مخابز من أصل تسعة في مدينة غزة وشمالها حتى منتصف نهار الأمس، بينما توقفت جميع المخابز عن العمل مساء".
ولا يمكن للقطاع الخاص تشغيل المخابز بدون توفير الوقود والمواد الخام الأساسية واللازمة للعمل، وفق العجرمي ويقول "في حال قيام القطاع الخاص بتشغيل المخابز ستزيد تكلفة تصنيع الربطة لتصل إلى تسعة شواكل، وستباع بنحو 10 شواكل بعد أن كانت تباع بشيكِلين وهو سعر رمزي ناتج عن دعم البرنامج". (الدولار الأميركي يساوي 3.6 شواكل).
المعاناة تتزايدوتحل الأزمة على مئات آلاف الفلسطينيين المعتمدين غالباً على المساعدات الإنسانية بما فيها الخبز المدعوم، بينما لا يملكون القدرة على شراء الخبز من الأسواق الحرة بسبب ارتفاع الأسعار، خاصة في ظل غلاء تكاليف المعيشة وعدم توفر فرص العمل. ويقول الفلسطيني خالد البرعاوي إنّ إغلاق المخابز التي توفر الخبز المدعوم للفقراء والعائلات المتضررة من الحرب سيؤثر بشكل كبير على العديد من العائلات، خاصة النازحين الذين يعتمدون عليها بشكل أساسي للحصول على قوت يومهم.
ويضيف البرعاوي لـ "العربي الجديد": "كان الوضع صعباً من قبل الإغلاق بسبب الغلاء الشديد في كل شيء، وصعوبة الحصول على الخبز والاضطرار إلى الاصطفاف في طوابير طويلة منذ ساعات الصباح الأولى، لكنّ استمرار الإغلاق تسبب في زيادة المعاناة".
ويبين البرعاوي أنّ إغلاق المعابر سيسبّب كذلك زيادةَ التكلفة المادية لشراء الخبز أو إعداده، حيث سيضطر العديد من الأسر إلى شراء الخبز أو الدقيق من السوق السوداء، أو صناعته منزلياً بتكلفة مرتفعة في ظل انقطاع غاز الطهي، وارتفاع أسعار الحطب. في الإطار، تبين الفلسطينية سمية أبو مهادي أنها كانت تضطر إلى الوقوف في طابور النساء، بينما يقف زوجها في طابور الرجال للحصول على ربطتين يومياً لأسرتها المكونة من ثمانية أفراد والتي ترعى كذلك أقاربهم النازحين.
وتلفت أبو مهادي إلى أن المعاناة كانت كبيرة حتى قبل أن تغلق المخابز بسبب الغلاء الشديد في أسعار المواد الغذائية وشح المساعدات الإنسانية "إلا أن إغلاق المخابز المدعومة والتي تبيع الخبز بسعر زهيد سيحول المعاناة إلى مأساة حقيقية". وتوضح أبو مهادي أنها لن تتمكن من إعداد الخبز في ظل غلاء أسعار المواد الخام، كما أنها لن تتمكن من شراء الخبز بأسعار مرتفعة بفعل الأوضاع الاقتصادية المتردية، والتي زادت سوءاً بعد فقدان زوجها لعمله، إثر تدمير سيارة الأجرة التي كان يعمل عليها.
ويشكل إغلاق المخابز في غزة، والتي تعمل بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، تهديداً للأمن الغذائي في القطاع، خاصة في ظل نقص الغاز والموارد الأساسية والمساعدات الإنسانية والأزمات الاقتصادية المتتالية التي يعيشها السكان في ظل فقدانهم بيوتهم ومصادر الدخل الثابتة.
غلاء وبطالةودمر الاحتلال الإسرائيلي مختلف المكونات الاقتصادية، الأمر الذي سبّب فقدان عشرات آلاف الفلسطينيين لمصادر دخلهم، كما أدى إلى مضاعفة نسب الفقر التي وصلت إلى حد 100% وتخطي نسب البطالة حاجز 80%، وبات معظم المواطنين يعتمدون على المساعدات الإنسانية الشحيحة.
تترافق الأوضاع الاقتصادية المتردية لدى شريحة واسعة من الغزيين مع الغلاء الشديد في أسعار السلع الأساسية جراء تدمير الاحتلال المصانع والشركات، والاعتماد بشكل أساسي على المساعدات أو البضائع المستوردة، في الوقت الذي يغلق فيه الاحتلال المعابر، ويتحكم في دخول البضائع غير الضرورية، ما سبّب اختلال توازن الأسعار وفقاً لقاعدة العرض والطلب.
كما تعد الأزمة النقدية من أبرز التحديات التي يعانيها الفلسطينيون في قطاع غزة، إذ يعاني الأهالي بشكل متزايد سلسلة من القيود الإسرائيلية التي تطاول قدرتهم على تلبية أبسط الاحتياجات الأساسية لأسرهم. وبات المواطنون يعانون ندرة الأوراق النقدية المتداولة، وسط ارتفاع غير مسبوق ومتزايد في أسعار السلع الأساسية، مثل أسعار المواد الغذائية.
ويزيد هذا الوضع من صعوبة الحياة اليومية ويؤدي إلى اضطراب في عمليات البيع والشراء، ما يعرقل التجارة ويعطل النشاط الاقتصادي، في الوقت الذي تعاني فيها مختلف القطاعات الاقتصادية شللاً شبه تام. ويسبّب تدمير البنية التحتية المصرفية وعدم قدرة البنوك على ضخ الأموال في الأسواق خلقَ أزمة سيولة حادة أمام كلّ سكان غزة، حيث يتعذر عليهم سحب الأموال من حساباتهم البنكية أو حتى الحصول على الرواتب، وهو ما يسبب أزمة كبيرة خاصة في ظل النقص الحاد في النقد المتاح.
إقرأ المزيد