الزمان - 5/31/2026 11:40:38 PM - GMT (+3 )
فاتح عبد السلام
المنصفون في الغرب يعترفون بفضل العالم الخوارزمي في وصول العلم الى مرحلة الذكاء الاصطناعي، ويتداولون مصطلح الخوارزمية بوصفه مرجعا وعنوانا لهذا التقدم. والخوارزمي الذي ولد في بلاد أوزبكستان العام 781 للميلاد لكنه عاش وأنتج عطاءه العلمي العظيم في بغداد، وكان عالماً في الرياضيات والفلك والجغرافيا، وأسس بيت الحكمة وكان صاحب رأي وكلمة عند الخليفة المأمون حتى وفاته في العام 850 للميلاد. هذا العالم الذي تصدر أوزبكستان أو روسيا في أيام الاتحاد السوفييتي طابعاً يحمل اسمه وصورته، نحن في بغداد الاجدر بحلم لواء تراثه العلمي والفكري الذي لم تسع اية جهة ثقافية رسمية لإعادة تحقيقه ونشره، كما لا توجد مناسبة مخصصة لهذا العالم الذي غيرت نظرياته وافكاره وجه البشرية بعد أكثر من قرن على رحيله. الخوارزمي في الوجود والعطاء والعيش عراقي مائة بالمائة.
لدينا الكثير نستطيع ان نفعله في ان نعيد انظار العالم الى بغداد بوصفها مهد العلم والثقافة والابداع ، بعد سنوات طويلة من تهميش الثقافة وجعلها اجتهادات فردية يضطلع بأدوارها مثقفون وعلماء قلائل لا يجدون رعاية نوعية من الدولة.
إذا كنتم تظنون ان دفع سبعمائة ألف دينار او مليون دينار عرافي مكافأة سنوية للمسجلين في عضوية الاتحاد العام للأدباء أو نقابة الصحفيين أو سواهما دعما للعلم والثقافة، فإنكم تكونون تقفون على مسافة سنوات ضوئية من معاني استنهاض ثقافة العراق جيلا بعد جيل وإعادة تثوير واكتشاف ورعاية كل الطاقات والكفاءات.
العراق لن يبرز بعد عقود في جانب صناعي او زراعي ولن يجذب انظار احد في العالم من خلال اية بوابة نتخيلها، الا الثقافة، التي تستحق ان تكون وزارة سيادية حقاً، لا وزارة هامشية لولا بند السياحة الدينية واستثماراتها لكانت نسيا منسيا، ذلك ان العالم يعرف ثقل بغداد التاريخي، ذلك الثقل الذي نتوهم ان نأتي بوزراء ثقافة بالكاد يعلمون ما يجري حولهم ليديروا دفة الثقافة التي يجهلون مفهومها العراقي التاريخي الأصيل والضارب في ذاكرة البشرية.
لدينا آثار مذهلة وفرق تنقيب اجنبية تعمل ليل نهار، ولكن ليست لدينا رؤية في فرز المنجز الآثاري وإعادة بعثه من خلال ما يستحث من حفاوة عالمية في إطار ثقافي عالي المستوى. وقس على ذلك امثلة كثيرة، ذكرنا بها الخوارزمي الذي يدين له العالم كله في انبثاق علم الذكاء الاصطناعي الذي لولا الخوارزميات لما كان له وجود.
اعرف انكم ستكررون الأخطاء وتحيلون الثقافة الى مَن لا يعرف معناها الوطني والدولي، ويظنّها غنيمة أو استحقاقا انتخابيا وكفى.
رئيس التحرير-الطبعة الدولية
إقرأ المزيد


