زيد الحلي.. سيرة قلم واكب أجيال الصحافة – قتيبة الحميد
الزمان -

زيد الحلي.. سيرة قلم عراقي واكب أجيال الصحافة وحفظ ذاكرتها

 قتيبة الحميد

انطلاقاً من الوفاء لذاكرة العراق الثقافية والوطنية، تأتي هذه السيرة لتوثيق تجارب أعلامه وروّاده الذين تركوا بصماتهم في ميادين الصحافة والأدب والتاريخ والفكر، وأسهموا في تشكيل الوعي الثقافي والإعلامي عبر أجيال متعاقبة. ومن بين هذه الأسماء يبرز الكاتب والصحفي زيد الحلي، الذي ارتبطت تجربته بتاريخ الصحافة العراقية وتحولاتها، وجعل من الكلمة وسيلة للتعبير والتوثيق وحفظ الذاكرة، في مسيرة مهنية امتدت لأكثر من ستة عقود، تنقل خلالها بين العمل التحريري والمراسلة الصحفية والإدارة الإعلامية والكتابة الثقافية والفنية، فضلاً عن حضوره النقابي وإسهاماته في توثيق تاريخ المهنة.

ولد زيد عبيد عبود، المعروف باسمه الصحفي زيد الحلي، في مدينة الحلة بمحافظة بابل عام 1947، وانتقلت أسرته إلى بغداد في طفولته المبكرة، حيث استقر والده في جانب الكرخ وافتتح مطعماً معروفاً. وفي تلك البيئة بدأت ملامح اهتمامه بالصحافة تتشكل، إذ اعتاد مطالعة الصحف التي كان والده يجلبها إلى المطعم، متأملاً عناوينها وصورها وأخبارها، ومستكشفاً من خلالها عالماً واسعاً من الأحداث والحكايات. ولم يقتصر اهتمامه على المطالعة، بل امتد خلال سنوات الدراسة إلى المشاركة في مسابقات الخطابة المدرسية، الأمر الذي عزز علاقته بالكلمة والتعبير، وأيقظ داخله ميلاً مبكراً نحو الكتابة والإعلام، حتى تحولت الصحافة إلى شغف رافقه طوال حياته.

كانت البداية الصحفية الأولى من خلال جريدة «الفجر الجديد»، حين أتيحت له فرصة الاقتراب من العمل التحريري في مرحلة مبكرة من حياته، بعد أن قدمه والده إلى محرر رياضي في الصحيفة، فكُلّف بتزويدها بأخبار الملاعب الشعبية. وسرعان ما نُشر له أول خبر يحمل اسمه، لتكون تلك اللحظة بداية فعلية لعلاقة طويلة مع الصحافة. ومع حلول عام 1965، بدأت ممارسته المهنية بصورة منتظمة، فاتسعت تجربته وتعددت مجالات اهتمامه، مؤمناً بأن الصحفي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يتحمل مسؤولية الدقة والصدق والبحث عن الحقيقة.

وفي عمر مبكر، خاض تجربة المراسلة الفنية لإحدى المجلات اللبنانية، في خطوة فتحت أمامه أبواباً جديدة للتواصل مع المشهد الفني العربي. وقد قادته هذه التجربة إلى بيروت والقاهرة، حيث أجرى لقاءات مع عدد من أبرز الفنانين العرب، واطلع عن قرب على الحياة الفنية والثقافية في العاصمتين. ولم تكن تلك الرحلات مجرد انتقال بين البلدان، بل شكلت مدرسة مهنية أسهمت في صقل موهبته وتوسيع آفاقه، ومنحته خبرة مبكرة في فن الحوار والتغطية الصحفية والتواصل مع الشخصيات الإبداعية. كما ارتبطت بداياته بمحطة لافتة في تاريخ المهنة، إذ انتسب إلى نقابة الصحفيين العراقيين وهو في السابعة عشرة من عمره، ليكون من أصغر الصحفيين الذين نالوا عضويتها.

توزعت تجربته المهنية بين عدد من الصحف العراقية، من بينها «العرب» و«الشعب» و«الحرية» و«الثورة»، وهي محطات أتاحت له الاحتكاك بمدارس تحريرية مختلفة، وأسهمت في بناء خبرته الصحفية وتطوير أدواته المهنية. وفي جريدة «العرب» البغدادية، تولى الإشراف على صفحة الفنون، حيث عمل على تقديم الحركة الفنية العراقية ومتابعة المبدعين والاقتراب من تجاربهم الإنسانية والإبداعية، معتمداً أسلوباً صحفياً يجمع بين المعلومة والتحليل والاهتمام بالتفاصيل. وقد آمن بأن الصحافة الفنية ليست مساحة للأخبار العابرة، بل منبر ثقافي يسهم في تشكيل الذائقة العامة، ويمنح الفنانين والمثقفين فرصة أوسع للتعريف بمنجزاتهم وحفظ أثرهم في الذاكرة الوطنية.

ولم يقتصر حضوره على الكتابة والإشراف على الصفحات، بل انتقل إلى مواقع المسؤولية التحريرية، حيث ساهم في تحرير العدد الأسبوعي لجريدة «الثورة» البغدادية، ثم تولى رئاسة تحريره خلال المدة من عام 1980 إلى عام 1985. كما تولى رئاسة تحرير مجلة «وعي العمال» بين عامي 1985 و1988، في تجربة أضافت إلى مسيرته خبرة إدارية وتحريرية، ومكنته من التعامل مع قضايا الصحافة من موقع المسؤولية عن المحتوى والتوجه التحريري. وقد عكست هذه المحطات تنوع تجربته وقدرته على الجمع بين الكتابة والعمل الإشرافي والإدارة الصحفية.

واتسعت دائرة حضوره المهني لتتجاوز الصحافة المحلية، إذ راسل صحيفة «الأهرام» المصرية وصحيفة «الوطن» الكويتية، في تجربة عززت ارتباطه بالمشهد الصحفي العربي، وأتاحت له نقل الأحداث والتطورات العراقية إلى قراء خارج حدود الوطن. كما شارك في تغطية أحداث ومؤتمرات عربية ودولية مهمة، من بينها مؤتمر قمة حركة عدم الانحياز في كوبا أواخر سبعينيات القرن الماضي، والقمة العربية التي عقدت في الأردن عام 1980. وقد شكلت هذه المشاركات محطات مهمة في تجربته الميدانية، لما أتاحته من فرصة لمتابعة القضايا الدولية والعربية من مواقع الحدث، والتواصل مع شخصيات سياسية وإعلامية وثقافية متعددة.

وحرص على تطوير قدراته المهنية إلى جانب الخبرة التي اكتسبها من العمل اليومي، فحصل على ثلاثة دبلومات في الصحافة من مؤسسات تدريبية عربية وأوروبية. كانت الأولى من معهد اتحاد الصحفيين العرب في القاهرة عام 1976، والثانية من كلية التضامن في بودابست بالمجر عام 1986، أما الثالثة فكانت من معهد يوليوس فوجم في براغ عام 1990. وقد أضافت هذه التجارب التدريبية إلى رصيده المهني معرفة بأساليب العمل الصحفي ومدارسه المختلفة، وعززت قدرته على مواكبة التطورات التي شهدتها الصحافة في العالم.

وإلى جانب نشاطه التحريري، كان له حضور في العمل النقابي، إذ انتُخب عضواً في مجلس نقابة الصحفيين العراقيين لست دورات، خلال المدة الممتدة من عام 1986 إلى عام 1993. وقد أتاح له هذا الموقع متابعة شؤون الصحفيين وقضايا المهنة والمشاركة في المسؤوليات النقابية، مستنداً إلى خبرة طويلة في العمل الصحفي ومعرفة بتحدياته ومتطلباته. وشكلت هذه التجربة امتداداً طبيعياً لاهتمامه بالمهنة، فلم يكن حضوره مقتصراً على ما يكتبه وينشره، بل شمل أيضاً العمل من أجل الأسرة الصحفية ومؤسساتها.

وفي مرحلة لاحقة من تجربته المهنية، تولى رئاسة تحرير صحيفة «بغداد» خلال المدة من عام 2005 حتى عام 2007، وهي محطة مهمة جاءت في مرحلة شهد فيها العراق تحولات كبيرة على المستويين السياسي والإعلامي. ومن خلال هذا الموقع، واصل ممارسة دوره في إدارة العمل الصحفي وتوجيه المحتوى التحريري، مستفيداً من خبرته الطويلة في الصحافة العراقية وتعامله مع مختلف الأجيال والمدارس المهنية.

ولم تتوقف علاقته بالكتابة عند المناصب التحريرية أو المسؤوليات النقابية، بل واصل حضوره في الصحافة المكتوبة، إذ يكتب في صحيفة «الزمان» الدولية منذ عام 2008، متابعاً القضايا الثقافية والاجتماعية والفنية، ومعبراً عن رؤيته للأحداث والتحولات. كما يعد أحد كتّاب موقع «الگاردينيا»، الذي يتيح له مساحة لاستعادة الذاكرة والتأمل في تجارب الصحافة والثقافة والحياة العراقية. ويعكس هذا الاستمرار أن علاقته بالكلمة لم تكن مرتبطة بموقع وظيفي أو منصب مهني، بل ظلت جزءاً أصيلاً من هويته الصحفية.

وإلى جانب عمله الصحفي، اتجه إلى التأليف والتوثيق، فأصدر أربعة كتب هي «خمسون عاماً في الصحافة»، و«السنين إن حكت»، و«مقالات في الصحافة والثقافة والفنون والحياة»، و«فم مفتوح.. فم مغلق»، الذي يضم مجموعة من أعمدته الصحفية المنشورة في صحيفة «الزمان» الدولية. وتكشف هذه المؤلفات عن اهتمامه بتسجيل التجربة المهنية واستعادة المحطات التي عاصرها، فضلاً عن توثيق جوانب من الحياة الثقافية والفنية والاجتماعية العراقية، لتشكل بمجملها سجلاً لتجربة صحفية غنية امتدت لأكثر من ستة عقود، ونافذة تطل على ذاكرة المهنة وتحولاتها وأعلامها.

وقد عاصر مراحل متباينة من تاريخ العراق الحديث، وشهد انعكاس التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية على الحياة الصحفية والإعلامية، بدءاً من التحولات التي أعقبت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، مروراً بالمراحل السياسية اللاحقة، وصولاً إلى التغيرات التي طرأت على المشهد الإعلامي العراقي. ولم تكن كتاباته بعيدة عن تلك التحولات، بل ظلت متصلة بنبض المجتمع، تتناول قضاياه وتتابع شؤونه وترصد ما يطرأ على الحياة العامة من تغيرات. وقد آمن بأن الصحافة ليست مجرد وسيلة لملاحقة الأخبار، وإنما أداة لفهم الزمن وتوثيق الأحداث وقراءة المجتمع، وأن الصحفي الحقيقي هو من يستطيع أن يترك وراءه أثراً يتجاوز حدود اللحظة التي يكتب فيها.

إن استعادة هذه التجربة ليست مجرد استعراض لمحطات مهنية متعاقبة، بل هي استحضار لمسيرة صحفي اختار الكلمة منذ سنواته الأولى، وظل وفياً لها عبر عقود طويلة. فمن الحلة إلى بغداد، ومن أول خبر في «الفجر الجديد» إلى العمل في «العرب» و«الثورة» و«الشعب» و«الحرية»، ومن رئاسة تحرير المجلات والصحف إلى المراسلة العربية وتغطية القمم والمؤتمرات، ومن المسؤولية النقابية إلى التأليف والتوثيق، امتدت رحلة غنية بالتجارب واللقاءات والشواهد. لقد عاصر أجيالاً من الصحفيين والفنانين والمثقفين، وواكب مراحل مفصلية من تاريخ العراق الحديث، وظل حاضراً بقلمه وكتاباته واهتمامه بالشأن الثقافي والإعلامي. وبعد أكثر من ستة عقود من الممارسة الصحفية، تبقى سيرته شاهداً على قيمة الإخلاص للكلمة، وعلى دور الصحفي في حفظ الذاكرة الوطنية، لتظل تجربته جزءاً من تاريخ الصحافة العراقية، وحكاية قلم آمن بأن المهنة لا تُقاس بعدد السنوات وحدها، بل بما تتركه من أثر في ذاكرة الناس والأجيال.



إقرأ المزيد