القاهرة تفضّل دور الوساطة في التصعيد الأميركي ضد الحوثيين
العربي الجديد -

عقب ضربة أميركية في صنعاء، 20 مارس 2025 (محمد حمود/Getty)

في خضم الأحداث المتسارعة في منطقة البحر الأحمر، ومع اشتداد وتيرة القصف الأميركي لمواقع جماعة الحوثيين في اليمن، تتبنى مصر موقفاً بالغ الحذر، يحاول إيجاد التوازن بين ضرورات الأمن القومي واعتبارات الاستقرار الإقليمي، دون الانجرار إلى أي تورط عسكري مباشر في العمليات الجارية في سياق التصعيد الأميركي ضد الحوثيين. ويأتي الاتصال الهاتفي للرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي أول من أمس ليعكس بوضوح حجم القلق الدولي من تداعيات التصعيد الأميركي ضد الحوثيين في اليمن، خصوصاً في ظل ما وصفه ترامب بـ"التقدم العسكري الهائل" ضد الجماعة، والذي سبق أن حمّلها مسؤولية "تهديد الملاحة والمنطقة (البحر الأحمر)". فيما أكد الرئيس المصري خلال الاتصال، أهمية الجهود الدبلوماسية والوساطة لاحتواء الأزمة وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر.

وتفيد أجواء مطّلعين على فحوى الاتصال بين ترامب والسيسي، بأن الأول طلب تقديم الدعم لمهمة "حارس الازدهار" (التحالف البحري الذي تقوده الولايات المتحدة لحماية حركة الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين). وبحسب ما توفر من معطيات، فإن ترامب شدد خلال الاتصال على "أهمية تعزيز التنسيق الأمني في البحر الأحمر، لحماية مصالح التجارة الدولية وضمان استقرار الملاحة البحرية"، مشيراً إلى أن "الدور المصري سيكون محورياً في إنجاح مهمة التحالف، نظراً لموقع مصر الجغرافي وسيطرتها على قناة السويس".

تربط القاهرة مشاركتها في التحالف ضد الحوثيين بموقف واشنطن من الحرب على غزة

لكن رد القاهرة، بحسب الأجواء نفسها، جاء حاسماً في ربط المشاركة أو الدعم المباشر للتحالف بموقف واشنطن من الحرب على غزة، وسط تأكيد القاهرة أن "ضمان أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن وقف العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة". كما شددت القاهرة على أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع "يُهددان الاستقرار الإقليمي برمته، ويغذيان التوتر في الممرات المائية الحيوية". كما تعتبر القاهرة أن "أي جهد حقيقي لتحقيق الأمن البحري يجب أن يتزامن مع خطوات جدية لفرض وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية دون قيود"، وسط تحذير من أن "التعامل مع الأزمة من زاوية أمنية فقط يُغفل جذور المشكلة، ويزيد من تفاقمها".

رسمياً، أعلن ترامب على موقعه للتواصل الاجتماعي "تروث سوشال"، أول من أمس الثلاثاء، أنه تحدث إلى الرئيس المصري في مكالمة هاتفية "جرت بشكل جيد جداً". وحول التصعيد الأميركي ضد الحوثيين أخيراً، أضاف: "ناقشنا العديد من المواضيع، من بينها التقدم العسكري الهائل الذي أحرزناه ضد الحوثيين الذين يدمرون السفن في اليمن. كما ناقشنا أيضاً (الأوضاع في) غزة، والحلول الممكنة، والاستعداد العسكري، وما إلى ذلك". وبحسب بيان للرئاسة المصرية، أول من أمس، فإن السيسي "تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي هنأه فيه بمناسبة حلول عيد الفطر". وقال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، محمد الشناوي، إن الرئيسين "تباحثا بشأن سبل تعزيز العلاقات الثنائية، مؤكدين عمق وقوة العلاقات الاستراتيجية التي تربط بين البلدين، ومشددين على حرصهما على استمرار هذا التعاون بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين". وأضاف أن "الرئيسين تناولا تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط وجهود الوساطة لاستعادة الهدوء بالمنطقة، وهو ما ينعكس بصورة إيجابية على الملاحة في البحر الأحمر ويوقف الخسائر الاقتصادية لكل الأطراف".

التوازن مقابل التصعيد الأميركي ضد الحوثيين

ورغم الضغوط الأميركية تُبدي القاهرة موقفاً حذراً، إذ ترفض الانخراط العسكري المباشر في تحالفات قد تُفسَّر كاصطفاف ضد أطراف إقليمية، بينما تُواصل التنسيق مع القوى الدولية لضمان استقرار الملاحة في قناة السويس والبحر الأحمر، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع الحوثيين أو إيران. ويقول دبلوماسيون مصريون لـ"العربي الجديد"، إن مصر تنظر إلى الأزمة والتصعيد الأميركي ضد الحوثيين بعين استراتيجية، حيث لا تغيب عن حساباتها التداعيات المحتملة لأي تدخل عسكري، سواء على المستوى الإقليمي أو الداخلي. وتفضل القاهرة، وفقاً لتلك الرؤية، لعب دور الوسيط والموازن بين الأطراف، مستفيدة من علاقاتها المتشعبة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.

ويعكس الموقف المصري رغبة في الحفاظ على التوازن الدبلوماسي، عبر الضغط على واشنطن لإعادة ضبط أولوياتها في المنطقة، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للموقف الأميركي من الحرب في غزة، واستمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل. وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أعلنت، في ديسمبر/ كانون الأول 2023، إطلاق عملية "حارس الازدهار"، بمشاركة عدد من الدول الغربية، بهدف "ردع تهديدات الحوثيين للملاحة الدولية" بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية في البحر الأحمر وباب المندب قالت إنها مرتبطة بإسرائيل وموانئ فلسطين المحتلة. إلا أن التحالف واجه صعوبات في تجنيد حلفاء إقليميين رئيسيين، وسط رفض أو تحفظ دول مثل مصر والسعودية على المشاركة العسكرية المباشرة.

وتأثرت حركة الملاحة في قناة السويس – أحد أبرز مصادر الدخل القومي لمصر – بشكل واضح خلال الأشهر الماضية، نتيجة التصعيد الحوثي والهجمات التي استهدفت سفناً تجارية في البحر الأحمر، ما دفع بعض الخطوط الملاحية العالمية إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفة، والواقع على الساحل الأطلسي لشبه جزيرة كيب في جنوب أفريقيا. ولم يغب ملف غزة عن الاتصال بين الرئيسين، إذ ناقشا الوضع الإنساني المتدهور في القطاع، وسبل الوصول إلى تهدئة شاملة. ويبدو أن القاهرة تحاول الربط بين الملفين، باعتبار أن التصعيد في كل من اليمن وغزة لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي العام، والذي يتطلب مقاربة شاملة تقودها القوى الكبرى بالتنسيق مع القوى الإقليمية الفاعلة.

مكالمة ترامب والسيسي

وبشأن التصعيد الأميركي ضد الحوثيين يقول السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، إن "الأزمة المتصاعدة في البحر الأحمر ليست أزمة بحرية بالأساس، بل هي انعكاس مباشر للعدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، والدعم الأميركي غير المشروط لهذا العدوان". ويوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بات مرتبطاً بشكل مباشر بالأوضاع الميدانية في غزة". 

 رخا أحمد حسن: اختارت واشنطن التصعيد ضد الحوثيين، الأمر الذي ساهم في تفاقم التوتر البحري بدلاً من احتوائه

وكلما تصاعدت الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين واشتد الحصار على القطاع، وفق حسن، تصاعدت بالمقابل "ردود الحوثيين، الذين استهدفوا السفن المرتبطة بإسرائيل، وكذلك السفن الأميركية والبريطانية، رداً على تدخلات تلك الدول عسكرياً (ضربات في اليمن أيضاً) لمصلحة إسرائيل، بدلاً من الضغط عليها لوقف العدوان". في انتقاده إدارة ترامب باللجوء إلى الخيار العسكري في البحر الأحمر، يرى حسن أنه "بدلاً من التركيز على جوهر المشكلة والضغط على إسرائيل لوقف الحرب ورفع الحصار، اختارت واشنطن التصعيد ضد الحوثيين، الأمر الذي ساهم في تفاقم التوتر البحري بدلاً من احتوائه".



إقرأ المزيد