العربي الجديد - 2/28/2025 8:44:27 AM - GMT (+3 )

نظام الأسد دمّر أهم محطات القطارات في دمشق، 8 فبرائر 2025 (عز تين قاسم / الأناضول)
انتهت الحرب في سورية أخيراً، وتنفّس السوريون هواء الحرية بعد قرابة 14 عاماً من القتل والتدمير و60 عاماً من القهر والكبت والذل من حكم عائلة الأسد واحتكار حزب البعث للسلطة. ما إن وضعت الحرب أوزارها حتى بدأت معركة في إطار وسياق مختلف، معركة التعافي وإعادة الإعمار، فهل يمكن لسورية أن تستعيد عافيتها الاقتصادية والاجتماعية، أم أن التعافي سيظل مجرد شعار يُرفع وحسب؟
لا يقصد بالتعافي المبكر إصلاح الطرقات وترميم المباني وبناء أبراج زجاجية فقط، بل هو لحظة فاصلة بين ماضٍ مليء بالعنف والفساد وانعدام الاستقرار والعدالة، ومستقبل يفترض أن يكون أكثر استدامة من كل الجوانب. التعافي ليس إعادة بناء ما تهدّم، بل إعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة مكونات المجتمع بعضها مع بعض، وضمان ألا يعود الاقتصاد إلى الدائرة المفرغة التي أنتجت الحرب والعنف، فأسمى أهداف التعافي هي القضاء على الأسباب الجذرية التي تسببت بالنزاع والحرب والتفكك المجتمعي.
سورية: على مفترق طرقأسفرت الحرب المدمّرة وسلوكيات النظام خلال السنوات الماضية عن تدمير البنية التحتية، وأصابت عمق المجتمع والاقتصاد؛ فقد تشظّت البلاد بين مناطق نفوذ، وتفككت المؤسسات، وتوقف الإنتاج، وظهرت أنماط اقتصادية بديلة قائمة على التهريب والفساد والمخدرات والاقتصاد الموازي، ووجدت شريحة واسعة من الشباب نفسها بلا عمل أو دخل مستقر، فآثرت الهجرة من سورية بحثاً عن الأمان والاستقرار، فيما نشأت طبقة جديدة من المستفيدين من اقتصاد الحرب.
يشكل كل ذلك تشوهات وتحديات أمام أي محاولة للتعافي، لذا على المجتمع السوري أن يتخلص من كافة الترسبات والتشوهات التي علقت به على مدار السنوات الماضية على مستوى الاقتصاد والمجتمع، ولا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي دون معالجة تلك التشوهات الاقتصادية والاجتماعية على حدٍ سواء.
وهنا تبرز قدرة الحكومة على تصميم برنامج متكامل يتضمن رؤية وأهدافاً ووقتاً محدداً قادراً على رأب الصدع وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وبين الدولة والمجتمع، وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج وخلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الشباب والعاطلين من العمل.
تحتاج المجتمعات الخارجة من النزاع إلى ما هو أكثر من إعادة إعمار المباني المدمرة، تحتاج إلى إعادة تشكيل العقد الاجتماعي وطي صفحة الماضي، وخلق فرص جديدة لمن كانوا ضحايا الحرب. تحتاج إلى المصالحة المجتمعية، وإن بدت قضية غير اقتصادية، إلا أنها ركن أساسي في أي خطة تعافٍ، لأن أي اقتصاد لا يمكن أن يزدهر في ظل مجتمع منقسم ومتوتر، وعليه فإن أولى خطوات التعافي استعادة الاستقرار الاجتماعي.
على المستوى المؤسسي، لا يمكن الحديث عن اقتصاد مستقر دون إصلاح مؤسسات الدولة، حيث قوّض النظام هذه المؤسسات ووظفها في خدمة الآلة العسكرية ونهجه المدمّر للمجتمع والاقتصاد، حتى باتت تلك المؤسسات عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات الأساسية، وأصبحت في بعض الأحيان جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل من خلال تحويلها إلى أدوات للقمع وكبت الحريات والإجرام. وعليه يشكل إصلاح هذه المؤسسات، من المركزية المطلقة والبيروقراطية الثقيلة والفساد، أولوية، والعمل نحو التحول إلى مؤسسات أكثر كفاءة ومرونة استعداداً لخدمة المواطنين خلال المرحلة القادمة.
أما على الصعيد الاقتصادي، تُعد إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية مفتاح التعافي الحقيقي، إذ لا يمكن لسورية أن تعتمد إلى الأبد على المساعدات الإنسانية أو المشاريع قصيرة الأمد، بل ينبغي أن تعيد بناء أمنها الغذائي من خلال إعادة إنعاش القطاع الزراعي، وإعادة ألق الصناعة السورية وضخ المنتج السوري إلى الأسواق الإقليمية والدولية، وإحياء قطاع الخدمات والسياحة. ويشكل دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير فرص عمل للشباب، وتحفيز الاستثمار، خطوات ضرورية للخروج من الأزمة على المديين القصير والمتوسط.
لا شك أن التحديات التي تواجه سورية في هذه المرحلة كثيرة، حيث لا تزال التوترات الاجتماعية قائمة في بعض المناطق، كما في جنوب سورية وشمال شرقها، ومناطق الساحل، ولا تزال البنية التحتية بحاجة إلى سنوات من العمل والبناء، وتعاني المؤسسات المحلية من ضعف وهشاشة، والموارد المالية شحيحة، إضافة إلى الفقر وانعدام الأمن الغذائي لدى فئة كبيرة من السكان، كما أن استمرار التهديدات الأمنية يعني أن كثيراً من المستثمرين ورجال الأعمال سيترددون في العودة والمشاركة في إعادة الإعمار والاستثمار. وتكمن العقبة الكبرى في إنعاش الاقتصاد في ظل العقوبات الدولية.
من جهة أخرى، خلق اقتصاد الحرب شبكة مصالح معقدة، هناك من يستفيدون من استمرار الفوضى والاقتصاد الموازي، وهؤلاء لن يكونوا متحمسين بالضرورة لعودة الاستقرار الاقتصادي. ستعني إعادة هيكلة الاقتصاد بالنسبة للبعض خسارة الامتيازات التي حصلوا عليها خلال سنوات النزاع وسيحاولون ما بوسعهم التشويش على أي قرارات تتعارض مع مصالحهم.
وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات، يبقى المجتمع السوري هو العنصر الحاسم في أي عملية تعافٍ، ووعيه المسبق بهذه التحديات يشكل ركيزة أساسية في الانخراط بالمستقبل وإيجاد الأرضية المناسبة لابتداع الحلول والتغلب على تلك الصعوبات.
تؤكد التجارب الدولية أن المجتمعات التي تخرج من النزاعات يمكن أن تتعافى إذا تم تمكين الفئات الأكثر تضرراً، وتحويل أفرادها من ضحايا إلى فاعلين اقتصاديين. في رواندا، على سبيل المثال، استطاعت البلاد تجاوز آثار الإبادة الجماعية من خلال التركيز على المصالحة الوطنية، وتمكين المرأة، ودعم الزراعة المستدامة. في كولومبيا، ساهمت برامج التدريب والتأهيل المهني في دمج الشباب الذين كانوا جزءاً من النزاع في الاقتصاد الرسمي.
من بين الفئات التي باتت ضحية العنف والحرب الأطفال الذين أجبروا على ترك مدارسهم والانخراط في سوق العمل، والشباب الذين هاجروا أو انخرطوا في القتال، والنساء اللواتي تحمّلن أعباء الحرب. ينبغي أن يتم العمل على إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، وأن يجد الشباب فرصاً جديدة للعمل، وأن يكون للنساء دور محوري في الاقتصاد والمجتمع.
سورية اليوم ليست استثناءً عن الصراعات والنزاعات التي حصلت في العالم، يكمن الأمل في التعافي، في إعادة إشراك الفئات التي تضررت بالحرب في بناء اقتصاد جديد أكثر عدالة واستدامة. وفي ظل ندرة الموارد والتحديات الاقتصادية، يمكن أن تكون التكنولوجيا والابتكار فرصة لتعويض بعض الخسائر. من بين الأدوات التي يمكن التعويل عليها في هذه الفترة الزراعة الذكية، والتجارة الإلكترونية، والطاقات المتجددة، والتمويل الجماعي، والتدريب المهني عبر الإنترنت، والصحة الرقمية، للمساعدة في تسريع التعافي، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص في البنية التحتية.
على سبيل المثال، استخدام الطاقة الشمسية في القرى والمدن يمكن أن يخفف أزمة الكهرباء، وتطوير تطبيقات زراعية يمكن أن يساعد المزارعين على تحسين الإنتاجية، ومنصات العمل الحر قد توفر فرصاً للشباب دون الحاجة إلى مغادرة البلاد.
تعافي سورية ليس مستحيلاً، لكنه ليس مضموناً أيضاً كما نتخيل. يعتمد النجاح على إصلاح المؤسسات، وإعادة تشغيل الاقتصاد، وتحقيق المصالحة المجتمعية والعدالة الانتقالية، مع ضمان إشراك الجميع في هذه العملية. وتنبع حساسية هذه الفترة من أن التعثر فيها قد يعيد البلاد إلى أوضاع أكثر تعقيداً. لذا، من الضروري التعامل معها بحذر ووعي، مع منحها الوقت الكافي لوضع أسس جديدة تعالج جذور الأزمة، وتستجيب للهواجس الاجتماعية والأمنية والاقتصادية، حتى لا تصبح مجرد حلقة جديدة في سلسلة الأزمات المتكررة.
إقرأ المزيد