"أرعن"!
الخليج الجديد -

كما كان منتظراً ضرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التحذيرات كافّة التي جاءته من الملك عبد الله الثاني بخاصة، والعالم العربي، وبعض زعماء العالم الآخرين، بعرض الحائط، وأعلن في ساعة متأخرة أمس (بتوقيت العالم العربي) القدس عاصمة لإسرائيل، مع التحضير لنقل السفارة الأميركية إلى هناك، تاركاً موضوع تحديد المساحة الجغرافية للقدس لمعطيات الحلّ النهائي.

إعلان ترامب واجه عاصفة احتجاج ديبلوماسي عربياً، إسلامياً وعالمياً. لكن في النهاية استسلم "الرئيس" لرعونته وغلّب مصالحه الشخصية وحرصه على كسب اللوبي الصهيوني في أميركا، ولم يكترث أنّه بهذا القرار سيُدخِل المنطقة العربية، ومعها الأمن العالمي في مرحلة جديدة، ستتبدى نتائجها في وقت لاحق.

هذا القرار سيدفع بالمنطقة إلى أقصى درجات المزاج الراديكالي العدمي، وسيتزاوج مع ما يحدث في المنطقة من انفجارات واهتزازات ليضع النظام العربي في أضيق زاوية، بعدما فقد هذا النظام أوراقه في كل مكان، ووجد نفسه أمام انتصارات إيرانية ونفوذ ينمو كهشيم النار، ومحور روسي- إيراني ينتصر، فأصبحوا اليوم أمام منحدر جديد مع إعلان ترامب!

العرب اعترضوا واحتجوا، لكن كان واضحاً تماماً أنّ هنالك نغمات مختلفة في المواقف العربية، ما بين الرفض الناعم والخجول وما بين اللغة الصلبة القاسية، والمواقف الديبلوماسية الحاسمة، وربما المهم في الأمر أنّ هذا الإعلان الأرعن سيكون له ما بعده تماماً.

فالرهان العربي على ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة (بعد مرحلة الرئيس السابق أوباما، التي اعتبرها العرب كارثة) عبر التحالف مع هذا الرئيس، على أكثر من مستوى، ومحاولات تحجيم القضية الفلسطينية لصالح ما يسمى بـ"الخطر الفارسي"، والصفقات التي تعقد من تحت الطاولة، كل ذلك من المفترض أن ينتهي مع ما حدث ليلة أمس، وإلاّ فإنّ النظام الرسمي العربي قد حكم على نفسه بالدخول في كارثة جديدة أخرى!

على المتحمسين العرب لهذا الرئيس المتهوّر أن يسألوا أنفسهم سؤالاً واحداً: هل فعلاً ما يقوم به يضرّ إيران في المنطقة أم يخدمها ويخدم القاعدة وداعش، ويضرب أمن الدول العربية "المتبقية" في الصميم؟ فكّروا جيّداً في ذلك، من سيستثمر تماماً في هذا الإعلان الخطر؟

إيران التي ما انفكت تعلن عداءها لإسرائيل، وتستغل القضية الفلسطينية في تعزيز نفوذها وأجندتها في المنطقة، وداعش والقاعدة وهذه الحركات الجهادية، التي وإن لم تضع القضية الفلسطينية على أولوياتها، فإنّها تتغذى على هذه القضية وعلى حالة الإحباط واليأس من الهزال العربي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى إيران، وتوظّف كل ذلك في عملية التجنيد والتعبئة والدعاية الإعلامية والسياسية!

 قُضي الأمر، فما تبقى من نظام رسمي عربي اليوم على مفترق طرق حقيقي، إمّا أن يقوم بتحويلة في رؤيته للمنطقة ولشرعيته ولاستقراره، ويصحو من "سكرة" الكلام المعسول المخادع لترامب، ويعيد طرح موضوع القضية الفلسطينية على جدول أولوياته، وإمّا أن يستمر في خداع نفسه وفي مسار خطر كارثي نتدحرج فيه، يسرّع به بصورة كبيرة إعلان ترامب أمس!

كلمة حقّ للتاريخ بأنّ الملك قاتل وحارب لوقف الإعلان، وربما عرّض ذلك علاقته مع الرئيس الأميركي لهزة عنيفة، كما عرّض للخطر مصالح الأردن والقضية الفلسطينية على السواء، وكان واضحاً صريحاً حاسماً، بالرغم من أنّ أميركا حليف استراتيجي، ورغم أنّها أكبر داعم مالي للأردن (مع توقف مساعدات الأشقاء!)، ومع ذلك فإنّ الملك بحسّه التاريخي يدرك تماماً أنّ ما قام به ترامب وضع المنطقة في ديناميكية جديدة من ديناميكيات الفوضى والانهيار! 

* د. محمد ابورمان باحث بـ«مركز الدراسات الاستراتيجية» بالجامعة الأردنية.

التاريخ: 
الخميس, ديسمبر 7, 2017 - 18:00
المصدر: 
الغد الأردنية
أضف إلى مربعات الصفحة الرئيسية: 
No
تاريخ النشر: 
الخميس, ديسمبر 7, 2017 - 18:00


إقرأ المزيد