هذا اليوم - 6/2/2026 5:28:52 PM - GMT (+3 )
شفق نيوز- السليمانية
رغم مرور أكثر من عام ونصف على انتخابات برلمان إقليم كوردستان، ما تزالالكابينة الحكومية العاشرة تراوح مكانها وسط خلافات سياسية متواصلة بين الحزبينالرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني.
وبينما تتواصل جولات الحوار والمفاوضات دون التوصل إلى اتفاق نهائي، تتزايدالتساؤلات بشأن الأسباب الحقيقية التي تعيق تشكيل الحكومة، وما إذا كانت الأزمةتتعلق بنتائج الانتخابات نفسها أم بطريقة ترجمتها إلى شراكة سياسية قادرة علىإدارة المرحلة المقبلة.
خارطة المقاعد
وأفرزت انتخابات برلمان إقليم كوردستان، التي جرت في 20 تشرين الأول 2024،واقعاً سياسياً جديداً أعاد رسم موازين القوى داخل البرلمان، لكنه لم يمنح أي طرفأغلبية مريحة تسمح له بتشكيل الحكومة منفرداً، الأمر الذي جعل التوافق بين القوىالرئيسية شرطاً أساسياً لتشكيل الكابينة الحكومية الجديدة.
ووفق النتائج النهائية للانتخابات، حصل الحزب الديمقراطي على 39 مقعداً،فيما جاء الاتحاد الوطني في المرتبة الثانية بـ23 مقعداً، بينما حقق حراك الجيلالجديد تقدماً لافتاً بحصوله على 15 مقعداً.
كما نال الاتحاد الإسلامي الكوردستاني 7 مقاعد، والموقف الوطني 4 مقاعد،وجماعة العدل الكوردستانية 3 مقاعد، فيما توزعت بقية المقاعد على قوى سياسية أخرىومقاعد الكوتا الخاصة بالمكونات.
وأظهرت هذه النتائج بوضوح أن الحزب الديمقراطي حافظ على موقعه كأكبر قوةسياسية في الإقليم، إلا أنه لم يحصل على الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تشكيلالحكومة منفرداً، كما أن الاتحاد الوطني بقي القوة الثانية القادرة على التأثير فيمعادلة تشكيل السلطة.
وفي المقابل، عزز صعود حراك الجيل الجديد من تعقيد المشهد السياسي، بعدماتحول إلى ثالث أكبر كتلة برلمانية، ما أوجد معادلات جديدة داخل البرلمان لم تكنموجودة في الدورات السابقة.
استحقاق انتخابي أم شراكة سياسية؟
ويؤكد عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني، سعدي أحمد بيرا، أنالأزمة المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة في إقليم كوردستان لا ترتبط بنتائجالانتخابات بقدر ما ترتبط بطريقة التعامل مع تلك النتائج وآليات ترجمتها إلى شراكةسياسية حقيقية داخل السلطة التنفيذية.
ويقول بيرا، لوكالة شفق نيوز، إن الاتحاد الوطني يرى أن الاستحقاق الانتخابييجب أن يكون الأساس الذي تُبنى عليه عملية تشكيل الحكومة وتوزيع المسؤولياتوالمناصب، إلا أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بحسب رأيه، لا يتعامل مع هذاالمبدأ بالشكل المطلوب، إذ يسعى إلى تشكيل الحكومة وفق رؤيته الخاصة، ومن ثم منحالمناصب للأطراف الأخرى، من دون إشراكها بصورة فعلية في رسم برنامج الحكومة أوتحديد هيكليتها وآليات توزيع الصلاحيات فيها.
ويضيف أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في عدد المقاعد التي حصلت عليها القوىالسياسية، بل في غياب الاعتراف الكامل بمبدأ الشراكة القائمة على الاستحقاقالانتخابي.
ويشير بيرا، إلى أن الحزب الديمقراطي يطالب الحكومة الاتحادية في بغدادبمبادئ التوازن والتوافق والشراكة في إدارة الدولة، الأمر الذي يستوجب تطبيقالمبادئ ذاتها داخل إقليم كوردستان عند تشكيل الحكومة الجديدة، بما ينسجم مع نتائجالانتخابات ويعكس الإرادة السياسية للناخبين، بحسب تعبيره.
وفيما يتعلق بالدعوات إلى إجراء انتخابات جديدة لبرلمان إقليم كوردستان،يشدد على أن "هذا الخيار لا يمثل حلاً للأزمة الحالية، لأن الانتخاباتالجديدة لن تنتج واقعاً سياسياً مختلفاً بصورة جوهرية، بل ستعيد إلى حد كبيرالتوازنات نفسها التي أفرزتها الانتخابات السابقة، فضلاً عن الكلفة الماليةالكبيرة التي ستترتب على تنظيمها".
ويبين أن الاتحاد الوطني لا يخشى خوض انتخابات جديدة، بل يرى أنه يتمتعاليوم بموقع سياسي وتنظيمي أقوى مما كان عليه قبل الانتخابات الماضية، إلا أناللجوء إلى هذا الخيار لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة في الخلاف حول آلية تشكيلالحكومة واحترام الاستحقاقات الانتخابية للقوى السياسية.
ويدعو الاتحاد الوطني الكوردستاني، إلى الجلوس على طاولة الحوار والتفاوضلتشكيل حكومة تستند إلى مبدأ الشراكة الحقيقية والتوازن السياسي والاستحقاقالانتخابي، بما يضمن مشاركة جميع القوى الممثلة في برلمان إقليم كوردستان في إدارةالمرحلة المقبلة، بحسب ما أوضح بيرا.
كما يتابع قائلاً إن "التدخلات الإقليمية والدولية في الملفالكوردستاني" تتسم حالياً بطابع إيجابي يسهم في تشجيع الحوار وتقريب وجهاتالنظر بين الأطراف السياسية، من دون وجود تدخلات سلبية مؤثرة على مسار المفاوضات.
الأزمة بدأت قبل الانتخابات
في المقابل، يرفض الحزب الديمقراطي الكوردستاني تحميله مسؤولية تعثرالمفاوضات، ويؤكد أن الأزمة الحالية ترتبط بمواقف سياسية سبقت الانتخابات وماأعقبها من تحالفات جديدة داخل البرلمان.
ويرى القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كامران غريب، أن الحزبالديمقراطي بادر إلى دعوة الاتحاد الوطني للدخول في مفاوضات تشكيل الكابينةالعاشرة لحكومة إقليم كوردستان قبل إجراء انتخابات مجلس النواب العراقي، إلا أنالاتحاد الوطني لم يستجب لتلك الدعوة آنذاك.
ويقول غريب، لوكالة شفق نيوز، إن نتائج الانتخابات وما أفرزته من تقدم واضحللحزب الديمقراطي، ليس على مستوى إقليم كوردستان فحسب، وإنما على مستوى القوىالسياسية العراقية عموماً، دفعت الاتحاد الوطني إلى البحث عن خيارات وتحالفاتسياسية بديلة، وتجسد ذلك من خلال توجهه نحو التنسيق مع حركة الجيل الجديد وتشكيلكتلة مشتركة داخل برلمان إقليم كوردستان.
وبحسب حديث غريب، فإن حراك الجيل الجديد حصل على 15 مقعداً في برلمان إقليمكوردستان، وأن جزءاً كبيراً من هذه الأصوات جاء من مناطق السليمانية وكرميانوحلبجة والمناطق الواقعة ضمن نفوذ الاتحاد الوطني الكوردستاني، حيث كانت هذهالأصوات تمثل في الأساس حالة اعتراض على سياسات الاتحاد الوطني، وأن العديد منالناخبين الذين منحوا أصواتهم لحراك الجيل الجديد كانوا في مراحل سابقة من جمهورالاتحاد الوطني قبل أن يتجهوا إلى دعم مشروع سياسي معارض له.
وفي معرض حديثه عن المطالب المتعلقة بتوزيع المناصب على أساس مبدأ "50بالمئة مقابل 50 بالمئة"، يلفت إلى أن هذه المعادلة كانت مرتبطة بمرحلةسياسية سابقة تجاوزتها التطورات السياسية والانتخابية الحالية، مؤكداً أن المرحلةالراهنة تتطلب احترام الاستحقاق الانتخابي لكل طرف سياسي وفق حجم تمثيله داخلبرلمان إقليم كوردستان، بعيداً عن المعادلات التقليدية التي كانت سائدة في فتراتسابقة.
ورداً على التصريحات التي أدلى بها عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني، سعديأحمد بيرا، بشأن مطالبة الحزب الديمقراطي بمبادئ الشراكة والتوازن والتوافق فيبغداد وعدم تطبيقها داخل الإقليم، يؤكد غريب، أن "الحزب الديمقراطي عندمايطالب بالشراكة والتوازن والتوافق على المستوى الاتحادي، فإنه لا يفعل ذلك لمصلحةالحزب بحد ذاته، وإنما دفاعاً عن حقوق المكون الكوردي داخل الدولة العراقية".
ويعتقد أن هناك عشرات المواد الدستورية والقانونية المرتبطة بحقوق الكوردومبدأ الشراكة والتوازن لا يتم تطبيقها بالشكل المطلوب في بغداد، ولذلك فإن مطالبةالحزب الديمقراطي بهذه المبادئ تأتي في إطار حماية الحقوق الدستورية والسياسيةلشعب كوردستان، وليس لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة.
واستشهد في هذا السياق بالتجربة التي أعقبت صعود حركة التغيير في محافظاتالسليمانية وكرميان وحلبجة، حيث تراجعت حينها النتائج الانتخابية للاتحاد الوطنيبصورة لم تكن تؤهله، وفق معيار الاستحقاق الانتخابي، للحصول على منصب رئيس حكومةإقليم كوردستان، ومع ذلك قرر الحزب الديمقراطي، وبناءً على طلب الرئيس الراحل جلالطالباني، منح الاتحاد الوطني هذا المنصب، حيث تم تكليف برهم صالح برئاسة مجلسوزراء إقليم كوردستان.
ويستطرد غريب، حديثه بالقول إن "الاتحاد الوطني الكوردستانيالجديد" يسعى حالياً إلى طرح مطالب وقضايا يرى الحزب الديمقراطي أنها لاتستند إلى أسس قانونية أو ديمقراطية واضحة، مبيناً أن أي عملية سياسية ناجحة يجبأن تقوم على الحوار والتفاهم واحترام الاستحقاقات الانتخابية، لا على فرض الشروطأو الإملاءات من أي طرف كان.
ويشدد على أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني يؤكد التزامه بمبدأ منح جميعالأطراف السياسية حقوقها واستحقاقاتها وفق نتائج الانتخابات، وفي إطار الشراكةوالتوافق السياسي، بعيداً عن أي محاولات لفرض معادلات لا تنسجم مع الواقعالانتخابي الذي أفرزته صناديق الاقتراع. وفيما يتعلق بالحديث عن إمكانية إجراءانتخابات جديدة لبرلمان إقليم كوردستان، يؤكد غريب أن جميع الخيارات تبقى مطروحةمن أجل إعادة تفعيل المؤسسة التشريعية وتشكيل الحكومة الجديدة، باستثناء أي خياراتتؤدي إلى التصعيد أو المواجهة.
وفيما يتعلق بالتدخلات الخارجية، يختم غريب، حديثه قائلاً إن "الدولالمجاورة لإقليم كوردستان تنظر إلى استقرار الإقليم بوصفه مصلحة مشتركة، وتسعى إلىوجود حكومة قوية وقادرة على إدارة الملفات السياسية والأمنية والاقتصاديةبكفاءة".
جذور الأزمة
وبين روايتي الحزبين، يرى مراقبون أن الأزمة تتجاوز الخلافات الحالية بشأنالمناصب والحقائب الوزارية، لتتصل بإرث طويل من التنافس السياسي وتباين الرؤى بشأنإدارة الإقليم ومستقبله.
ويبين المحلل السياسي أبو بكر كارواني، لوكالة شفق نيوز، أن تعثر التوافقبين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي يعود إلى أربعة عوامل رئيسية تتداخل فيمابينها وتؤثر بشكل مباشر في مسار تشكيل الحكومة الجديدة في إقليم كوردستان.
ويقول كارواني إن العامل الأول يتمثل في الإرث التاريخي للخلافات والصراعاتالسياسية بين الحزبين، التي تعود جذورها إلى عقود سابقة منذ ستينيات القرن الماضي،فيما يتمثل العامل الثاني في الخلافات السياسية الراهنة والملفات العالقة التي لاتزال محل تباين بين الجانبين.
أما العامل الثالث فيرتبط باختلاف رؤى الحزبين تجاه القضايا المحليةوالإقليمية والدولية، فضلاً عن تباين وجهات النظر بشأن عدد من الملفات المتعلقةبمستقبل إقليم كوردستان وإدارته، في حين يتمثل العامل الرابع في تضارب المصالحالسياسية المرتبطة بتوزيع المناصب والصلاحيات داخل الحكومة المقبلة.
ويلفت كارواني، إلى أن غياب إطار مؤسساتي جامع على مستوى الإقليم، إلى جانبواقع الانقسام الإداري والسياسي القائم على النفوذ الحزبي في بعض المناطق، أسهمافي تعميق الخلافات الداخلية، الأمر الذي وفر بيئة مناسبة لتدخل أطراف خارجيةومحاولة استثمار هذه التباينات لتحقيق مصالح سياسية أو قومية أو فئوية أو طائفية،ما يستدعي من القوى السياسية في إقليم كوردستان، ولا سيما الحزب الديمقراطيوالاتحاد الوطني، إدراك حجم المخاطر التي قد تترتب على استمرار حالة الانقساموالخلاف السياسي.
ويؤكد أن المشهد السياسي الحالي في الإقليم لم يفرز أي قوة تمتلك أغلبيةمطلقة تخولها تشكيل الحكومة بصورة منفردة، مبيناً أن الحزب الديمقراطي حصل علىالعدد الأكبر من الأصوات، إلا أن جملة من العوامل السياسية والقانونية والواقعيةتجعل من الصعب عليه تشكيل الحكومة بمفرده.
ووفقاً كارواني، فإن من بين أبرز هذه العوامل غياب دستور نافذ لإقليمكوردستان يحدد بصورة واضحة آليات تشكيل الحكومة والجهة المخولة دستورياً بتكليفها،فضلاً عن وجود تعقيدات سياسية أخرى تتعلق بطبيعة النظام القائم والتوازناتالداخلية بين القوى السياسية.
وبحسب المحلل السياسي، فإن هذه المعطيات تجعل من التفاهم بين الحزبالديمقراطي والاتحاد الوطني شرطاً أساسياً لإنجاح عملية تشكيل الحكومة وضماناستقرارها، مؤكداً أن الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية يتمثل في تشكيلحكومة توافقية تضم القوتين الرئيسيتين، وتستند إلى مبدأ الشراكة السياسية والتوافقالوطني.
ويختم كارواني بالقول إن طبيعة النظام السياسي في إقليم كوردستان، وضعفالبناء المؤسساتي مقارنة بحجم النفوذ الحزبي القائم، يفرضان البحث عن حلول توافقيةبدلاً من منطق الأغلبية السياسية، الأمر الذي يجعل تشكيل حكومة تشاركية الخيارالأمثل لضمان الاستقرار السياسي والإداري ودفع الأوضاع نحو مزيد من الاستقراروالتنمية.
وفي ظل استمرار حالة الجمود السياسي، يبقى نجاح الحوار بين الحزب الديمقراطيوالاتحاد الوطني العامل الأهم في تحديد شكل الحكومة المقبلة وقدرتها على تحقيقالاستقرار السياسي والإداري والاقتصادي في إقليم كوردستان.
إقرأ المزيد


