جيوبوليتيكال فيوتشرز: لماذا تكثف تركيا دعمها لحكومة الوفاق الليبية؟ - الخليج الجديد
الخليج الجديد -

الخميس 11 يوليو 2019 08:48 م

في الأسبوع الماضي، تم تذكير تركيا بمخاطر التدخل في دولة مزقتها الحرب مثل ليبيا. أولاً، هدد الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال "خليفة حفتر"، الميليشيا المتمركزة في الشرق والتي تعارض حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، بإطلاق النار على أي سفن تركية تقترب من المياه الإقليمية الليبية. ثم قام "حفتر" باعتقال ستة بحارة أتراك (وأطلق سراحهم لاحقًا). وأخيراً، قال الجيش الوطني الليبي إنه دمر طائرة تركية بدون طيار كانت متوقفة في مطار طرابلس. ومن المعروف أن تركيا والجيش الوطني الليبي على طرفي النزاع. وهذا يثير سؤالا واضحا: ماذا تفعل تركيا في ليبيا في المقام الأول؟

وتعد مصالح تركيا في ليبيا مصالح مالية جزئيا، فالشركات التركية ليست غريبة على الاستثمار في ليبيا. وعندما بدأت الحرب الأهلية على سبيل المثال، كان لدى شركات المقاولات التركية صفقات تقدر قيمتها بـ 15 مليار دولار في البلاد. من المحتمل ألا يتم إعادة تشغيل هذه المشروعات في الأراضي التي يسيطر عليها "حفتر".

تتعلق اهتمامات تركيا هناك أيضًا بالطاقة. تضغط تركيا بشكل متزايد على قبرص واليونان و(إسرائيل) ومصر في ملف النزاع حول احتياطيات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط​، وتعتقد أنقرة أن توحيد ليبيا في ظل حكومة مدعومة من تركيا يمكن أن يزيد من نفوذها في هذه المفاوضات.

المنافسة الإقليمية

لكن اهتمام تركيا طويل الأمد بليبيا يتعلق بالمنافسة الإقليمية الطويلة الأمد بين تركيا والدول العربية في الشرق الأوسط. وعندما انهارت حكومة "معمر القذافي" عام 2011، تنافست العديد من الميليشيات، بما فيها الفصائل الإسلامية، في وقت لاحق، لملء فراغ السلطة الذي تلا ذلك. إلا أن العديد من الميليشيات الإسلامية كانت تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، أو تدعمها، وكانت تدعم أيضًا حكومة الوفاق الوطني، وبالتالي فإن هذه الحكومة حظيت بدعم كل من تركيا وقطر. وفي الواقع، كانت تركيا تأمل في إقامة شراكة استراتيجية مع جماعة الإخوان لو كانت قد تولت السلطة بعد وفاة "القذافي". على الرغم من أن أداء الجماعة لم يكن جيدًا، بشكل خاص في الانتخابات الليبية، إلا أن أنقرة لا تزال تأمل أن تتمكن من المساعدة في قلب سياسات البلاد لصالحها.

على الجانب الآخر، تعتبر كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وترى أن الجماعة تمثل نقيض الملكيات والديكتاتوريات العسكرية. ومما لا يثير الدهشة، فقد دعمت هذه البلدان قوات "حفتر" في ليبيا. وكان لدى مصر، على وجه الخصوص، مصلحة قوية في ضمان ألا تنتصر حكومة الوفاق، حتى لو لم ينتصر "حفتر". الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، الذي أطاح بـ"محمد مرسي"، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين من السلطة في انقلاب عام 2013، يعتبر جماعة الإخوان المسلمين واحدة من أكبر التهديدات لحكمه. لذلك، يوفر الجيش الوطني الليبي منطقة عازلة بين مصر والفصائل التي تدعمها جماعة الإخوان في غرب ليبيا.

حرب أيديولوجية

بالإضافة إلى ذلك، إذا ربح "حفتر" الحرب، والتي يبدو أنها تتجه نحو طريق مسدود في الوقت الحالي، فإن هذا يعني أن دولة أخرى في شمال أفريقيا ستحكمها حكومة يهيمن عليها الجيش. ويمكن لقائد عسكري قوي قادر على توفير النظام في ليبيا، على المدى القصير على الأقل، أن يجعل الحكومة المصرية التي يقودها الجيش آمنة بشكل أكبر. وبمعنى آخر، ترى مصر تركيا كمنافس، ليس فقط للموارد الطبيعية في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​ولكن أيضًا على السيادة الأيديولوجية في الشرق الأوسط. (التنافس بين الطرفين لم يمنعهما من الحفاظ على علاقات اقتصادية قوية، حيث بلغت التجارة الثنائية بين مصر وتركيا أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 3.05 مليار دولار في عام 2018).

بالطبع، لا يعد تورط تركيا في الحرب الأهلية الليبية أمرا جديدا. وقد ظهرت تقارير عن شحنات أسلحة تركية إلى طرابلس في أوائل عام 2013، وفي عام 2014، كما ورد أن "حفتر" قد أمر قواته بقصف سفينة تحمل أسلحة تركية. لكن الأحداث الأخيرة تظهر أن التنافس على شمال أفريقيا والشرق الأوسط بين تركيا وقطر، من جهة، والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات من جهة أخرى لا يزال نشطا في ليبيا. كما أنه نشط في السودان، حيث من المحتمل أن تفقد تركيا بعض نفوذها السياسي في أعقاب الانقلاب الذي أطاح بـ"عمر البشير". وقبل الانقلاب، كانت المملكة العربية السعودية قد رفضت تقديم أي مساعدات للسودان إلا إذا ألغى "البشير" صفقة تسمح لتركيا بإعادة بناء ميناء بحري في سواكن. ومنذ الانقلاب، قدمت السعودية والإمارات معا 3 مليارات دولار من المساعدات، بما في ذلك 250 مليون دولار من الرياض تم إيداعها مباشرة في البنك المركزي السوداني.

بينما يركز الكثيرون على القضية الإيرانية - التي ربما يكون من الأسهل فهمها، كدولة شيعية تكافح ضد منافسيها من السنة بشكل أساسي – فإن المنافسة داخل العالم السني نفسه تزداد حدة. وقد كان هناك سؤال محوري واحد منذ أن أسس آل سعود أول دولة سعودية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وهو: أي نمط من الحكم سوف يسود في العالم السني؟ وهل هو ملكي قائم على المثال السعودي أم ديمقراطي قائم على المثال التركي؟ ويبقى الوقت وحده كفيلا بالإجابة على هذا السؤال.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز



إقرأ المزيد