تحديات أمام حاكم مصرف لبنان: معالجة الأزمة المصرفية وإعادة الهيكلة
العربي الجديد -

استعادة الثقة وأموال المودعين أبرز تحديات مصرف لبنان، بيروت في 30 مارس 2023 (Getty

يواجه مصرف لبنان بقيادته الجديدة تحديات كبيرة تتطلب تعاونًا وثيقًا بين المصرف المركزي، الحكومة، والمصارف التجارية، لوضع خطة إصلاحية متكاملة تضمن إعادة هيكلة النظام المالي والمصرفي، وفقًا لمعايير دولية تُراعي متطلبات صندوق النقد الدولي، دون الإضرار بالمودعين أو تقويض ما تبقى من النظام المصرفي. ورغم تعدد الخطط السابقة التي طُرحت لحل الأزمة، إلا أن أياً منها لم يُطبق نتيجة الخلافات السياسية والمصالح المتشابكة بين الأطراف المعنية. 

وتواجه لبنان أزمة مالية حادة تسببت في انهيار القطاع المصرفي وتدهور الثقة في النظام الاقتصادي والنقدي، ما دفع البلاد إلى مرحلة من التحديات غير المسبوقة. ويحتاج لبنان إلى خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ووضع آليات واضحة لمعالجة ملف المودعين، مع السعي لاستعادة الاستقرار النقدي وإعادة بناء الثقة في المنظومة المالية. 

تنسيق حكومي مطلوب مع حاكم مصرف لبنان

بدوره، صرّح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، بأن وجود خطة واضحة لمعالجة الملفات العالقة في المصرف المركزي يجب أن تضعها وزارة المالية ومصرف لبنان والحكومة، مع إمكانية الاستعانة بشركة خارجية، وليست هذه الخطة من إعداد حاكم مصرف لبنان الجديد كريم أنطون سعيد، بل تُرفع إلى مجلس الوزراء، الذي من المفترض أن يوافق عليها قبل إحالتها إلى مجلس النواب بصفة مشروع قانون، حيث تتم دراستها من قبل اللجان المعنية، ثم تُرفع إلى الهيئة العامة للتصويت عليها.

وأضاف أنه خلال السنوات الماضية تم استبعاد أربع خطط، أبرزها خطة لازارد التي طرحت في أيام حكومة حسان دياب، وثلاث خطط أخرى خلال وجود حكومة نجيب ميقاتي، لذلك، فإن هذه المسؤولية مشتركة وليست محصورة بحاكم مصرف لبنان، الذي يمتلك بدوره معطيات حول كيفية توزيع الحسابات في لبنان على مستوى القطاعات والأفراد والمؤسسات، وكذلك النسب والحدود للحسابات التي تبدأ من 100 ألف دولار وصولًا إلى مليون دولار، إلا أن هذه المعالجة تتطلب عملًا مشتركًا، ولا يمكن اعتبارها قرارًا فرديًا للحاكم.

أما التحدي الذي يواجهه المصرف المركزي اليوم، فهو إعادة هيكلة مصرف لبنان أولًا، ثم القطاع المصرفي ثانيًا، لافتاً إلى أنه وفقًا للوثيقة الصادرة عن جامعة هارفارد، فإن الحاكم الجديد يرى ضرورة تقليص حجم القطاع المصرفي بنحو الثلثين، إذ يوجد في لبنان 50 مصرفًا حاليًا، يجب أن ينخفض هذا العدد إلى أقل من 20 مصرفًا. 

كما أوضح أبو شقرا أن قانون النقد والتسليف منح حاكم مصرف لبنان صلاحيات واسعة، فهو الرئيس الأعلى لهيئة التحقيق الخاصة، ورئيس هيئة الأسواق المالية، ومسؤول بشكل غير مباشر عن لجنة الرقابة على المصارف. بالإضافة إلى ذلك، فإن القوانين اللبنانية، وأبرزها القانون 2/76 والقانون 110/1991، تمنح الحاكم صلاحية إقالة مجلس إدارة أي مصرف في حال الإخلال بالتزاماته، وتعيين مجلس جديد لإدارة شؤونه، بل وحتى تصفية المصرف، مع تحمّل مسؤولية التعويض للمودعين. 

وأشار إلى أن المصرف المركزي مارس هذا الدور سابقًا مع بنك الاعتماد المصرفي، حيث أقال مجلس إدارته القديم وعيّن مجلسًا جديدًا، كما يملك الحاكم صلاحية فرض زيادة في رؤوس أموال المصارف، وهو ما ورد في التعميم 154 الذي ينصّ على إمكانية زيادة رأس المال بنسبة 20% خلال فترة محددة، بالإضافة إلى تكوين سيولة بنسبة 3% لدى المصارف في الخارج من الحسابات بالعملة الأجنبية، إلا أن هذا التعميم لم يُستكمل، وهو ما يشكّل تحديًا كبيرًا للحاكم الجديد. 

أما بالنسبة للخطط الأربع السابقة، فقال أبو شقرا إنها كانت ستؤدي بشكل أو بآخر إلى تصفية كبيرة في القطاع المصرفي، وهو السبب الرئيسي لرفضها من قبل المصارف، وخصوصًا خطة لازارد، التي كانت تقضي بتصفية جميع المصارف وإنشاء أربعة مصارف جديدة فقط، كما أن الخطط اللاحقة حمّلت المصارف مسؤولية إعادة الودائع، وهو ما تم رفضه من قبلهم، بحجة أن الأزمة ذات طابع نظامي. 

استعادة الثقة

وأشار أبو شقرا إلى أن الحاكم الجديد يرى أن الدولة تتحمل كافة ديون القطاع المصرفي، بما في ذلك ديون اليوروبوندز، التي تبلغ حوالي 32 مليار دولار، إضافة إلى 76 مليار دولار تمثل ودائع المودعين، إلا أن خبراء المال والمصارف يؤكدون أنهما دينان مختلفان بطبيعتهما، إذ إن المودعين يُعتبرون دائنين للمصارف، في حين أن حملة سندات اليوروبوندز هم مستثمرون، وبالتالي لا يمكن جمعهما معًا. 

أما بالنسبة للحاكم بالانابة وسيم منصوري، فقد استمر بشكل أو بآخر في تطبيق سياسات رياض سلامة، مع وجود بعض الفوارق الأساسية، أبرزها وقف إقراض الدولة، إضافة إلى تعاميم 158 و166، حيث أوقف تطبيق Haircut  عليهما، مشيراً إلى أنه اعتمد سياسة عدم طباعة الليرة اللبنانية إلا بمقدار ما يدخل من دولارات إلى المصرف المركزي، ما ساهم في تثبيت سعر الصرف. ومع ذلك، فإن الاختلاف الأساسي المتوقع سيكون في تغيير سعر الصرف، إذ يرى صندوق النقد الدولي أن السعر الحالي غير واقعي، ويجب أن يكون أقل من 90 ألف ليرة مقابل الدولار، لأن هذا الرقم لا يُعتبر تنافسيًا، وفقًا للصندوق. 

وفي الحديث عن استعادة الثقة، أوضح أنه يجب إشراك الحكومة في إعادة هيكلة مصرف لبنان والمصارف التجارية، إضافة إلى فصل مجلس الإدارة عن الهيكلة العامة، وتطبيق القرارات الصادرة عن المصرف المركزي، بالإضافة إلى  زيادة رؤوس أموال المصارف وإدخال مستثمرين جدد إلى القطاع المصرفي اللبناني، بحيث تبدأ المصارف بتمويل فواتيرها الاستهلاكية وتأمين حاجاتها، ما يقلل الحاجة إلى سحب الأموال الفائضة ويُساهم في تسهيل عمل القطاع المصرفي.

وفي هذا السياق، يرى أبو شقرا أن موقف كريم سعيد يتعارض مع المطلب الأساسي لصندوق النقد الدولي، الذي ما زال يطالب بإعادة هيكلة القطاع المصرفي ورفع السرية المصرفية. 

أطر لحل أزمة المودعين 

من جانبه، أفاد الخبير الاقتصادي محمود جباعي، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، بأن أمام الحاكم الجديد عدة مهام رئيسية، خاصة في ما يتعلق بالسياسة النقدية المطلوبة منه، بالإضافة إلى التحديات التي سيواجهها مع الدولة اللبنانية، وأبرزها وضع أطر لحل أزمة المودعين وتعزيز التعاون بينه وبين الحكومة اللبنانية، مؤكداً أنه إذا لم يكن هناك أي تعاون بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية، فلن يتم التوصل إلى أي حل شامل.

وأضاف جباعي أن المصرف المركزي يُعد الجهة المسؤولة كونه يمتلك أكبر الموجودات، ومنها الاحتياطي الإلزامي بالإضافة إلى موجودات أخرى، حيث يقدَّر أن لديه ما يقارب 10.7 مليارات دولار "فرش"، وحوالي خمسة مليارات دولار من سندات اليوروبوندز التي تبلغ قيمتها السوقية الحالية 18%، فضلًا عن أصوله من الذهب التي تقدر بنحو 30 مليار دولار، وربما أكثر، نظرًا لأن الذهب في مصرف لبنان تراثي وقديم. كما يمتلك المصرف مجموعة من العقارات والمؤسسات، مثل "بنك إنترا" و"كازينو لبنان"، ما يجعله جهة أساسية ذات ممتلكات وإيرادات. 

وأشار إلى أن هذه الأصول تُعتبر ملكًا خاصًا للمصرف المركزي، لا سيما الذهب الذي تراكم بفضل قدرة المصرف على إجراء عمليات متوافقة مع قانون النقد والتسليف. لذا، بإمكان المصرف المركزي المساهمة، من خلال موجوداته، في وضع رؤية شاملة بالتعاون مع الحكومة والمصارف لتنظيمها ضمن الأطر السليمة.

أما التحدي الثاني، فقد أشار جباعي إلى أن بقاء لبنان على اللائحة الرمادية يشكل تحديًا كبيرًا للحاكم الجديد، الذي ينبغي عليه مواصلة التعاون مع مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، موضحاً أن هذه المؤسسة أصبحت على دراية بأن المصرف المركزي بدأ بتنفيذ قواعد الشفافية المالية في ميزانيته ومراقبة عمل المصارف والسوق. وشدد جباعي على ضرورة تفعيل تعميم 165، بعد وضع خطة واضحة مع الحكومة للحد من الاقتصاد النقدي (Cash Economy)، من خلال إطلاق البطاقات الإلكترونية بطريقة دقيقة وشفافة.

كما لفت إلى أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تُعد جزءًا أساسيًا من صلاحيات الحاكم، خصوصًا أن لبنان بحاجة إلى الإصلاحات المالية والاقتصادية التي يطالب بها الصندوق، ولكن دون المساس بالرؤية الاستراتيجية للبلاد، مؤكداً أن المفاوضات يجب أن تختلف عن تلك التي أجرتها الحكومة السابقة، بحيث تُبنى على تفاهمات تأخذ في الاعتبار الوضع الخاص للبنان. 

وأضاف أن استعادة الثقة أمر ضروري، ولكن ينبغي تحقيقها بطرق متوازنة، مشددًا على ضرورة امتثال لبنان للقوانين التي تخدم مصلحته، مع التأكيد على دور الاستقرار السياسي، خاصة تنفيذ القرار 1701، وتجنب الاصطدام مع المجتمع الدولي من أجل استعادة العلاقات مع العالم العربي والمجتمع الدولي. إلى جانب ذلك، أشار جباعي إلى أن المصرف المركزي لديه أموال مستحقة على الدولة اللبنانية، حيث يُظهر التدقيق الجنائي أن الحكومات المتعاقبة استدانت نحو 48 مليار دولار من المصرف المركزي، عدا عن دين بقيمة 16 مليار دولار خلال وجود حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، إذ تم إيداع الليرة اللبنانية مقابل الحصول على الدولار. 

وأوضح أن استرداد هذه الأموال بالسعر الطبيعي يتطلب نقاشًا مع الحكومة. لذا، باعتبار المصرف المركزي مسؤولًا عن عمل المصارف وتعاطيه المباشر مع الدولة اللبنانية، فإنه ملزم بتقديم كافة الأرقام والبيانات المتعلقة بالإصلاحات ورؤية واضحة لإعادة الهيكلة، وقال إن إعادة الهيكلة يجب أن تكون علمية ومنطقية دون إلحاق الضرر بأي مصرف، لأن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الأضرار للمودعين.

وشدد جباعي على ضرورة إعادة أموال المودعين دون إفلاس المصارف، خصوصًا أن المصارف لديها ما يقارب 84 مليار دولار مودعة في المصرف المركزي، ما يستدعي وضع آلية محددة لمعالجة هذه المسألة، ورأى أن هذه المرحلة في غاية الأهمية، حيث يشكل الاستثمار العربي والدولي عاملًا أساسيًا، ما يبرز دور الحاكم في العمل على استعادة ثقة المستثمرين بالقطاع المصرفي، وأوضح أن العائق الأساسي أمام إعادة هيكلة المصارف يكمن في أنها، من الناحية القانونية، لا تُعتبر مفلسة، حيث لا يزال المصرف المركزي يعترف بديونها.



إقرأ المزيد