الحرب تقطع شرياناً تجارياً بين إيران والإمارات وتضع مليارات الدولارات أمام اختبار هرمز
هذا اليوم -

شفق نيوز- ترجمة خاصة

دفعت الحرب والتوترالمتصاعد في الخليج العلاقات الاقتصادية بين إيران والإمارات إلى واحدة من أصعبمراحلها، بعدما أعلنت أبوظبي وقف جميع المبادلات التجارية والمعاملات المالية معطهران حتى إشعار آخر، في خطوة قد تضرب أحد أهم الشرايين التي اعتمد عليها الاقتصادالإيراني طوال سنوات العقوبات.

وجاء القرار الإماراتيبعد إعلان وزارة الدفاع الإماراتية، مساء الثلاثاء 18 آب/أغسطس 2026، رصد صاروخينباليستيين أُطلقا من إيران، قالت إن أحدهما سقط خارج المياه الإقليمية والآخر داخلالمياه الإماراتية، وإن التقديرات تشير إلى أن الصاروخين استهدفا سفناً تعبر مضيقهرمز، وبعد ساعات، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية وقف التجارة والمعاملاتالمالية مع إيران.

ورفضت طهران الروايةالإماراتية، حيث وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الاتهام بأنه"ادعاء لا أساس له"، معتبراً أن "هذا السلوك الإماراتي يخالف مبدأحسن الجوار ويعرقل الجهود الجارية لبناء الثقة بين دول المنطقة ومنع تفاقم انعدامالأمن فيها".

شريك يصعب استبداله

يأتي القرار الإماراتيليضع علامة استفهام كبيرة على مستقبل علاقة اقتصادية تحوّلت، خلال سنوات العقوبات،إلى واحدة من أهم بوابات إيران نحو الأسواق العالمية والنظام المالي الدولي.

فوفق بيانات الجماركالإيرانية، تصدّرت الإمارات خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الإيرانية 1404،الممتدة بين آذار/مارس وكانون الأول/ديسمبر 2025، قائمة المصدّرين إلى إيران بقيمة13.533 مليار دولار، أي أكثر من ثلث واردات البلاد، متجاوزةً الصين التي جاءتثانية بـ12.108 مليار دولار وحصة بلغت 27.4 في المئة.

وتستحوذ الإمارات علىأكثر من 30 في المئة من إجمالي التجارة الإيرانية، فيما تتجه نحو 13 في المئة منالصادرات الإيرانية إليها.

لكن أهمية الإمارات لمتقتصر على تجارة السلع، إذ تحولت إلى المركز المالي والنقدي الأبرز للتجارةالخارجية الإيرانية، وتشير تقديرات إلى أن نحو 80 في المئة من العملة الصعبةاللازمة للواردات الإيرانية كانت تُؤمَّن عبر سوق الدرهم.

وفي كثير من الصفقات،كان اليوان الصيني يُحوَّل أولاً إلى الدرهم في الإمارات، ثم إلى الدولار أو عملاتأخرى.

كما شكّلت شركاتإيرانية أو مرتبطة بإيرانيين، مسجّلة في دبي والمناطق الحرة، شبكة واسعة منالوسطاء ومكاتب الصرافة وخدمات الشحن والتمويل التجاري، لعبت دوراً محورياً فيالالتفاف على العقوبات عبر إعادة التصدير.

وكان جزء كبير منالبضائع المتجهة إلى إيران يُفرغ أولاً في ميناء جبل علي قبل نقله إلى الموانئالإيرانية.

ويقول فرشيد فرزانغان،الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية-الإماراتية، في تقرير لـ"صحيفة شرق"، الإيرانيوترجمته وكالة شفق نيوز، إن اضطراب العلاقات بين البلدين "مكلف جداً"،لأن استبدال الإمارات ليس سهلاً ويحمّل الاقتصاد الإيراني أعباء إضافية.

ويضرب مثالاً ملموساً،إذ كانت كلفة نقل حاوية واحدة من الإمارات إلى إيران تبلغ نحو أربعة آلاف دولارقبل الحرب، وارتفعت إلى نحو ثمانية آلاف دولار بعدها وفي ظل الاضطراب في مضيقهرمز.

ويضيف أن طهران لجأتإلى ميناء مرسين التركي بديلاً عن جبل علي، غير أن كلفة نقل الحاوية عبره تبلغ نحوعشرة آلاف دولار، ما يعني أن الطريق الإماراتي يبقى أقل كلفة رغم مخاطر الحرب.

ويرى فرزانغان أنالكلفة ليست أحادية الاتجاه، إذ تتكبد الإمارات بدورها خسائر جراء تراجع قطاعالسياحة وحجم الاستثمارات الإيرانية لديها، مؤكداً أن "مصالح البلدين متشابكةإلى حد يصعب معه على أي طرف إنكارها"، وداعياً إلى مراجعة العلاقة والتهيئةلتسوية.

في المقابل، يحذر منالوجه الآخر للمعادلة المتمثل في تركّز الشركاء التجاريين. فبحسب التقاريرالجمركية، تراجع عدد الدول التي تستوعب نحو 80 في المئة من الصادرات الإيرانية من21 دولة عام 1383 الإيراني، الموافق 2004، إلى سبع دول فقط عام 1402، الموافق2023.

إشارات متناقضة

جاء القرار الإماراتيبعد أشهر من الأنباء المتضاربة عن مسار العلاقة.

فخلال الحرب، استدعتأبوظبي سفيرها وأغلقت مستشفى ومدارس إيرانية على أراضيها، وألغت على نطاق واسعتصاريح إقامة إيرانيين.

فيما قالت طهران إنضرباتها استهدفت قواعد عسكرية أميركية على الأراضي الإماراتية، متهمةً أبوظبيبمخالفة مبادئ حسن الجوار.

لكن مع توقيع التفاهمالأميركي-الإيراني لستين يوماً، ظهرت مؤشرات تهدئة.

ونقلت"رويترز"، وفق التقرير الإيراني، عن مصادر أن الإمارات وافقت على إتاحةمليارات الدولارات لإيران، وتحدث مصدران عن عشرة مليارات دولار، فيما تحدث مصدرانآخران عن عشرين ملياراً.

كما رصدت مواقع تتبعالطيران هبوط طائرات إماراتية في مطار مهرآباد، ما أثار تكهنات بشأن نقل أموالنقدية، غير أن أبوظبي نفت الإفراج عن أي أصول إيرانية مجمدة أو تسهيل تحويلاتمالية إلى طهران.

وفي 16 حزيران/يونيو،أعلنت وكالة "فارس" استئناف دخول السفن الخشبية الإيرانية إلى ثلاثةمرافئ في دبي هي رصيف ديرة وميناء الحمرية وسوق الواجهة البحرية، بعد تعميم رسميحدد شروطاً ووثائق جديدة.

وفي 27 حزيران/يونيو،نقلت وكالة "إرنا" عن محمد صادق قنادزاده، معاون الخدمات التجارية فيمنظمة تنمية التجارة الإيرانية، إعادة تفعيل المبادلات عبر ميناء جبل علي، مشيراًإلى تكدس حاويات إيرانية هناك خلال الحرب وبدء تخليصها مع عودة الهدوء النسبي.

وبالتوازي، تكررتالأنباء عن احتجاز ناقلات إماراتية أو استهدافها في مضيق هرمز، فيما لجأت دولخليجية إلى تكتيكات لتجاوز القيود المفروضة على الملاحة، لا تقتصر على استخدامأنابيب نقل النفط البرية.

وذكرت"بلومبرغ"، بحسب التقرير، أن شركة بترول أبوظبي الوطنية"أدنوك" استخدمت ناقلات لنقل الغاز الطبيعي المسال مع إطفاء أنظمةالتتبع "اي آي اس" أثناء عبور مضيق هرمز تفادياً للرصد، بما يسمحباستمرار الصادرات من جزيرة داس، وهو أسلوب قال التقرير إن السعودية استخدمتهسابقاً.

ومع تعليق هذا الشريانالتجاري والمالي، تجد طهران نفسها أمام معادلة مكلفة، بدائل أبعد وأعلى كلفة،وشريك يصعب استبداله، في وقت لا تبدو فيه ملامح مخرج سياسي واضحة.



إقرأ المزيد