إدارة بايدن والوضع الفلسطيني: "تحرك من غير حركة"
العربي الجديد -

تبدو هذه الحركات الأميركية فقط لرفع العتب الفلسطيني (Getty)

بعد تكليف نتنياهو بتأليف حكومة يشارك فيها اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، تصاعدت التكهنات في واشنطن حول توتر قادم، وربما "صِدام" بين إدارة بايدن واسرائيل.

تعزز الاعتقاد بعد صدور إشارات من الإدارة الأميركية في هذا الاتجاه، إذ وصفت وزارة الخارجية، على غير العادة، مشاركة بن غفير في ذكرى العنصري مائير كاهانا، بأنها عمل "مقزز"، وكأنه لولا حضوره هذه المناسبة، لكان لم يتم الاعتراض بهذه العلنية على عنصرية بن غفير الواضحة.

تتابعت الأحداث بعد ذلك، وبدأت وكأنها صحوة مفاجئة على فتح تحقيق يقوم به مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" في قضية الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، التي جرى اغتيالها برصاص الجيش الإسرائيلي في جنين قبل حوالي ستة أشهر.

في حينه، توجهت العديد من الأسئلة لوزارة الخارجية مراراً وتكراراً، كما وشارك "العربي الجديد" في السؤال عما إذا كان التحقيق سيفتح، خصوصاً وأن الشهيدة تحمل الجنسية الأميركية؛ لا سيما أن الإدارة الأميركية لا تنفك عن التأكيد بأن سلامة المواطن الأميركي هي في رأس أولوياتها، إلا أن الجواب كان دائماً بأن التحقيق "متروك لإسرائيل، القادرة على القيام بهذه المهمة".

وعندما كشفت إسرائيل عن نتيجة تحقيقاتها التي أخرجت الجاني بريئاً كما كان متوقعاً، تقبلت الإدارة الأميركية هذا الحكم بزعم "عدم ثبوت النية الإجرامية" في جريمة القتل، وانتهى الأمر ليقفل الملف ويرمى كسوابقه على رفوف الأرشيف.

بعد هذه الأحاديث، استحدثت الإدارة قبل يومين منصب "ممثل خاص للشؤون الفلسطينية"، ضمن دائرة شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية، وقد جرى إبلاغ الكونغرس، أول أمس الثلاثاء، بهذا الإجراء، وبتعيين الدبلوماسي الفلسطيني الأصل هادي عمر في هذا المنصب، بعد أن جرى نقله من موقع نائب مساعد الوزير "للشؤون لاسرائيلية – الفلسطينية" إلى موقع "ممثل خاص".

تمثل هذه الخطوة فصلاً لوضعية فلسطين عن اسرائيل، كما ورفعها إلى مرتبة دبلوماسية أعلى في الوزارة، لكن الخطوة تبقى رمزية وأقرب إلى ترضية للفلسطينيين، وربما تعويضاً عن تراجع الإدارة حتى الآن على الأقل، عن وعدها بإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، فضلاً عن صرف نظرها أيضاً حتى الآن، عن إعادة فتح مقر البعثة الفلسطينية في واشنطن.

كل هذه المواقف والخطوات بدت مصممة كرسالة إلى نتنياهو، لحمله ربما على صرف النظر عن تعيين بن غفير كوزير في حكومته الجديدة، وكأن الإدارة تقول من خلال هذه المحاولة، أن المشكلة فقط تكمن في بن غفير، بينما تقبل عنصرية نتنياهو.

لكن على ما يبدو، فإن الإدارة الأميركية لن تردع نتنياهو الذي يعرف صلاحياته ولا يتوقف عندها، لأن ما يهمه بالأساس هو "تأمين الأغلبية لحكومته"، كما يقول المسؤول الأميركي السابق دافيد شنكر.

لكن هذه السياسات، في أحسن أحوالها متأخرة، أو ربما صورية، ولن تلعب دوراً حاسماً، وهي نفس السياسة التي اعتمدها كيسنجر مع مصر قبل "حرب أكتوبر" في 1973، إذ كان في لقاءاته آنذاك مع نظيره المصري حافظ إسماعيل، يوحي له بأن واشنطن منخرطة مع إسرائيل بمحادثات واعدة لانسحابها من سيناء مقابل احتفاظها بمواقع أمنية حدودية، لكن وعندما كانت غولدا مئير تعترض على وعوده هذه لمصر، كان يطمئنها بأن ما يقوم به لا يتعدى "التحرك من دون حركة".

تبدو هذه الوعود مجرد آلية "لشراء الوقت وإرهاق الجانب المصري"، كما كان يقول، وخطوات الإدارة الأخيرة تجاه إسرائيل تمثل صورةً مصغرة عن تلك اللعبة، ولو أن نوايا بايدن غير نوايا كيسنجر، لكن على النتيجة تبدو شبيهة. 

تبدو هذه الحركات فقط لرفع العتب الفلسطيني أكثر منها لحمل نتنياهو على التحلي "بالاعتدال"، ناهيك عن ردعه عن اعتماد سياسات توسعية، فمن الواضح أن الإدارة الأميركية كشفت من البداية عن عجز حتى في ترجمة وعودها الدبلوماسية، وأحد الأسباب كما هو الحال دائماً، أن إسرائيل تمكنت عبر مفاتيحها في الكونغرس ومطابخ الرأي، من خلق حواجز اعتراض لمنع تشكل أي اجماع في واشنطن ضد رغباتها، خاصة إذا كانت مواقف الإدارة محكومة بالسياسات المحلية.

ومن هنا، فإن رخاوة ردود الإدارة الأميركية الأخيرة تبدو استمراراً للسلوك الإسرائيلي في دفع صانعي القرار في واشنطن إلى التشتت، ومع تناقص الحزم الأميركي صارت إسرائيل أكثر ثقة في قدرتها على مواجهة راعيها، كما يقول مارتن أنديك في كتابه الأخير "سيد اللعبة"، وهو الذي تعاطى مع الوضع الإسرائيلي عن قرب، وتقرّب منه كسفير وكمبعوث خاص سابق في عملية السلام.

كما ويبدو أنّ نتنياهو أصبح متمرساً في التحايل على راعيه، وفي بعض الأحيان  أصبح قادراً على تجاوزه، كما فعل مع أوباما، خصوصاً إذا كان يتعاطى مع رئيس يعوّل على الجالية اليهودية لمنع وصول بن غفير المحرج له إلى الحكومة، علماً بأن القوى والمنظمات اليهودية الأميركية انقسمت في ردودها على عودة اليمين الاسرائيلي بين محافظ مرحِّب، وبين ليبرالي متخوّف ومحذِّر من عواقب التحول الفاشي في إسرائيل، الذي يواجهه بايدن حتى الآن بتحرك لا حركة فيه ولا حراك.



إقرأ المزيد