الهروب من مصر
العربي الجديد -

إفقار الأسر المصرية بسبب الضرائب والغلاء والشباب يعاني شظف العيش (Getty)

نقلت بعض وسائل الإعلام الأسبوع الماضي اندهاش الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من محاولة هروب طالب بالمرحلة الإعدادية، التي تسمي المدارس المتوسطة في بعض الدول ولا يتجاوز عمر الطالب فيها عادة خمسة عشر عاماً، إلى الأراضي الليبية، عبر منفذ مدينة السلوم المصرية، أملاً في الوصول إلى أحد الشواطئ الأوروبية، عن طريق بعض منظمي رحلات الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من الأراضي الليبية!

وخلال حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، تساءل السيسي: "هل وسائل الإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية قائمة بدورها لما طالب في سن زي ده يشوف الأمل خارج بلده؟"، مضيفاً كعادته بعض الكلمات الغامضة "الرقابة التنفيذية أهم من الرقابة التنظيرية .. سهل أن أقول كلام جميل..بس إزاي نحوله ممارسات فعلية".
توجه السيسي بتساؤلاته إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والتعليمية في مصر، لمعرفة إذا ما كانت تقوم بدورها، الذي حصرته الحكومة المصرية على مدار ثماني سنوات في عمليات غسل الأدمغة، "لتطهيرها" من كل ما يسمح برؤية أي سلبيات في مصر، حتى لا يظن بعضهم أن الخلاص يمكن أن يكون في الخروج من الجنة المصرية.
لم يسأل السيسي إن كان هذا الشاب يرى مستقبلاً يسمح بالحد الأدنى من الحياة الكريمة أم لا، ولا إن كان يستطيع وأسرته الحصول على الغذاء الكافي أو المستوى المقبول من التعليم والعلاج، الذي يسمح له بتغيير حياته المظلمة، بدلاً من الهروب إلى الخارج، وتحمل المخاطر التي تصل إلى احتمالات فقدانه حياته.
جاءت تساؤلات السيسي لتؤكد أنه وحكومته لا يرون، عمداً أو سهواً، ملايين المصريين القابعين تحت خط الفقر، والذين تجاوزوا ثلاثين مليوناً وفق الإحصاءات الرسمية، ووفق خط الفقر الهزيل الذي قدرته الحكومة المصرية بمبلغ 857 جنيهاً شهرياً، أو ما يعادل نحو 55 دولاراً.


وتزداد معاناة الأسر المصرية، وتحديداً الطبقة المتوسطة التي تشكل مع الطبقة الفقيرة أكثر من 90% من إجمالي عدد السكان في مصر، مع كل إجراء حكومي يستهدف تخفيض أو إلغاء الدعم الحكومي الموجه للطاقة والوقود والمياه، ثم مؤخراً رغيف العيش.

تتجاهل الحكومة المصرية ما تؤدي إليه سياساتها، ضمن ما يعرف ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، من إفقار الأسر المصرية، وتصعيب الحياة على الشباب الراغب في الحصول على تعليم جيد، أو الساعي لتكوين أسرة يتعين عليه أن يقوم بمصاريفها ويوجد لها السكن المناسب، في وقتٍ ترتفع فيه الأسعار بصورة كبيرة، حتى أن شقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 90 متراً أصبحت حلماً بعيد المنال على الشباب، ما لم يكن وارثاً، أو من الفئات التي توفر لها جهات عملها شروطاً ميسرة لدفع ثمن الوحدة السكنية، كالجيش أو الشرطة أو القضاء.
تتعامل الحكومة مع المصريين على أساس أن الأغلبية هي التي نشاهدها في إعلانات التلفزيون، المحتارة بين السكن في فيلا في التجمع الخامس، شرق القاهرة، أو كومباوند في الشيخ زايد، غرب القاهرة، وتتناسى الملايين من ساكني العشوائيات، وأحياناً القبور، المحرومين من الخدمات والصرف الصحي في أغلب الأوقات، والذين جارت إصلاحات صندوق النقد الدولي عليهم وتسببت في تراجع ما يحصلون عليه من أبسط الحقوق، وعلى رأسها الغذاء.

شقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 90 متراً أصبحت حلماً بعيد المنال على الشباب، ما لم يكن وارثاً، أو من الفئات التي توفر لها جهات عملها شروطاً ميسرة لدفع ثمن الوحدة السكنية، كالجيش أو الشرطة أو القضاء.

وقبل ظهور أثر قرار السيسي الأخير بزيادة سعر رغيف العيش، الذي يمثل جزءاً رئيسياً من مائدة أغلب الأسر المصرية في مختلف وجباتها، أكد برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، والحائز جائزة نوبل للسلام، أن مصر "لا تزال تواجه مجموعة من التحديات الإنمائية طويلة الأمد، بما في ذلك الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، والتفاوت المكاني والاجتماعي".
وتعليقاً على مؤشر الجوع العالمي لعام 2019، الذي احتلت فيه مصر المرتبة 61 من أصل 117 دولة، قال البرنامج "تظل القدرة على تحمل تكاليف الغذاء ونوعيته وسلامته من أكثر التحديات إلحاحاً، حيث تواصل مصر الاعتماد على الأسواق العالمية لتوفير أكثر من نصف سلعها الأساسية"، مضيفاً أن سوء التغذية يعد أحد المخاوف المتزايدة على الصحة العامة، التي تشمل أيضاً زيادة معدلات التقزم إلى 21.4 %، وزيادة معدلات السمنة إلى 16%، وزيادة معدلات نقص الوزن بين الأطفال دون سن الخامسة إلى 5.5%.
وفي تقرير نُشر على موقع masr360.net، أكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، مستعيناً بتقرير الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والاحصاء "مصر في أرقام لعام 2020" تراجع نصيب الفرد من استهلاك بعض المنتجات الغذائية خلال الفترة 2015 – 2018، حيث تراجع الاستهلاك الفردي للقمح من 244.8 كيلوغراما عام 2015 إلى 239.4 كيلوغراما عام 2018، كما أشار إلى تراجع استهلاك المصريين ونصيب الفرد السنوي من المحاصيل النشوية والسكرية والخضر والفاكهة واللحوم الحمراء والدواجن والألبان، مع ارتفاع متوسط الاستهلاك السنوي للمصريين من البقوليات والبيض فقط".

وعلى نحو متصل، أكدت دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، أحد أهم مراكز الأبحاث المصرية، أن "متوسط الاستهلاك للأسرة بالأسعار الجارية ارتفع خلال الفترة من 2015 إلى 2018 بنسبة 43.6 %، إلا أنه انخفض بالأسعار الثابتة بنسبة 9.7%. بما يعني أن الاستهلاك الفعلي انخفض، والزيادة في المؤشر الأول غير دالة لأنها تنبع من زيادة الأسعار فقط"، وفقاً لنص كلمات المركز.
يحدث كل هذا في مصر التي تُبنى فيها القصور الرئاسية، وتُسخر فيها الجهود لاقتراض ما يقرب من 23 مليار دولار يتم استخدامها في بناء سكة حديد لقطار فائق السرعة لا يخدم أكثر من خمسة في المائة من المصريين، وتنفق فيها مليارات الدولارات لضمان السيطرة على الإعلام والشباب والرياضة والفن، وكسب ود الدول الأوروبية، ثم تبخل الحكومة على المواطنين بتكلفة دعم رغيف الخبز المقدرة بأقل من ثمانية مليارات جنيه، أو حوالي خمسمائة مليون دولار، ليتساءل بعدها البعض عن الأسباب التي تجعل طالب الإعدادي يعرض حياته للخطر، في سبيل الخروج من هذا البلد. فهل يُعقل هذا؟!



إقرأ المزيد