الحرب‭ ‬ستتوقف‭ ‬ثمّ‭ ‬تتجدد
الزمان -

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

مررتُ‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬تتعرض‭ ‬لقصف‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬العمليات‭ ‬الحربية،‭ ‬وكنت‭ ‬أرى‭ ‬السؤال‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬مزدوجاً‭ ‬ومركّباً‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬افواه‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬البسطاء‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬هو‭: ‬متى‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب،‭ ‬ومتى‭ ‬سوف‭ ‬تتجدد‭ ‬ثانية؟‭ ‬كون‭ ‬انّ‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬تضررت‭ ‬كثيراً‭ ‬وباتت‭ ‬فعاليات‭ ‬كثيرة‭ ‬تعتاش‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬الدنيا،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬محل‭ ‬قلق‭ ‬وربّما‭ ‬فزع‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬كثيرة،‭ ‬وانّ‭ ‬نزوح‭ ‬الأجانب‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬تشهده‭ ‬أية‭ ‬أزمة‭ ‬سابقة،‭ ‬لاسيما‭ ‬انّ‭ ‬أغلبية‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬استهدفها‭ ‬القصف‭ ‬الإيراني‭ ‬تواجه‭ ‬التجربة‭ ‬المريرة‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬السعة‭.‬

‭ ‬حقاً‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الأصعب‭ ‬والأخطر‭ ‬الذي‭ ‬تعنى‭ ‬به‭ ‬الدوائر‭ ‬المتخصصة‭ ‬بأمن‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ … ‬متى‭ ‬تتكرر‭ ‬الحرب‭ ‬مجدداً،‭ ‬إذا‭ ‬توقفت‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أو‭ ‬خمسة‭ ‬أسابيع؟‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬بذرة‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مزروعة‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬وباتت‭ ‬تنبت‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة‭ ‬وقد‭ ‬نشهد‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬جذوعاً‭ ‬وأغصاناً‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬انّ‭ ‬ثمار‭ ‬النار‭ ‬والموت‭ ‬يجري‭ ‬طرحها‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬للبذرة‭ ‬غصن‭ ‬مورق،‭ ‬هكذا‭ ‬هي‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬قوانين‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬منطق،‭ ‬ومشعلوها‭ ‬وتجارها‭ ‬وطغاتها،‭ ‬يظلّون‭ ‬حتى‭ ‬انسان‭ ‬محترق‭ ‬بنيرانها‭ ‬يقدمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬على‭ ‬انهم‭ ‬أبرياء‭ ‬قاتلوا‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬السلام‭ ‬والحق‭.‬

‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مرتبط،‭ ‬بما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬القادة‭ ‬من‭ ‬اهداف‭ ‬مرسومة‭ ‬للحرب‭. ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يتحرك‭ ‬بعفوية،‭ ‬ومن‭ ‬السذاجة‭ ‬الانسياق‭ ‬وراء‭ ‬مقولة‭ ‬ان‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تورطت‭ ‬بالحرب‭ ‬وتفاجأت،‭ ‬وكان‭ ‬البنتاغون‭ ‬مجرد‭ ‬مركز‭ ‬شرطة‭ ‬في‭ ‬البتاوين،‭ ‬او‭ ‬انّ‭ ‬المخابرات‭ ‬المركزية‭ ‬الامريكية‭ ‬ليست‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دكان‭ ‬يقفل‭ ‬قبل‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭ ‬ويذهب‭ ‬الباعة‭ ‬الى‭ ‬بيوتهم‭ ‬آمنين‭.‬

المسألة‭ ‬ليست‭ ‬هكذا،‭ ‬والرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬يعرف‭ ‬ان‭ ‬لديه‭ ‬خصوما‭ ‬في‭ ‬الكونغرس‭ ‬سيضغطون‭ ‬عليه‭ ‬حين‭ ‬حشّد‭ ‬الاساطيل‭ ‬للحرب،‭ ‬وانّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الخصوم‭ ‬أنفسهم‭ ‬كان‭ ‬يشهدون‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬تقدم‭ ‬المدمرات‭ ‬الامريكية‭ ‬في‭ ‬البحار‭. ‬كما‭ ‬ان‭ ‬إسرائيل‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬نفسها‭ ‬للحرب‭ ‬منذ‭ ‬الساعة‭ ‬الأولى‭ ‬لانتهاء‭ ‬حرب‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬يوما‭ ‬التي‭ ‬سبقتها‭. ‬أما‭ ‬ايران‭ ‬فقد‭ ‬اطلقت‭ ‬صواريخها‭ ‬نحو‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬الغارات‭ ‬الامريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬الأولى‭ ‬عليها‭ ‬وهي‭ ‬تعرف‭ ‬أهدافها‭ ‬ولم‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬قصف‭ ‬الخليج‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬كله‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬بنك‭ ‬أهدافها،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬كان‭ ‬بالصدفة‭ ‬وليست‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬القواعد‭ ‬الامريكية‭ ‬في‭ ‬انطلاق‭ ‬العمليات‭ ‬الحربية‭ ‬ضد‭ ‬ايران‭ ‬من‭ ‬عدمها‭ ‬،‭ ‬فصاحب‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني‭ ‬قد‭ ‬جهز‭ ‬نفسه‭ ‬لقصف‭ ‬تلك‭ ‬الأهداف‭ ‬الخليجية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬قاعدة‭ ‬معادية‭ ‬،‭ ‬فسلطنة‭ ‬عمان‭  ‬الدولة‭ ‬الأقرب‭ ‬الى‭ ‬ايران‭ ‬وكانت‭ ‬صاحبة‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الوساطة‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬منأى‭ ‬عن‭ ‬القصف‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬الحرب‭ ‬الضاغطة‭.‬

في‭ ‬الخلاصة،‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬يحارب‭ ‬وقد‭ ‬عزم‭ ‬أمره‭ ‬وأعد‭ ‬عدته‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬بالصدفة،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬رخوة‭ ‬أو‭ ‬كانت‭ ‬متأرجحة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الألوان‭ ‬سوى‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية،‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬سؤال‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬نوعية‭ ‬الحياة‭ ‬فيها‭.‬

الحرب‭ ‬ستنتهي،‭ ‬ثم‭ ‬ستتجدد‭ ‬مادامت‭ ‬أسباب‭ ‬اندلاعها‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬متوافرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية



إقرأ المزيد