قضية مارين لوبان: مهل الاستئناف تخفّف توتر اليمين المتطرف
العربي الجديد -

لوبان خلال جلسة لـ"الجمعية الوطنية"، 1 إبريل 2025 (آن كريستين بوجولا/فرانس برس)

طغى الحكم الذي صدر يوم الاثنين الماضي، بحق زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان، والذي حرمها بمفعول فوري من الترشح لأي منصب رسمي لمدة 5 سنوات، على المشهد السياسي في فرنسا. وبينما رآه البعض زلزالاً سياسياً، فتح الحكم الذي اعتبره حزب لوبان، التجمع الوطني، وأنصاره، وكذلك سياسيون فرنسيون حتى من المعارضين للوبان، وخبراء قانونيون، قاسياً جداً، أسئلة حول حياد القضاء الفرنسي، وما إذا كان الأمر يتعلّق فعلاً بـ"مطاردة ساحرات"، بحق مارين لوبان بحسب وصفها، بعدما ترشحت 3 مرات سابقاً للرئاسة، وصلت مرتين منها إلى الدور الثاني، قبل أن تخسر أمام إيمانويل ماكرون، وكانت تتحضر لخوض السباق للإليزيه مرة رابعة في 2027، بأسهم عالية جداً.

مارين لوبان "مُطاردة"

وواصل حزب التجمع الوطني، خلال الأيام الماضية، مهاجمة القضاء الفرنسي، مستعيراً التعابير ذاتها التي استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين اتهم المسار القضائي الذي لاحقه طوال السنوات الماضية، بتهم عدة، منها الانقلاب على الدستور، بمطاردة قضائية مسيّسة، لإخراجه وتياره من المشهد السياسي. ويتعلّق الأمر عند مارين لوبان وفريقها، بالحكم الذي أصدرته المحكمة الجنائية في باريس، والقاضية بينيديكت دو بيرتوي، بمنع زعيمة اليمين المتطرف بشكل فوري من الترشح لأي منصب رسمي، لـ5 سنوات، من دون انتظار مسار الاستئناف أو الطعن.

دعا حزب لوبان إلى تجمع حاشد الأحد المقبل في باريس

وبعد هذا الحكم، ندّد "التجمع الوطني" بـ"استبداد القضاة"، كما تلقت القاضية دو بيرتوي، تهديدات بالقتل، وفق الإعلام الفرنسي، فيما تقدمت لوبان، التي كانت أدينت مع 8 نواب أوروبيين من حزبها و12 مساعداً، بتهم "اختلاس أموال عامة"، في قضية "المساعدين الوهميين" في البرلمان الأوروبي، بطلب استئناف أمام محكمة الاستئناف في باريس. وأعلنت محكمة الاستئناف، أول من أمس، أنها ستنظر في القضية ضمن إطار زمني قد يتيح للنائبة عن اليمين المتطرف بمقاطعة با دو كاليه، شمال باريس، الترشح لانتخابات الرئاسة في 2027، في حال تمّ نقض إدانتها.

وأوضحت المحكمة، أنها تلقّت "3 طعون" في حكم الإدانة هذا، متوقعة أن يصدر قرارها في صيف عام 2026. ووصفت لوبان، مساء الثلاثاء، في مقابلة مع صحيفة لو باريزيان، إعلان الاستئناف بـ"النبأ السار للغاية"، مضيفة أنها تريد أن ترى فيه "الارتباك الذي أحدثه الحُكم". وأوضحت كذلك أنها تريد "اللجوء إلى المجلس الدستوري" للطعن بالحُكم على أساس "عدم التوافق بين قرار بعدم الأهلية مؤقّت التنفيذ وحرية الناخبين المنصوص عليها في الدستور"، لافتة إلى أنها تعتزم أيضاً رفع هذه القضية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وقالت لوبان أمام نواب حزبها، الثلاثاء، إن "النظام أخرج القنبلة النووية، وإن استخدم سلاحاً قوياً إلى هذا الحد ضدنا، فذلك حتماً لأننا على وشك الفوز في الانتخابات". علماً أن حكم المحكمة، يتعلق بقضية تعود فصولها إلى سنوات نيابة لوبان في البرلمان الأوروبي (2004 – 2017)، وفتحت في 2015، وبدأ مسارها القضائي العام الماضي، حيث تتهم وحزبها بتوظيف مساعدين وهميين في البرلمان الأوروبي، تلقوا رواتبهم من ميزانية هذا البرلمان، لكنهم عملوا في الواقع لصالح الحزب. ووصفت المحكمة الجنائية في باريس، الجرم بأنه كان "إرساء لنظام ممنهج لسرقة المال العام"، واعتبرت أن ترشح لوبان لمنصب عام يشكّل خطراً على النظام العام.

ورأى متابعون أن القرار استند إلى قانون سابان 2، الذي أقر في البرلمان الفرنسي وهدفه مكافحة الفساد، في 2016، بعهد فرانسوا هولاند، علماً أن طلب الاستئناف جمّد تلقائياً عقوبة السجن (4 سنوات مع وقف اثنتين وقضاء اثنتين تحت المراقبة بسوار إلكتروني)، وعقوبة دفع الغرامة (100 ألف يورو)، بالإدانة المتعلقة بالاختلاس. لكن الأفعال المتعلقة بالجرم والتي تغطي المرحلة بين 2004 و2016، سابقة للقانون الذي دخل حيّز التنفيذ في فبراير/شباط 2017. إلا أن صحيفة لوموند، أكدت في تقرير لها أول من أمس، أن عقوبة "المنع الفوري" أنزلت بعدد من المدانين، قبل قانون سابان 2.

أعلنت محكمة الاستئناف أنها ستصدر رأيها في صيف 2026

محاربة الفساد

وفي الواقع، فإن فرنسا التي تتباهى بفصل السلطات، وبنظام قضائي صلب، كانت خلال السنوات الماضية قد فتحت العديد من المسارات سواء السياسية أو القضائية، لما سمّي بالتشدد بمحاربة فساد السياسيين، فيما يرى منتقدون أن ذلك كان استنسابياً، علماً أن رئيساً سابقاً "شعبياً" من اليمين الفرنسي، هو نيكولا ساركوزي، لا يزال يحاكم بقضايا عدة مرتبطة بالفساد، وكان ترشح للرئاسة في 2017، لكنه سحب ترشحه مع تراجعه في تمهيديات حزب الجمهوريين، أمام فرانسوا فيون وآلان جوبيه. وفيون نفسه، خسر الرهان في ذلك العام رئاسياً، أمام إيمانويل ماكرون، بعدما لاحقته قضية فساد تتعلّق بزوجته بينيلوبي، لكنه لم يسحب ترشحه (كان متصدراً استطلاعات الرأي، قبل أن يتراجع مع تسريب القضية التي دخلت فصول المحاكم لاحقاً، وحرم فيون من تبوؤ أي منصب لمدة 10 سنوات، وكانت محكمة الاستئناف العام الماضي أكدت الحكم).

وكانت لوبان، نفسها، في تصريحات سابقة، طالبت بإنزال أشد العقوبات بحق شخصيات "منتخبة"، أي الحرمان من حق الترشح مدى الحياة، إذا ما ثبت ارتكابها فساداً أو جرائم اختلاس مال عام. وكان حزب مارين لوبان قد طورد في السابق بقضية الحصول على قرض من بنك روسي، أعلن الحزب في 2023، تسديده بالكامل، بعدما أدّى إلى إحراج اليمين المتطرف ولوبان، في عزّ الغزو الروسي لأوكرانيا. ولم يخف حزب لوبان، علاقته الجيّدة بموسكو، لكنه حاول التخفيف من هذا "الإعجاب" بالنظام الروسي، بعد الغزو. وفي العموم، هناك من يرى، أن قضية "المساعدين الوهميين" ترتبط بالمصاعب المالية التي كان يواجهها حزب لوبان، منذ أيام زعامة الوالد جان ماري، له، حيث كان الحزب يعاني دَفْعَ تكاليفِ موظفيه وأنشطته.

وساد الصمت في الإليزيه، عامةً، حيال قضية لوبان، التي دعا حزبها إلى تجمع حاشد في باريس، الأحد، رفضاً للقرار. وأعلن رئيس الحزب جوردان بارديلا، الأوفر حظاً لخلافة لوبان، "تنظيم عملية توزيع مناشير وتجمّعات سلمية نهاية الأسبوع"، كما أطلق الحزب عريضة تحت عنوان "لننقذ الديمقراطية ولندعم مارين لوبن". وبينما واصل القضاء الفرنسي الدفاع عن قرار "خلص إليه قضاة مستقلّون ومحايدون"، ألقى الحكم بثقله على الحكومة الفرنسية برئاسة فرانسوا بايرو، وأعرب وزير العدل جيرار دارمانان خلال جلسة برلمانية متوترة، أول من أمس، عن أمله في أن يصدر حكم الاستئناف بقضية مارين لوبان "في الإطار الزمني الأكثر معقولية".



إقرأ المزيد