موقع سي ان ان بالعربية - 9/12/2026 11:39:32 AM - GMT (+3 )
(CNN)-- الظروف قاسية للغاية؛ إذ ترتفع درجات الحرارة بانتظام لتتجاوز 110 درجات فهرنهايت (حوالي 43 درجة مئوية) نهاراً، ثم تنخفض بشدة خلال الليل. وتندر المياه، بينما يتغلغل الغبار والرمال في كل مكان. ومع ذلك، فإنهم يعملون على الأقل فوق سطح الأرض. لقد أمضت هذه المجموعة النخبوية من مشغلي الطائرات المسيرة الأوكرانيين سنوات في ملاحقة القوات الروسية انطلاقاً من خنادق محصنة داخل أوكرانيا، وهم يواصلون القيام بالمهمة ذاتها، ولكن هذه المرة في صحراء شمال مالي.
جرى نشر نحو 15 متخصصاً أوكرانياً في الدولة التي يحكمها مجلس عسكري في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك لمساعدة قوات متمردة محلية تقاتل القوات الروسية؛ وهي خطوة تندرج ضمن مساعي كييف لإضعاف عدوها أينما وُجد. كما وسّعت كييف نطاق تحركاتها ليشمل ساحات صراع أخرى، مستفيدة من خبرتها الكبيرة التي اكتسبتها بشق الأنفس في مجال حرب الطائرات المسيرة لبناء شراكات جديدة مناهضة لروسيا.
ومن خلال الحديث مع جنود وضباط أوكرانيين شاركوا في عمليات بمالي وليبيا، تكشف شبكة CNN لأول مرة- عن حجم هذه العمليات الممتدة إلى قارات أخرى. وقد صرح مصدر في الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية، مطلع على هذه العمليات، للشبكة بأن عدداً من المتخصصين الأوكرانيين موجودون أيضاً في السودان، وأن قوات من تشاد والنيجر وبوركينا فاسو قد سافرت سابقاً إلى مالي لتلقي تدريبات على تشغيل الطائرات المسيرة على يد جنود أوكرانيين هناك.
وعندما بدأت إيران شن هجمات على حلفاء للولايات المتحدة في الشرق الأوسط في وقت سابق من هذا العام، أرسلت أوكرانيا فرقاً من الخبراء العسكريين إلى خمس دول على الأقل في المنطقة. وقد أمضى هؤلاء الخبراء عدة أسابيع في تدريب القوات المحلية على كيفية إسقاط طائرات "شاهد" المسيرة إيرانية الصنع، التي دأبت روسيا على استخدامها لترويع أوكرانيا على مدى سنوات. وفي هذا السياق، أخبر جندي أوكراني كان قد نُشر في الإمارات العربية المتحدة شبكة CNN أنهم كانوا يعملون ضمن فرق مشتركة مع القوات المحلية، حيث كانت مركبات هذه القوات تسير بجانبهم وتُحاكي كل تحركاتهم بدقة.
مقابل مشاركة خبراتها، حصلت كييف على مجموعة من اتفاقيات التعاون الأمني ووعود بتزويدها بالذخيرة.
أما في منطقة الساحل -وهي منطقة شاسعة شبه قاحلة تقع جنوب الصحراء الكبرى- فالوضع أكثر تعقيداً.
وتسعى روسيا لترسيخ مكانتها كقوة مؤثرة في أفريقيا، ولا سيما في منطقة الساحل الغنية بالمعادن والمعرضة للانقلابات؛ إذ حاولت سد الفراغ الأمني الناجم عن انسحاب القوات الفرنسية وغيرها من القوات الغربية في السنوات الأخيرة، وذلك عبر دعم الحكومات مقابل الحصول على أموال وحقوق تعدين مربحة.
في البداية، أوكل الكرملين هذه المهام إلى "مجموعة فاغنر" -وهي شركة عسكرية خاصة يملكها أمير الحرب ورجل الأعمال يفغيني بريغوجين-، ولكن بعد مقتل بريغوجين إثر محاولته الانقلابية عام 2023، دمجت موسكو ما تبقى من قوات فاغنر في جيشها النظامي وشكّلت "الفيلق الأفريقي"، الذي ينتشر لدعم حلفاء موسكو المحليين.
"تكيّف جاد"تندمج المجموعة الأوكرانية الموجودة في مالي مع جماعة انفصالية تطلق على نفسها اسم «جبهة تحرير أزواد»، وتتألف في الغالب من متمردين طوارق من الشمال. وقد صرّح اثنان من الأوكرانيين المنتشرين هناك لشبكة CNNبأنهم لا يشاركون بشكل مباشر في القتال على الخطوط الأمامية، لكنهم يقدمون للمتمردين الدعم والتدريب والمساعدة العملياتية.
وقال أحد مشغلي الطائرات المسيرة الأوكرانيين الموجودين حالياً في مالي لشبكة CNN: "أنا أتولى تنسيق عملياتهم عن بُعد؛ إذ تصلني الإشارة الصادرة عن طائرتهم المسيرة عبر الإنترنت، فأوجههم فوراً -عبر اللاسلكي- بشأن ما يجب فعله ومسار التحليق".
وأضاف: "إنهم ينطلقون في مهامهم ثم يعودون إليّ، فنراجع معاً كل تفاصيل تحركاتهم. أما أنا فلا أذهب إلى الخطوط الأمامية بنفسي؛ فقد كان ذلك أمراً مباشراً من قادتي".
سبق أن اتهمت روسيا أوكرانيا بالمشاركة في عمليات قتل جماعي استهدفت مدنيين في مالي، وهو اتهام نفته كييف. وعلى صعيد منفصل، أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية تقريرين خلال فصل الصيف تتهم فيهما القوات الروسية في مالي بقتل مدنيين، كما أصدرت تقريراً آخر أفاد بأن "جميع الأطراف" المنخرطة مباشرة في النزاع قد شنت هجمات غير مشروعة على مدنيين خلال تصاعد أعمال العنف في شهر أبريل؛ ولم يشر ذلك التقرير إلى أوكرانيا.
ورداً على سؤال حول هذه المزاعم الشهر الماضي، صرح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، للصحفيين بأن "فيلق أفريقيا" يعمل "في إطار قانوني بحت" و"استجابةً لطلبات رسمية من الحكومات الشرعية للدول الأفريقية".
وصرح مصدر في الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية لشبكة CNN بأن الهدف من عمليات الانتشار في الخارج هو ممارسة الضغط على روسيا وتقويض فكرة إمكانية اعتبار موسكو حليفاً موثوقاً به. مضيفا: "نحن نحول خبرتنا في مجال الطائرات المسيرة إلى أداة للسياسة الخارجية".
لكنه أشار إلى أن المهمة تعود بالنفع أيضاً على الأوكرانيين؛ إذ تتيح لهم فرصة اختبار معداتهم ومهاراتهم في بيئة مختلفة تماماً، وتُظهر لشركائهم أن أساليبهم فعالة في كل مكان.
وقال: "يؤدي الغبار والحرارة إلى تعطل المعدات بسرعة أكبر؛ فأنظمة الترشيح والتبريد وحماية الإلكترونيات والبطاريات... كل شيء يعمل بشكل مختلف ويتطلب تكيّفاً جاداً"، مضيفاً أن طبيعة خوض الحرب نفسها تختلف اختلافاً جذرياً.
وأشار إلى أن الاختلافات في أساليب الانضباط والتدريب تتطلب تكيفاً من الجانبين، مضيفاً: "نحن نعلمهم التكتيكات، وهم يعلموننا كيفية البقاء والقتال".
كما تستغل روسيا عملياتها في أفريقيا لتوسيع نطاق تكنولوجيتها العسكرية وتطويرها؛ ففي هذا الأسبوع فقط، عرضت شركة "روس أوبورون إكسبورت" -وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن تصدير الأسلحة- صواريخ وطائرات مسيّرة جديدة خلال معرض العلمين الدولي للطيران في مصر، حيث صرّح رئيس الشركة لوكالة الأنباء الروسية الرسمية "تاس" بأن هذه الأسلحة أثبتت كفاءتها في العمليات القتالية في أفريقيا والشرق الأوسط.
إقرأ المزيد


