الزمان - 11/4/2026 12:22:03 AM - GMT (+3 )
فارس الخطاب
ثمة حقيقة تكاد تغيب عن كثير من القراءات السياسية للصراع في الشرق الأوسط، وهي أن الدول لا تُهزم دائماً عند حدودها، ولا تسقط بالضرورة تحت وطأة الجيوش الغازية، بل قد تبدأ هزيمتها من داخلها، حين تتحول تناقضاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى منافذ مفتوحة أمام الآخرين؛ فالدولة التي تعجز عن إدارة اختلافاتها، أو احتكار قرارها السيادي أو حماية اقتصادها من الارتهان، تصبح حدودها الحقيقية أعمق بكثير من الخطوط المرسومة على الخرائط.
في سبعينيات القرن الماضي، وفي سياق الصراع الدولي على المناطق المحيطة بالاتحاد السوفيتي، ولا سيما تلك الممتدة عبر جنوب غرب آسيا، ارتبط اسم مستشار الأمن القومي الأميركي, زبيغنيو بريجنسكي, بمفهوم “قوس الأزمات” والتي عُرفت بمفهوم “الخاصرة الرخوة”، غير أن التحولات اللاحقة في الشرق الأوسط أفرزت لنا استعادة الفكرة من زاوية مختلفة حيث لم تعد الخاصرة الرخوة مجرد موقع جغرافي قابل للاختراق، بل أصبحت تعبيراً عن مواطن الضعف البنيوي داخل الدول، وعن قدرة القوى الخارجية على تحويل هذه المواطن إلى أدوات نفوذ وتأثير.
وإذا كانت القراءة التقليدية تنشغل بتحديد الدول الضعيفة التي تتعرض للاختراق، فإن قراءة أعمق تقتضي البحث أيضاً عن نقاط الضعف لدى القوى التي تمارس الاختراق نفسه. فإيران، وإسرائيل، وتركيا، على تفاوت قدراتها ومشروعاتها، ليست قوى محصنة ضد التناقضات الداخلية أو الاستنزاف الاستراتيجي. وقد تكون بعض مصادر قوتها الراهنة هي ذاتها مصادر هشاشتها المستقبلية.
بالنسبة للعراق فهو يحتل موقعاً استثنائياً في خريطة الصراع الإقليمي، ليس لأنه دولة تعاني اختلالات سياسية وأمنية واقتصادية فحسب، بل لأنه يقع عند تقاطع مشاريع استراتيجية متنافسة، تتجاوز حدوده لتشمل إيران وتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة، وصولاً إلى الحسابات الأمنية الإسرائيلية. وهنا تكمن خصوصية الحالة العراقية فالعراق ليس مجرد دولة تتعرض للتأثير الخارجي، وإنما ساحة يمكن أن تتحول فيها تناقضات القوى الإقليمية والدولية إلى صراعات داخلية، كما يمكن أن تتحول أزماته الداخلية إلى مصادر تهديد لمصالح تلك القوى نفسها.
لقد أنتج النظام السياسي العراقي الذي تشكل بعد عام 2003 بيئة تتداخل فيها السلطات الدستورية مع مراكز نفوذ حزبية ومسلحة واقتصادية، حتى باتت الدولة، في بعض مفاصلها، ساحة للتنافس على السلطة والموارد أكثر من كونها إطاراً جامعاً لإدارة المصالح الوطنية. وتكمن خطورة هذه الحالة في أن الاختراق الخارجي لا يحتاج دائماً إلى فرض إرادته بالقوة، ما دامت الانقسامات الداخلية تتيح له شركاء محليين، أو أدوات ضغط، أو مصالح متشابكة يصعب فصلها عن القرار السياسي. ومع ذلك، فإن اختزال العراق في صورة الدولة التابعة أو العاجزة سيكون خطأً تحليلياً؛ فهو يمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، وثروة نفطية كبيرة، وعمقاً بشرياً وحضارياً، وعلاقات متشعبة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي، لكن هذه المقومات لا تتحول تلقائياً إلى قوة استراتيجية ما لم تتوافر مؤسسات قادرة على توحيد القرار الوطني. وهنا تكمن المفارقة العراقية أي أن ما يملكه من عناصر القوة لا يزال أقل تأثيراً مما ينبغي في صناعة قراره المستقل. غير أن القراءة الأكثر عمقاً للموقع العراقي تبدأ عندما نثير السؤال الأهم: هل العراق خاصرة رخوة للقوى المتنافسة، أم أن هذه القوى نفسها تجد فيه نقاط ضعف يمكن أن تتعرض منها للاستنزاف؟
بالنسبة إلى إيران، يمثل العراق عمقاً جغرافياً واقتصادياً وسياسياً بالغ الأهمية؛ فهو سوق تجارية، ومجال للتواصل الإقليمي، وساحة نفوذ ترتبط فيها المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، لكن هذا النفوذ يحمل تناقضاً داخلياً؛ فكلما ازداد ارتباط طهران بمراكز القوة العراقية، ازدادت احتمالات تأثرها بصراعات تلك المراكز وبالرفض الداخلي لأي نفوذ خارجي يتجاوز حدود العلاقات الطبيعية بين الدول.
أما تركيا، فإن العراق يمثل امتداداً لمعادلتها الأمنية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وفرصة اقتصادية واستراتيجية تتصل بالتجارة والطاقة ومشروع طريق التنمية، غير أن استمرار التوترات الأمنية، وتعقيدات العلاقة بين بغداد وأربيل، والتباينات بين المصالح التركية والإيرانية، تجعل العراق ساحة يمكن أن تختبر حدود القدرة التركية على الجمع بين النفوذ والاستقرار.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد كشف العراق منذ عام 2003حدود العلاقة بين التفوق العسكري والقدرة على بناء نظام سياسي مستقر؛ فالنفوذ الأميركي، مهما امتلك من أدوات دبلوماسية واقتصادية وأمنية، يبقى معرضاً للتحدي عندما تتداخل مؤسسات الدولة مع قوى سياسية ومسلحة ذات ارتباطات إقليمية متعارضة مع المصالح الأميركية.
أما إسرائيل، فلا تمتلك في العراق نفوذاً مباشراً يماثل نفوذ القوى الأخرى، لكنها تنظر إلى بعض الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وإلى احتمالات استخدام الأراضي العراقية في المواجهات الإقليمية، باعتبارها جزءاً من حساباتها الأمنية، وهكذا يصبح العراق، حتى من دون أن يكون طرفاً مباشراً في الصراع، معرضاً لتداعياته، هذه الصورة تكشف حقيقة استراتيجية بالغة الأهمية مفادها أن العراق الذي تتنافس القوى على النفوذ فيه يمكن أن يتحول إلى مصدر استنزاف لها جميعاً، لأن السيطرة على بعض أدوات التأثير داخله لا تعني السيطرة على مجمل تفاعلاته السياسية والاجتماعية والأمنية.
الخطر الأكبر في هذا كله يكمن في أن يدفع العراقيون ثمن هذا التنافس، فيما تتحول موارد دولتهم ومؤسساتها وأمنهم اليومي إلى عناصر في حسابات الآخرين. ولعل المعضلة الأكثر حساسية تتمثل في التناقض بين إعلان الدولة العراقية رغبتها في تجنب الحروب الإقليمية، وبين وجود قوى مسلحة قد تتخذ مواقف وقرارات عسكرية تضع البلاد أمام تداعيات لم تقررها مؤسساتها الدستورية.
ولا تقتصر الخواصر العراقية على السلاح والانقسام السياسي، فهناك اعتماد مالي كبير على الإيرادات النفطية، وتحديات في الكهرباء والمياه وفرص العمل، وخلافات متكررة بين بغداد وأربيل بشأن الصلاحيات والموارد، فضلاً عن الفساد وضعف بعض المؤسسات الخدمية والرقابية. وهذه كلها منافذ يمكن أن تتحول من مشكلات داخلية إلى أدوات ضغط خارجية.
إن العلاقة بين بغداد وأربيل، على وجه الخصوص، ليست شأناً إدارياً أو مالياً محضاً، بل جزء من معادلة الأمن الوطني العراقي؛ فكلما تعثرت التسويات الدستورية والمؤسسية بين الطرفين، اتسعت فرص تدخل القوى الإقليمية في ملفات الطاقة، والحدود، والأمن والتجارة. وعليه، فإن معالجة الخواصر الرخوة للعراق لا تبدأ من بناء التحصينات العسكرية وحدها، بل من إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين السلطة والقانون، وبين الحكومة ومراكز القوة، وبين بغداد وأربيل على أساس الدستور والمصالح المشتركة.
إن العراق الذي تتنافس القوى على استثمار ضعفه يستطيع، إذا استعاد تماسك مؤسساته واستقلال قراره، أن يحوّل موقعه من ساحة صراع إلى مساحة توازن إقليمي.
وهنا ينتقل السؤال من كيفية حماية العراق من صراعات الآخرين إلى كيفية تحويل قوته الكامنة إلى عنصر استقرار في الشرق الأوسط.
لعل التجربة الإيرانية تقدم أحد أبرز الأمثلة على التناقض بين التمدد الإقليمي والقدرة على تحمّل تكاليفها، فقد بنت طهران، على مدى عقود، شبكة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة والارتباطات السياسية في العراق ولبنان وسوريا واليمن، أتاحت لها ممارسة نفوذ يتجاوز حدودها، ومنحتها أدوات ردع وضغط في مواجهة خصومها. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها معضلة يصعب تجاهلها؛ فكلما اتسعت شبكة النفوذ، اتسعت معها الالتزامات السياسية والعسكرية والمالية، وازدادت احتمالات انتقال أزمات الحلفاء إلى مركز القرار الإيراني.
الخاصرة الإيرانية الأشد حساسية، قد تكون داخلية أكثر منها خارجية فالضغوط الاقتصادية، والعقوبات، والتحديات الاجتماعية، والتباينات بين أولويات الدولة ومقتضيات المشروع الإقليمي. وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي المهم: هل تستطيع إيران المحافظة على نفوذ واسع خارج حدودها إذا كانت كلفة هذا النفوذ تتزايد على حساب حاجاتها الداخلية؟ والجواب ربما كشفته الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل حيث أن قدرة إيران على الصمود وإلحاق الضرر بخصومها لا تعني بالضرورة قدرتها على تحقيق الاستقرار أو الإفلات من الاستنزاف.
في الجهة الأخرى تبدو إسرائيل، في الحسابات العسكرية التقليدية، إحدى أكثر القوى الإقليمية تفوقاً من حيث التكنولوجيا والاستخبارات والقدرات الجوية، فضلاً عن ارتباطها الاستراتيجي بالولايات المتحدة. لكن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج بيئة أمنية مستقرة، وهنا تبرز الخاصرة الإسرائيلية حيث الفجوة بين القدرة على توجيه الضربات العسكرية والقدرة على تحويل نتائجها إلى تسويات سياسية مستدامة؛ فالحروب الممتدة، والتعبئة العسكرية المتكررة، والانقسامات الداخلية، وتعقيدات القضية الفلسطينية، كلها عوامل تضع حدوداً لما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه. كما أثبتت التجربة أن تدمير البنية العسكرية لخصم لا يعني بالضرورة القضاء على دوافع الصراع، وأن السيطرة على الأرض لا تعادل بالضرورة السيطرة على المستقبل، وبدا ذلك واضحاً مع اتساع المواجهة من غزة ولبنان إلى إيران، ومع احتمال تحول التنافس مع تركيا إلى عنصر إضافي في معادلة الأمن الإقليمي.
إن الخطر الاستراتيجي على إسرائيل لا يكمن حصراً في قدرات خصومها العسكرية، بل أيضاً في احتمال أن تصبح الحروب المتكررة شرطاً دائماً للمحافظة على أمنها.
تركيا التي تتحرك في الشرق الأوسط انطلاقاً من موقع جغرافي استثنائي، وقاعدة صناعية وعسكرية متنامية، وقدرة على التأثير في ملفات تمتد من البحر الأسود إلى سوريا والعراق وشرق المتوسط.
وقد منحتها التحولات السورية فرصاً جديدة لتوسيع نفوذها، بينما فتحت العلاقات الاقتصادية والأمنية مع العراق مجالات إضافية لتعزيز حضورها الإقليمي. غير أن الطموح التركي يصطدم بثلاثة تحديات مترابط؛ المسألة الكردية بتعقيداتها الداخلية والعابرة للحدود، الهشاشة الاقتصادية، وصعوبة الموازنة بين التحالف مع الغرب والرغبة في استقلال القرار الاستراتيجي.
وتكمن حساسية الوضع التركي في أن بعض الأدوات التي تستخدمها أنقرة لتعزيز أمنها خارج الحدود قد تعيد إنتاج المخاوف الأمنية داخلها، خصوصاً عندما تتحول المناطق المجاورة إلى ساحات تنافس طويل الأمد. كما أن اتساع الدور التركي في سوريا والعراق لا يمنح أنقرة بالضرورة قدرة مطلقة على توجيه مسارات البلدين؛ فهناك قوى محلية وإقليمية ودولية تتقاطع مصالحها مع المصالح التركية أحياناً وتتصادم معها أحياناً أخرى. وهكذا، فإن الخاصرة التركية ليست ضعفاً في أدوات القوة، وإنما في احتمال اتساع الفجوة بين الطموحات الإقليمية والموارد اللازمة لاستدامتها.
سوريا ولبنان واليمن تختلف الوقائع السياسية والتاريخية فيها، لكن ثمة قاسماً مشتركاً يتمثل في تراجع قدرة المؤسسات الوطنية على ضبط التنافس المسلح والتدخلات الخارجية؛ فسوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد، تواجه تحدياً يتجاوز تغيير السلطة إلى إعادة بناء الدولة، وتوحيد المؤسسات الأمنية، ومعالجة الانقسامات المجتمعية، وإقامة علاقات متوازنة مع القوى المتنافسة على أراضيها.
أما لبنان، فتتمثل معضلته في التناقض المزمن بين مؤسسات الدولة ووجود قوة مسلحة ذات ارتباطات إقليمية وهو “حزب الله”، وفي اقتصاد أضعفته الأزمات المتراكمة، حتى باتت قرارات الحرب والسلم جزءاً من صراع أوسع من الحدود اللبنانية.
وفي اليمن، أدت سنوات الحرب والانقسام إلى نشوء مراكز سلطة متنافسة، فيما جعل الموقع المطل على البحر الأحمر وباب المندب من الصراع الداخلي قضية ترتبط مباشرة بأمن التجارة والملاحة الدوليين. لكن هذا الموقع الجغرافي الذي كان يفترض أن يمنح اليمن فرصاً اقتصادية واستراتيجية أصبح، في ظل ضعف المؤسسات، وتدخلات إقليمية بشؤونه مصدراً إضافياً للمخاطر.
دول الخليج لديها خواصر استراتيجية حساسة؛ فموقع الخليج في قلب منظومة الطاقة العالمية، واعتماد اقتصادات عديدة فيه ساهمت في استقرار الممرات البحرية، لكن قربه من بؤر المواجهة العسكرية، تجعله عرضةً لتداعيات صراعات لا يكون بالضرورة طرفاً في إشعالها، وقد أبرزت حرب عام 2026 ذلك بوضوح تام، بحيث اضطراب الملاحة وإنتاج الطاقة وسلاسل الإمداد يمكن أن ينقل كلفة المواجهات العسكرية بسرعة إلى الاقتصادات الإقليمية والعالمية. لذلك فإن مستقبل الأمن الخليجي لا يرتبط حصراً بتعزيز التسليح والتحالفات العسكرية، وإنما أيضاً بقدرة دول المنطقة على بناء ترتيبات سياسية تقلص احتمالات الحرب، وتحمي استقلال قرارها، وتمنع تحويل أراضيها ومياهها إلى ساحات لتصفية الحسابات.
نأتي الآن إلى الولايات المتحدة التي يبدو غريباً إدراجها ضمن القوى التي تمتلك خواصر رخوة في الشرق الأوسط، لكنها رغم تفوقها العسكري والاقتصادي، ليست بمنأى عن حدود القوة؛ فواشنطن تستطيع توجيه ضربات عسكرية واسعة، وفرض عقوبات، وتقديم ضمانات أمنية لحلفائها، لكنها لا تستطيع دائماً تحويل هذا التفوق إلى نظام إقليمي مستقر يحظى بالقبول. وتتمثل إحدى معضلات واشنطن في التناقض بين الرغبة في تقليص الأعباء العسكرية الخارجية والحاجة إلى المحافظة على نفوذها في منطقة تتصل بأمن الطاقة والملاحة والتوازنات الدولية. كما أن التزاماتها تجاه إسرائيل، وعلاقاتها الاستراتيجية بدول الخليج، ومواجهتها مع إيران، تفرض عليها أحياناً أهدافاً يصعب التوفيق بينها، فالحرب التي تستهدف إضعاف خصم قد تؤدي إلى إرباك حليف، والضغط العسكري الذي يحقق مكسباً تكتيكياً قد ينتج أزمة سياسية طويلة الأمد. ومن هنا، فإن الخاصرة الأميركية ليست نقصاً في القوة، بل في محدودية قدرة القوة على فرض النتائج السياسية المرغوبة.
مما تقدم نخلص إلى سؤال مركزي مفاده من يستثمر الخواصر الرخوة، ومن يصنعها؟
لقد اعتدنا النظر إلى التدخلات الخارجية بوصفها استغلالاً لأزمات قائمة، لكن التجارب الإقليمية تكشف أن بعض القوى لا تكتفي باستثمار الانقسامات، بل تسهم في تعميقها، أو المحافظة عليها، عندما تخدم مصالحها الاستراتيجية. فإضعاف الدولة المركزية قد يتيح لقوة خارجية نفوذاً لا تستطيع الحصول عليه في ظل دولة موحدة ومستقرة. وإدامة الصراع بين المكونات السياسية والاجتماعية قد تجعل الحاجة إلى الحماية الخارجية جزءاً من معادلة الحكم.
من الضروري هنا التمييز بين التدخل الذي يستغل هشاشة قائمة، والسياسات التي تسهم فعلياً في إنتاج تلك الهشاشة، وبين الادعاء بوجود مخطط شامل يقف وراء كل أزمة، فليس كل انهيار نتيجة مؤامرة، كما أن الصراعات الداخلية لا تعفي القوى الخارجية من مسؤولية أفعالها. في المقابل، لا يجوز إعفاء النخب الحاكمة من مسؤوليتها عن فتح الأبواب أمام التدخلات، حين تقدم المصالح الحزبية والفئوية على المصالح الوطنية، أو تجعل استمرارها في السلطة مرهوناً بالدعم الخارجي.
إن أخطر ما تواجهه دول الشرق الأوسط ليس التدخل الأجنبي وحده، وإنما نشوء مصالح داخلية تستفيد من استمرار هذا التدخل، وتجد في ضعف الدولة ضمانة لبقائها. عند هذه النقطة، لا تعود الخاصرة الرخوة مجرد ثغرة أمنية، بل تتحول إلى نظام مصالح يقاوم محاولات الإصلاح، لأنه يستمد وجوده من استمرار الضعف.
إن التحولات التي يشهدها الإقليم تكشف عن صراع مفتوح لتحديد قواعد الشرق الأوسط وموازين القوى داخله، فإيران تسعى إلى المحافظة على نفوذها وقدرتها على الردع، وإسرائيل تحاول ترجمة تفوقها العسكري إلى ترتيبات أمنية أوسع، وتركيا تعمل على تثبيت دورها الإقليمي، بينما تسعى الدول العربية إلى حماية أمنها ومصالحها وسط تنافس تتداخل فيه التهديدات والفرص.
وفي قلب هذه المعادلة يقف العراق، الذي تكشف تجربته أن امتلاك الموارد والموقع الاستراتيجي لا يكفي لبناء القوة، وأن استعادة القرار الوطني لا تتحقق بمجرد انسحاب القوات الأجنبية، وإنما بقدرة الدولة على إخضاع السلاح للقانون، وتوحيد مؤسساتها، وإدارة علاقاتها الخارجية من موقع السيادة والمصلحة الوطنية.
فانسحاب القوات الأميركية في سبتمبر 2026 فتح مرحلة جديدة في العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، لكنه لم يحسم بمفرده مسألة احتكار الدولة للقوة أو مستقبل التنافس الإقليمي على الأراضي العراقية، كما تكشف الأزمة الاقتصادية وجهاً آخر لهشاشة الدولة العراقية؛ إذ تعتمد المالية العامة بصورة كبيرة على النفط، بينما أبرز اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز أهمية تنويع منافذ التصدير والتوصل إلى تفاهمات مستدامة بين بغداد وأربيل.
إن الأمن الحقيقي لا يبدأ عند الحدود، وإنما يبدأ من شرعية المؤسسات، وعدالة توزيع الموارد، واحترام المواطنة، ووحدة القرار السيادي. فالدولة المتماسكة تستطيع التفاوض مع القوى الكبرى من موقع المصالح، أما الدولة المنقسمة فتتحول غالباً إلى موضوع للتفاوض بين الآخرين.
وفي إقليم تتزاحم فيه المشاريع الاستراتيجية يكون من المهم أن نعرف من يمتلك القدرة على منع تحول نقاط ضعفه إلى أدوات في أيدي خصومه؟ وإن أخطر الخواصر الرخوة ليست تلك التي يعرفها الأعداء، بل تلك التي تعرفها الحكومات، وتدرك مخاطرها، ثم تتركها مفتوحة.
إقرأ المزيد


