هذا اليوم - 8/15/2026 7:58:26 PM - GMT (+3 )
أربيل – واع – إيفان ناصر
يواصل متحف أربيل التربوي ترسيخ حضوره بوصفه صرحاً ثقافياً وتاريخياً متفرداً في المشهد العراقي، كونه المتحف التربوي الأول والوحيد من نوعه في البلاد حتى الآن، ويجسد هذا المعلم تجربة استثنائية توثق مسيرة التعليم، وتحفظ ذاكرة أجيال متعاقبة أسهمت بفاعلية في بناء المنظومة التعليمية وتطويرها على مر العقود.
ويختزن المتحف بين جدرانه العتيقة مراحل مفصلية من تاريخ نشأة التعليم النظامي في المنطقة، مقدماً عبر مبناه التراثي ومقتنياته النادرة ووثائقه الأصيلة قراءة بصرية تستعيد أبرز محطات مسيرة التربية والمعرفة، فضلاً عن تخليد أسماء الرموز والشخصيات الرائدة التي وضعت اللبنات الأولى لهذا الصرح المعرفي.
وأوضح مدير المتحف، أوميد أنور في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن "المتحف يضم مقتنيات نادرة وأقساماً متخصصة توثق بدقة مراحل تطور التعليم وتخلد أسماء أبرز الشخصيات التربوية"، مؤكداً أن "طموح الإدارة لا يتوقف عند النطاق المحلي، بل يمتد نحو الانطلاق بالمتحف إلى الساحة الدولية وتعزيز مكانته بوصفه معلماً تربوياً بارزاً على مستوى الشرق الأوسط والعالم أجمع".
من مبنى مهجور إلى أول متحف تربوي
وفي حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع)، يروي مدير المتحف أوميد أنور تفاصيل التأسيس قائلاً: "إن فكرة إنشاء هذا الصرح الفريد ولدت عام 2012؛ إذ كانت البناية تمثل مقر أول مدرسة تأسست في أربيل قبل أكثر من 100 عام، إلا أنها تحولت مع مرور الزمن إلى مبنى مهجور".
وأضاف: "طرح فكرة تحويل المبنى إلى متحف تربوي الأستاذ التربوي إسماعيل برزنجي، الذي كان يمر يومياً أمام هذا الصرح التراثي، فبادر إلى تقديم مقترح رسمي لتحويل المكان إلى متحف يصون تاريخ التربية والتعليم".
وتابع أنور موضحاً: "انطلقت أول مدرسة نظامية في أربيل من هذا الموقع تحديداً عام 1926، وعقب صدور القرار الرسمي بتحويل المبنى إلى متحف عام 2012، بدأت أعمال التجهيز والترميم التي استغرقت عاماً كاملاً، ليتوج ذلك بافتتاح المتحف رسمياً أمام الزوار للمرة الأولى في 19 آذار 2014".
أقسام تخصصية تستحضر الرواد وتحفظ الذاكرة
وبيّن أنور أن "المتحف يعتمد هيكلية تنظيمية دقيقة تتوزع على 13 قاعة، تمثل كل واحدة منها قسماً مستقلاً يحمل اسم شخصية تربوية راحلة، تقديراً وتخليداً للخدمات الجليلة التي قدمتها في خدمة المسيرة التعليمية".
ومن بين أبرز هذه الأقسام، قسم الأستاذ التربوي عزيز عبد الله، الذي يعد في طليعة رواد التعليم، ومن أبرز إسهاماته ابتكار وتسمية المنهج الدراسي الشهير (الصحة والأشياء)، كما يحتضن المتحف قسم الأستاذ التربوي أحمد ناجي، صاحب الرسالة التاريخية الشهيرة الموجهة إلى ملك العراق آنذاك، والتي طالب فيها بضرورة تأسيس أول مدرسة نظامية حكومية في مدينة أربيل.
وأشار مدير المتحف إلى أن "هذا المكان يمثل متحفاً نوعياً لعقل الإنسان ونتاجه المعرفي؛ إذ يضم آلاف المقتنيات الموزعة على 300 منصة عرض، تشمل كل واحدة منها على عشرات القطع والتحف النادرة، التي توثق ذكريات وأدوات ومقتنيات شخصية استخدمها المعلمون والتربويون والطلبة عبر حقب زمنية متباينة".
سجلات مئوية وتحديات الطاقة الاستيعابية
وفي معرض حديثه عن أثمن محتويات المتحف، أكد أنور أن "أقدم وأندر معروضات الصرح تتمثل في السجلات الدراسية الأصلية الخاصة بالمعلمين، والتي يعود تاريخ توثيقها إلى قرابة 100 عام".
وعلى صعيد التحديات القائمة، كشف أوميد أنور لـ(واع) أن "المتحف يواجه حالياً تحدياً يتعلق بامتلاء مساحاته وقاعاته بالكامل، لدرجة تعذر معها استقبال مقتنيات أو وثائق جديدة يقدمها المواطنون والجهات المعنية الراغبة في التبرع بمقتنياتها التراثية".
وشدد على أن إدارة المتحف تتطلع إلى "إعادة تأهيل المكان وتطويره بالكامل وفق أحدث المعايير المتحفية العالمية، وتحديث تصميمه بطريقة عصرية تليق بقيمته التاريخية والثقافية الرفيعة".
حضور وطني مستمر وتطلعات نحو العالمية
وفي إطار التعاون متحف أربيل التربوي الثقافي، أكد مدير "وجود تنسيق سنوي وثيق مع سائر المتاحف في العراق، يتضمن تبادل الزيارات وتوجيه الدعوات المشتركة"، منوهاً بـ"المشاركات الفاعلة للمتحف في فعاليات معرض بغداد الدولي، وملتقى لقاء الأشقاء، والمتحف العراقي".
واختتم أنور حديثه بالكشف عن "مساعٍ حثيثة تبذلها الإدارة للتنسيق مع منظمات وهيئات دولية مختصة؛ بهدف إيصال المتحف إلى العالمية والعمل على تسجيله ضمن لائحة التراث العالمي"، مؤكداً أن "الطموح الأكبر يكمن في إدراج المتحف على خريطة المتاحف العالمية كوجهة متخصصة رائدة".
ولفت إلى أنه "رغم وجود أجنحة وزوايا تربوية متفرقة داخل متاحف عامة حول العالم، فإن متحف أربيل ينفرد- بحسب ما تسعى الإدارة لتثبيته دولياً- بكونه المتحف المتكامل الأول والوحيد المتخصص حصراً في الشأن التربوي والتعليمي، وهو الهدف الذي تسعى إدارة الصرح لترسيخه عالمياً خلال المرحلة المقبلة".
إقرأ المزيد


