صندوق النقد سيء السمعة واحتجاجات العرب
الخليج الجديد -

هناك خيط رفيع يربط بين ما يحدث حاليا في عدة دول عربية أبرزها تونس والسودان والأردن ومصر والجزائر والعراق والمغرب، فهذه الدول تشهد حاليا تظاهرات احتجاجية وقلاقل سياسية واضطرابات اجتماعية، أو على الأقل يشهد بعضها حالة احتقان شعبي شديدة وتذمرا بين أغلب المواطنين.

والسبب قفزات الأسعار وتعرض المواطن لضغوط معيشية حادة خاصة مع رفع الحكومات أسعار السلع والخدمات بشكل مستمر، والتوسع في سياسة فرض مزيد من الضرائب والرسوم، وخفض الدعم المقدم لسلع رئيسية.

الخيط الذي يربط بين كل هذه الدول هو تنفيذ حكوماتها تعليمات وسياسات صندوق النقد الدولي التقشفية، والتي تلعب دورا في إثارة هذه القلاقل السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة، فعندما تواجه الحكومات العربية مشاكل اقتصادية ومالية وعجز في الموازنات، أو تراجعا في الإيرادات العامة خاصة من النقد الأجنبي، فإن أوّل ما تفكر به هو الارتماء في أحضان صندوق النقد وطلب مساعدته وقروضه ومعها وصفة.

 

شروط قاسية

الصندوق في كل الأحوال جاهز للمساعدة وتقديم القروض، لكنه في المقابل له شروط قاسية من أبرزها التزام الحكومات بزيادة الأسعار والضرائب، وخفض الدعم الحكومي، وبيع أصول الدولة وتطبيق برنامج الخصخصة، وزيادة  أسعار الفائدة التي يكون المستفيد الأكبر منها الاستثمارات الأجنبية الساخنة المستثمرة سواء في أدوات الدين كالسندات أو أذون الخزانة أو في البورصات، ومن بين شروطه أيضا منح مزايا كبيرة للمستثمرين الأجانب بحجة جذب استثماراتهم وأموالهم إلى داخل الدول العربية.

الحكومات العربية باتت للأسف عاجزة أمام الصندوق الذي أصبح يدير العديد من اقتصاديات وموازنات دول المنطقة، وبات له القول الفصل في تحديد أبرز بنود الموازنة وأسلوب توزيع النفقات، فهو الذي يحدد المخصصات التي تذهب لقطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية ودعم السلع الرئيسية والكهرباء والطاقة، وهو الذي يحدد عدد الموظفين في الجهاز الإداري للدولة، ومن يتم الإبقاء عليه ومن يتم فصله، وهو الذي يحدد مستوى الأسعار، وهو الذي يحدد موعد زيادات أسعار تذاكر المترو والقطارات وفواتير الكهرباء.

 

الأردن

في الأردن مثلا كانت تعليمات الصندوق لحكومته واضحة وهي: "حتى تعالجوا عجز الموازنة، الذي يزيد عن 760 مليون دولار، عليكم بالتالي: رفع  سعر الخبز اعتباراً من بداية شهر فبراير/شباط، وبنسبة زيادة وصلت إلى 100% لبعض الأصناف، وزيادة ضريبة المبيعات على شريحة كبيرة من السلع الغذائية، خلال 2018، وإلغاء الإعفاءات من الضرائب والرسوم التي كانت ممنوحة لبعض القطاعات، يقدم الصندوق نصيحته السامة بزيادة أسعار الخبز رغم ظروف اللاجئين الصعبة الذين يقيمون على الأراضي الأردنية والذين يستهلكون مثلا نحو 65% من الخبز المنتج في المملكة.

 

مصر

وفي مصر كانت التعليمات واضحة "إذا أردتم اقتراض 12 مليار دولار عليكم بالتالي: تعويم الجنيه المصري مقابل الدولار وتحرير أسعار الوقود بأنواعه سواء البنزين أو السولار والغاز، وزيادة  أسعار الخدمات الرئيسية وفي مقدمتها المياه والكهرباء والاتصالات تمهيدا لتحريرها كاملة، وفرض ضريبة قيمة مضافة 15% على أسعار السلع والخدمات، وإصدار قانون الخدمة المدنية الذي سيتم من خلاله الاستغناء عن مئات الآلاف من العاملين بالجهاز الإداري للدولة، وزيادة تكلفة المواصلات العامة والاتصالات وغيرها.

 

تونس

في تونس كانت التعليمات للحكومة كالتالي: "خفضوا الرواتب، وارفعوا أسعار المواد الاستهلاكية والوقود، وافرضوا ضرائب جديدة فورا، وبيعوا البنوك والشركات التابعة للدولة"، كما كانت التوصية القاتلة وهي "عوموا الدينار" وهي التوصية التي تسببت في ردود شديدة عندما لوحت بها وزيرة المالية التونسية السابقة ولا تزال أسواق الصرف بتونس تعاني منها.

 

المغرب

وفي المغرب التي ترتبط باتفاق مع صندوق النقد الدولي حصلت بموجبه على قروض ضخمة كانت أعين الصندوق دوما مركزة على شئ واحد وهو تعويم العملة المغربية، وهو الأمر الذي أثار ردود فعل مستمرة في سوق الصرف عقب الكشف عنه رغم تأجيل تطبيقه عدة مرات من قبل الحكومة.

حدث ذلك رغم مواجهة المغرب تراجعا في النقد الأجنبي بسبب الظروف التي مر بها شركائه التجاريين في أوروبا والسياحة القادمة لها من الشمال، وبدلاً من أن تكون نصيحة الصندوق للمغرب "عالجوا الأسباب التي أدت إلى حدوث عجز متزايد في الموازنة العامة، وتراجع في معدل النمو الاقتصادي"، كانت نصيحة هي "تعويم الدرهم ودون بحث سبب المشكلة".

 

الجزائر

حتى عندما زارت بعثة صندوق النقد الدولي الجزائر في مارس/آذار الماضي كانت نصيحة رئيس البعثة، جان فرانسوا دوفان، هي:

"على الحكومة الجزائرية دراسة خيار الاقتراض الخارجي وتعديل نظام الدعم وزيادرة الأسعار، للتكيف مع تراجع إيرادات النفط والغاز".

ولم يقدم الصندوق نصائح حول كيفية استفادة الحكومة من ثروات البلاد النفطية والتعدينية والبشرية والسياحية والزراعية الكبيرة.

 

السعودية

حتى الدول التي ليس لها برامج مع صندوق النقد الدولي ولم تدخل في اتفاقيات قروض معه، فإنها تنفذ التوصيات الصادرة عن بعثاته التي تزور هذه البلاد من وقت لأخر.

يحدث ذلك في السعودية التي قررت زيادة أسعار البنزين بنسب تصل إلى 127% دون مراعاة ملايين المواطنين والوافدين الذين لا يمتلكون القدرة على مواجهة هذه الأعباء الضخمة.

كما فرضت الحكومة ضريبتي القيمة المضافة والضريبة الانتقائية ورفعت فواتير الكهرباء والمياه، وهو الأمر الذي تسبب في زيادة الأسعار داخل الأسواق، وتوقعات بمغادرة آلاف الوافدين المملكة بسبب زيادة تكلفة الحياة.

 

الأموال المنهوبة

وصفة وتعليمات واحدة وإن اختلفت في بعض الرتوش من بلد لآخر، والحكومات العربية تطبقها دون نقاش حتى ولو أدت إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة وتحول الطبقة المتوسطة لفقيرة.

في المقابل لم نجد خطة لدي صندوق النقد الدولي لزيادة إنتاج وصادرات البلاد التي تعاني من مشاكل وأزمات مالية واقتصادية، أو انعاش قطاع السياحة بها، وتحسبن ايرادات البلاد من النقد الأجنبي في الدول العربية التي تعاني من مشاكل مالية طارئة.

ولم نلمس خطة لمحاربة الفساد والفقر والبطالة ومواجهة فساد الحكام، ولم نسمع من الصندوق كلمة عن خطورة عدم فصل بعض الدول بين موازنة الدولة والموازنة الشخصية والحسابات المصرفية لحكامها في بنوك سويسرا وأوروبا.

ولم يساعد الصندوق الحكومات العربية في استعادة الأموال المنهوبة في الخارج من قبل حكام فسدة، أو ينصحها بترشيد الإنفاق العام وتقليص الإنفاق على السلاح الذي يتم استيراده ولا يتم استعماله، بل ويدخل المخازن ثم يصدأ.

وإذا كان صندوق النقد الدولي كريمًا في إقراض دولة ما وبشكلٍ مستمرٍ، فهذا يدل على أن حكومة هذه الدولة تنفذ سياسات الصندوق الاقتصادية وتعليماته بالحرف الواحد، كما أن الصندوق راض عن أداء الحكومة الاقتصادي والمالي حتى وإن أدى ذلك إلى حدوث قلاقل اجتماعية واحتجاجات، وهو ما يفتح الباب أمام هذه الحكومات لنيل ثقة المؤسسات الدولية الكبرى.

الصندوق يهمه بالدرجة الأولى أمواله واستعادة القروض بالفوائد المفروضة عليها والتي يمنحها للحكومات العربية، لا يهمه فقراء ولا مواطن معدوم حتى ولو جاء ذلك على حساب مص الحكومات دم الشعوب وضربها بالسياط ورميها في السجون لسداد مزيد من الضرائب والقبول بالأمر الواقع داخل الأسواق.

حتى عندما يمنح صندوق النقد الدولي دولة ما شهادة فإنه يوصيها مباشرة بتوصية قوية وسريعة مفادها الإسراع بالإصلاحات التي يطالب بها، والتي لا تراعي ظروف الموطنين، لأن من أبرز بنودها زيادة الا سعار.

 

دعم الديكتاتوريات

هناك غزل بين الصندوق والحكومات العربية، الصندوق يمنح الحكومات شهادة حسن سير وسلوك، والصندوق يغدق المليارات على خزانة الحكومة لانقاذها من الغرق وغضبة الرأي العام، والنتيجة النهائية اغراق الدول ومعها المواطن والأجيال القادمة بمزيد من القروض الخارجية والداخلية.

صندوق النقد الدولي تحول في السنوات الأخيرة إلى أداة لقياس مدى رضا الإدارة الأميركية عن الأنظمة العربية القائمة، فإذا كانت هذه الإدارة راضية فإن الصنددوق يغدق عليها المليارات حتى ولو كانت ديكتاتورية قتلت الآلاف من شعبها وسجنت الآلاف مثلهم، أما لو كانت أميركا غاضبة من نظام حكم ما، حتى ولو جاء بشكل منتخب، فإنه يتم وضع العراقيل أمامه لعدم حصوله على دولار واحد.

صندوق النقد لا يهمه دعم تجارب اليمقراطية في الدول العربية كما يظن البعض، بل هو يساند الديكتاتوريات ويدعمها ويكره الحكومات المنتخبة من الشعوب، الصندوق بات هو الوسيلة التي تعاقب بها الإدارة الأميركية أنظمة وتكافئ أخرى.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي.

التاريخ: 
السبت, يناير 13, 2018 - 11:00
المصدر: 
العربي الجديد
أضف إلى مربعات الصفحة الرئيسية: 
No
تاريخ النشر: 
السبت, يناير 13, 2018 - 11:00


إقرأ المزيد