مسـرحـية انتخـابية - ديـمـقراطية!
الخليج الجديد -

النضالات الاجتماعية لا تكفي لوقف الانحراف نحو اليمين واستعادة دينامية التقدم الاجتماعي تستلزم ابتكار مشروع إيجابي بديل يكون بحق اجتماعياً وديمقراطياً.

د. سـمير أمـين يكتب:

الديمقراطية الانتخابية التعددية، درة الحداثة الديمقراطية في أوروبا والولايات المتحدة، هي في الحقيقة في حالة انحسار. ومن الواضح أن «ديكتاتورية» رأس المال الاحتكاري قضت على معنى وغاية الانتخابات.

لنأخذ كمثال فرنسا التي تختبر هذا الانحسار منذ سنوات عدة، عندما رفض الشعب الفرنسي في استفتاء الدستور الأوروبي. ولكن ذلك لم يمنع الحكومة والبرلمان من تبني هذا الدستور بعد فترة قصيرة.

والدرس الذي استخلصه الشعب الفرنسي من تلك التجربة كان ببساطة انه طالما أن الاقتراع قد فقد معناه القاطع، فلم يعد التصويت جديراً بأن يكلف المواطن نفسه عناء الذهاب إلى مركز اقتراع. وقد أثبتت ذلك بوضوح انتخابات الرئاسة في إبريل/نيسان 2017 وجولتا الانتخابات البرلمانية في 11 و 18 يونيو/حزيران.

لقد بلغت معدلات الامتناع عن التصويت حدود ال 60 % من الناخبين. وهذا شيء لم يحدث أبداً من قبل في تاريخ الديمقراطية الغربية. وفي هذه الظروف، إذا كان إيمانويل ماكرون انتخب رئيساً، وفاز بأكثرية مطلقة في البرلمان الجديد، إلا أن التصويت الفعلي لمصلحته لم يتجاوز نسبة 16% من الناخبين الفرنسيين.

وأولئك الذين أدلوا بأصواتهم هم من الطبقات الوسطى والثرية - وهذه بيئة اجتماعية «موالية للرأسمالية» بصورة طبيعية، وهذا بالتأكيد لا يشكل ذلك «الانتصار الكاسح» الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام.

ولو حدث شيء مماثل في بلدان مثل روسيا، أو أي بلد في الجنوب، لما كانت وسائل الإعلام الغربية ستتردد في التنديد بمثل هذه «المهزلة». ولكن وسائل الإعلام هذه تحرص على عدم قول الكثير عندما يتعلق الأمر ب«ديمقراطية» غربية، هي في هذه الحالة فرنسا.

لم يعد هناك أي اختلاف فعلي بين حكومات اليمين التقليدي وحكومات اليسار الممثلة تقليدياً بالاشتراكيين. وهذا الشكل من نظام الحزب الواحد أصبح ينظم «الحياة السياسية»، أو بدقة أكبر «الحياة غير المسيسة»، في الغرب الأوروبي والأمريكي الشمالي.

وليس هناك أي سبب يدعو للابتهاج بهذه المهزلة المقيتة. وفقدان «الديمقراطية الانتخابية» للشرعية لا يفضي إلى إنشاء بديل مبتكر قوامه أشكال جديدة وأكثر تطوراً لديمقراطية حقيقية. وهذا ينطبق على الغرب، كما على بلدان الجنوب. والشعب يلاحظ العدول عن الخطاب الطنان، ولكنه في النهاية يقبل نتائجه، وبشكل محدد يقبل «التحرك إلى الوراء» بأقصى سرعة. وبالنسبة للبلدان في المركز الإمبريالي، فإن مرتبتها في النظام العالمي تضمن منافع لأكثرية كبيرة من سكانها. ومثل هذه المنافع هي التي تفسر على الأرجح «التأييد» السلبي لليبرالية السوق.

ومع ذلك، يبقى المستقبل مفتوحاً. وفي كثير من البلدان، المسرحية الانتخابية لا تلبي أي تطلعات للأغلبية الكبرى من المواطنين والعمال.

ولكن لا بد من ملاحظة أن تجربة العقود الثلاثة الأخيرة أثبتت بوضوح أن النضالات الاجتماعية لا تكفي بحد ذاتها لوقف الانحراف نحو اليمين وإعادة تثبيت دينامية التقدم الاجتماعي. فهذا يستلزم الذهاب إلى أبعد من استراتيجيات دفاعية، وابتكار مشروع إيجابي بديل يكون بحق اجتماعياً وديمقراطياً. 

ومشروع من هذا النوع لا بد، بالضرورة، أن يكون في إطار منظور أشمل وأبعد، منظور يتحدى النظام الإمبريالي العالمي وقاعدته التحتية النظام الأطلسي - الأوروبي. وشروط بروز مشروع واستراتيجيات ملازمة بهذه الضخامة لا بد أن تكون في قلب نقاشات والحوارات، في فرنسا، وأماكن أخرى من أوروبا والعالم.

* د. سمير أمين مفكر اقتصادي مصري 



إقرأ المزيد