سكاي نيوز عربية - 8/31/2026 11:09:10 AM - GMT (+3 )
وبحسب التقرير، لم تعد العلاقة مقتصرة على تزويد الجيش السوداني بالمسيّرات والذخائر وأنظمة الرادار، بل يُشتبه في أنها تطورت إلى شبكة تشمل نقل الأسلحة والأفراد عبر البحر الأحمر، واستخدام بورتسودان مركزاً للخدمات اللوجستية والتمويل، فضلاً عن احتمال مشاركة خبراء حوثيين وإيرانيين في تدريب قوات سودانية على تشغيل المسيّرات وتصنيع نماذج منها محلياً.
وصدر التقرير عن مؤسسة "ذا سنتشري فاونديشن" الأميركية، ضمن مشروعها "سنتشري إنترناشونال"، تحت عنوان: "من حلقة هامشية إلى مركز للشبكة: الحوثيون في أفريقيا".
واستند فريق التقرير إلى نحو مئة مقابلة مع مسؤولين عسكريين وأمنيين واستخباراتيين ومصادر في السودان واليمن ودول إقليمية وغربية، إضافة إلى صور أقمار صناعية، وبيانات تتبع السفن، وسجلات الموانئ والشحن، وبيانات مجهّلة لحركة الهواتف المحمولة، وتحليل تقني للأسلحة والمسيّرات.
عودة إيرانية عبر بوابة الحرب
يرى التقرير أن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 منحت إيران فرصة منخفضة التكلفة لاستعادة نفوذها في بلد ظل لعقود إحدى ساحات نشاطها السياسي والعسكري في المنطقة.
وكانت طهران قد أقامت علاقات وثيقة مع نظام الرئيس السابق عمر البشير، وتعاونت مع الجيش والأجهزة الأمنية ومنظومة الصناعات الدفاعية، قبل أن تقطع الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في عام 2016، في سياق اصطفاف إقليمي إلى جانب السعودية، قبل أن يستأنفا العلاقات الدبلوماسية في أكتوبر 2023، بعد أشهر من اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، في وقت كان الجيش يعاني نقصاً حاداً في المسيّرات والقدرات الجوية اللازمة لمواجهة الانتشار الواسع لقوات الدعم السريع.
ويقول التقرير إن إيران بدأت، عقب استعادة العلاقات، تزويد الجيش السوداني بطائرات "مهاجر-6" المسيّرة وذخائر وأنظمة رادار، إلى جانب إرسال عناصر من الحرس الثوري الإيراني للعمل مدربين ومشغلين للمنظومات العسكرية.
ويعزو التقرير جزءاً مهماً من التحول الميداني الذي أتاح للجيش استعادة مناطق واسعة من الخرطوم في مطلع عام 2025 إلى تحسن قدراته في مجال المسيّرات، ولا سيما المنظومات الإيرانية.
وتتقاطع هذه الخلاصات جزئياً مع ما أعلنته وزارة الخزانة الأميركية في أكتوبر 2024، عندما قالت إن الجيش السوداني أعطى الأولوية للحصول على الأسلحة، بما فيها المسيّرات الإيرانية، وإن الدعم العسكري والدبلوماسي القادم من إيران وروسيا أسهم في تعزيز قدراته وإضعاف دوافع خفض التصعيد.
تنظيم إسلامي داخل الجيش
بحسب التقرير، لم يمر الدعم الإيراني عبر المؤسسات العسكرية السودانية وحدها، بل من خلال تنظيم نافذ داخل الجيش يرتبط بعناصر الحركة الإسلامية التي حكمت البلاد خلال عهد البشير، واحتفظ بعض أعضائها بمواقع مؤثرة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية بعد سقوط النظام في عام 2019.
ويضع التقرير منظومة الصناعات الدفاعية في قلب هذه الشبكة، مشيراً إلى أن مديرها العام ميرغني إدريس سليمان أدى دوراً محورياً في عمليات شراء السلاح وتطوير الصناعات العسكرية.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على ميرغني إدريس في أكتوبر 2024، واتهمته بقيادة مساعي الجيش للحصول على الأسلحة، بما فيها المعدات والمسيّرات الإيرانية، واعتبرت منظومة الصناعات الدفاعية الذراع الأساسية للجيش في الإنتاج والتسليح.
ويقول التقرير إن الشبكة الإسلامية داخل الجيش وجّهت جانباً من الدعم العسكري الإيراني إلى مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانبه، وفي مقدمتها لواء البراء بن مالك الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات في سبتمبر 2025، قائلة إنه تلقى تدريباً وأسلحة من الحرس الثوري الإيراني، وإن عناصره تورطوا في عمليات اعتقال تعسفي وتعذيب وإعدامات ميدانية بحق أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بقوات الدعم السريع.
وتكتسب هذه الحلقة أهمية خاصة، وفق التقرير، لأنها تتيح لإيران بناء نفوذ لا يعتمد فقط على العلاقة الرسمية مع قيادة الجيش، بل على صلات مباشرة مع فصيل أيديولوجي مسلح داخل التحالف العسكري الحاكم.
الحوثيون يدخلون السودان
يقول التقرير إن الحوثيين انضموا إلى هذا المسار في منتصف عام 2024، بوصفهم شريكاً أصغر لإيران، قبل أن يتوسع دورهم تدريجياً في عمليات النقل والتدريب والخدمات اللوجستية.
وبحسب مقابلات أجراها الباحثون مع مسؤولين يمنيين وغربيين وإقليميين، نقل الحوثيون ثلاث شحنات على الأقل من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الجيش السوداني نيابة عن إيران.
وتحدثت مصادر عدة للتقرير عن وجود عناصر حوثية في بورتسودان، قالت إنها تستخدم المدينة مركزاً للنقل والتمويل وإدارة الخدمات اللوجستية، مع انتقال الأسلحة والأفراد في الاتجاهين بين الساحل السوداني والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن.
سفن تغلق أجهزة التتبع
حاول معدّو التقرير اختبار الروايات المتعلقة بحركة السلاح عبر البحر الأحمر، بمقارنة إفادات المصادر مع بيانات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS) وصور الأقمار الصناعية وسجلات الموانئ.
وفي إحدى الحالات، رصد الباحثون سفينة كانت تعمل سابقاً على خط تجاري منتظم بين جدة وبورتسودان، قبل أن تغلق جهاز التتبع قبالة الساحل السوداني خلال مايو ويونيو 2025.
واتجهت السفينة بعد ذلك إلى اليمن، ورست شرقي محطة رأس عيسى النفطية، عند مرسى غير رسمي أنشأه الحوثيون بعدما ألحقت الغارات الأميركية أضراراً بمنشآت الشحن في ميناء الحديدة.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية إقامة طوق أمني ووجود شاحنات قرب المرسى قبل وصول السفينة، بينما لم تظهر حمولتها، المقدرة بنحو 3500 طن، في سجلات الاستيراد الرسمية. وقال مسؤولون يمنيون قابلهم فريق البحث إن السفينة كانت تحمل أسلحة.
ونقل التقرير عن مصادر سودانية وغربية وأمنية قولها إن قوة تابعة لفصيل داخل الجيش السوداني صادرت في مايو 2026 شحنة أسلحة صغيرة يُعتقد أنها وصلت من اليمن، وكانت موجهة إلى حلفاء الحوثيين داخل الجيش، وإلى حركة حماس في قطاع غزة.
حركة أفراد بين السودان واليمن
لا يقتصر الاشتباه على حركة السفن والأسلحة. فقد استخدم فريق البحث بيانات لحركة الهواتف المحمولة لتتبع انتقال أشخاص بين السودان واليمن.
وأظهر التحليل، وفق التقرير، أن شخصاً واحداً على الأقل سافر جواً من مصر إلى بورتسودان في أغسطس 2025، وانتقل منها إلى موقع إنزال غير رسمي يسيطر عليه الحوثيون على ساحل البحر الأحمر اليمني.
ورغم أن هذه البيانات لا تكشف هوية الشخص أو طبيعة مهمته، فإن التقرير يعتبرها قرينة تقنية تدعم روايات المصادر عن استخدام الساحل السوداني في نقل عناصر وخبراء بين ضفتي البحر الأحمر.
كما نقل عن السلطات اليمنية قولها إنها وثقت، في مطلع عام 2024، قيام ثلاثة قوارب صيد كبيرة بنقل أكثر من سبعة آلاف قطعة سلاح، إلى جانب قذائف هاون، من ميناء الحديدة إلى السودان.
خبراء حوثيون في السودان؟
يذهب التقرير إلى أن العلاقة ربما تجاوزت مرحلة نقل الأسلحة والخدمات اللوجستية إلى التعاون الفني ونقل المعرفة العسكرية.
ونقل عن مصادر يمنية وغربية وإقليمية، وأخرى مقيمة في السودان وبورتسودان، قولها إن الحوثيين أرسلوا مهندسين وعناصر عمليات من ذوي الخبرة للعمل إلى جانب الحرس الثوري الإيراني في تدريب قوات سودانية على تشغيل المسيّرات الإيرانية وتصنيعها.
وتبرز في هذا السياق الطائرة المسيّرة السودانية "سفاروق"، التي كشفت عنها منظومة الصناعات الدفاعية خلال معرض الصناعات الدفاعية الدولي في إسطنبول في يوليو 2025، وقدمتها بوصفها مسيّرة مصنّعة محلياً ودخلت الخدمة بالفعل.
"سفاروق" و"قاصف".. تشابه لافت
أجرى التقرير مقارنة فنية بين المسيّرة السودانية "سفاروق" والطائرة الإيرانية "أبابيل-T"، التي يصنعها الحوثيون ويستخدمونها في اليمن تحت اسم "قاصف-2K"، وكشفت المقارنة عن تطابق شبه كامل في التصميم والأبعاد ونوع المحرك ومواد التصنيع وقدرة الرأس الحربي.
ويبلغ طول سفاروق 2.88 متر، مقابل 2.90 متر لأبابيل-T، فيما يبلغ باع جناحيها 3.30 متر، مقارنة بما يتراوح بين 3.25 و3.30 متر للطائرة الإيرانية. وتستخدم المسيّرتان محركاً مكبسياً دافعاً بقوة تقارب 25 حصاناً، كما تُصنعان من مواد مركّبة، وتحمل سفاروق رأساً حربياً يتراوح وزنه بين 20 و40 كيلوغراماً، مقابل 30 إلى 40 كيلوغراماً لأبابيل-T.
وبحسب خبراء أسلحة استشارهم معدّو التقرير، يرجح أن تكون سفاروق نسخة من أبابيل-T. ويشير التقرير إلى أن الحوثيين يمتلكون خبرة طويلة في تصنيع هذا النوع من المسيّرات باستخدام مكونات يجري شراؤها من الأسواق العالمية، ما يجعلهم، من الناحية الفنية، مرشحين محتملين لتدريب فصائل سودانية على إنتاجها وتشغيلها.
مصالح تتجاوز الخلاف المذهبي
يثير تعاون الحوثيين، المنتمين إلى المذهب الزيدي، مع الإسلاميين السنّة داخل الجيش السوداني تساؤلات، خصوصاً أن الجيش سبق أن أرسل قوات للمشاركة في التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين في اليمن.
لكن التقرير يرى أن المصالح العسكرية والسياسية الحالية تغلبت على التناقضات المذهبية، كما حدث في علاقات الحوثيين مع جماعات أخرى في المنطقة.
وبحسبه، يحتاج الفصيل الإسلامي داخل الجيش إلى السلاح والتكنولوجيا والدعم الخارجي للحفاظ على نفوذه داخل التحالف العسكري، في وقت يواجه عقوبات وضغوطاً دولية متزايدة. وفي المقابل، يحتاج الحوثيون إلى ممرات جديدة وآمنة بعدما أصبحت طرق التهريب التقليدية عبر خليج عدن وباب المندب خاضعة لمراقبة واعتراض متزايدين.
ويشير التقرير كذلك إلى روابط تاريخية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما عاش مؤسس الحركة حسين الحوثي في السودان لعدة سنوات. وينقل عن مسؤول يمني أن الحوثي أقام خلال تلك الفترة صلات مع السفارة الإيرانية في الخرطوم، التي ساعدت في ترتيب سفره إلى إيران، قبل أن يعود إلى اليمن متبنياً رؤية أكثر راديكالية.
كما تتحدث روايات أوردها التقرير عن وجود عناصر مرتبطة بالحوثيين في السودان خلال الحروب الست التي خاضتها الحركة ضد الحكومة اليمنية بين عامي 2004 و2010.
مخاطر داخل الجيش والبحر الأحمر
تتجاوز خطورة هذه العلاقات مجرد حصول الجيش السوداني على مزيد من الأسلحة. فالتقرير يحذر من أن ارتباط إيران والحوثيين مباشرة بفصيل إسلامي داخل المؤسسة العسكرية يمكن أن يعمق الانقسامات داخل الجيش، ويمنح ذلك الفصيل مصادر تسليح وتدريب مستقلة نسبياً عن القيادة الرسمية.
وقد تصبح هذه القدرات، بحسب التقرير، رصيداً حاسماً إذا نشب صراع داخلي بين مكونات التحالف العسكري نفسه، أو إذا تعرضت قيادة الجيش لضغوط خارجية لقطع علاقاتها بإيران والحوثيين.
كما أن ترسيخ وجود حوثي في بورتسودان سيمنح الجماعة موقعاً على الضفة الغربية للبحر الأحمر، ويوفر لها طريق إمداد بديلاً عن المسارات التقليدية الخاضعة للرقابة، ويضع الموانئ السودانية ضمن شبكة صراع إقليمي تمتد من إيران واليمن إلى القرن الأفريقي.
شبكة تتشكل ونفوذ إيراني يتمدد
الخلاصة الأهم في التقرير أن السودان لم يعد مجرد متلقٍ للسلاح الإيراني، بل ربما يتحول إلى جزء من شبكة أوسع لنقل الأسلحة والأفراد والتكنولوجيا العسكرية عبر البحر الأحمر.
وتشير الشحنات المنسوبة إلى الحوثيين، والتحركات البحرية المشبوهة، والوجود المزعوم لعناصرهم في بورتسودان، والتشابه بين مسيّرات "سفاروق" و"قاصف"، إلى مسار يستحق تحقيقاً دولياً مستقلاً ورقابة أكثر صرامة على الموانئ ومسارات توريد مكونات المسيّرات.
ويحذر التقرير من أن تجاهل المؤشرات الحالية قد يسمح للعلاقة بالانتقال من تعاون لوجستي محدود إلى شراكة عسكرية أكثر رسوخاً، يصبح معها السودان مركزاً جديداً في شبكة إيران والحوثيين، وساحة إضافية لصراع إقليمي يهدد بإطالة الحرب الداخلية وتعريض أمن البحر الأحمر لمزيد من الاضطراب.
إقرأ المزيد


