الزمان - 2/27/2026 3:10:41 AM - GMT (+3 )
الموصل – أحمد الحاج
يقول ابن عربي: “العشق نارٌ إذا اشتعلت أحرقت ما سوى المعشوق”
لعله من المفرح جداً لي أن أقف للمرة الثانية خلال شهر واحد وفي نفس المكان لتقديم رواية بكر لكاتب شاب واعد، وقبله كانت رواية لفتاة لم تبلغ العشرين، كلاهما صاغ نصاً سردياً قياسياً ويبشر بولادة سارد موهوب سوف يبهرنا في نتاجاته في المستقبل ويواصل مسيرة القص بقلم واعد. وفي هذه المقالة التقديمية سوف نحاول وضع والاطار العام وحصر السمات الرئيسية لرواية “وجيف” للكاتب الواعد عمر الصوفي والصادرة عن دار ماشكي في الموصل نهاية العام الماضي، دون الغوص العميق في مفردات النص السردية وبناءه الفني، لذلك سوف أتحدث عن نمط الرواية، ونوعها، والتيار الفني الذي تنتمي إليه، وهي محاولة جادة لتقديم الأفضل ولا أجزم بأني قد أنجزت المأمول وإنما محاولة ربما تفي بالغرض ويبقى الحكم في النهاية للمتلقي فهو صاحب الرأي والمشورة.
رواية “وجيف” هي رواية رسائلية (Epistolary Novel) وهو نمط من الروي يتم من خلال تبادل الرسائل للتعبير عن المشاعر والأحاسيس بإسلوب ينبئ بوجود علاقة حميمة بين المرسل والمرسل إليه، والروايات الرسائلية هي أعمال أدبية سردية تُبنى بالكامل أو جزئياً من خلال رسائل متبادلة، يوميات، أو وثائق، مما يمنحها واقعية ومصداقية وعاطفية عالية. ومن أبرز الروايات العالمية التي اتبعت هذا النمط: “صاحب الظل الطويل” لجين ويبستر، “دراكولا” لبرام ستوكر، و”آلام فيرتير” لغوته، و”المساكين” لديستوفيسكي، وعربياً: “بريد الليل” لهدى بركات، “إبريسم” محمد عبد الحليم عبد الله، “جزء من حلم” عبد الله الجفري، “الزهايمر” غازي القصيبي.
وهذا النمط من الروي يتيح للقارئ الدخول مباشرة إلى عالم الشخصية الداخلي، وكشف المشاعر الخفية والاعترافات بصدق، مبتعدة عن رقابة الراوي التقليدي، حتى ولو كان الراوي ذاتياً. وربما نجح الكاتب عمر الصوفي في اختيار هذا البناء مدخلاً للسرد، وهي من الأمور الصعبة التي تواجه الكاتب في بداية العمل الروائي، خاصة وان هذه الرواية هي المحاولة الأولى للكاتب الشاب والروائي الواعد عمر الصوفي، وفي هذا السياق يقول الروائي أمير تاج السر: “من المؤكد أن التركيز على بداية العمل الابداعي لا يأتي هكذا مصادفة، وإنما عبر تدريب طويل على إيجاد بداية جيدة، وغير تقليدية، وأنا شخصياً أعتبرها العقبة الكبرى التي تواجهني، حين أكتب، ويمكن بسهولة أن يضيع مني نص لأن بدايته لم أحسها ترتقي لمستوى ملائم.”
تندرج رواية وجيف ضمن روايات السيرة الذاتية في التقنية، ورواية رومانسية من حيث المضمون، والسيرة بشكل عام هي سيرة مرء يرويها بنفسه. يمكن أن تتخذ الأعمال السيرية الذاتية (Autobiography) أشكالاً عديدة، من الكتابات الحميمة التي تُكتب أثناء الحياة ـ والتي لم تكن بالضرورة مُعدّة للنشر ـ بما في ذلك الرسائل، واليوميات، والمذكرات الشخصية، إلى السيرة الذاتية الرسمية المطولة.
أما الرواية السيرية فهي التي تمزج بين التجربة الشخصية والخيال، لتُنتج سرديات شخصية عميقة، غالباً ما تتمحور حول مرحلة البلوغ أو الذاكرة. من أبرز الأمثلة على ذلك رواية “ديفيد كوبرفيلد” لتشارلز ديكنز، و”صورة الفنان في شبابه” لجيمس جويس، و”المرآة المحدبة” لسيلفيا بلاث، ورواية “أعرف لماذا يغرد الطائر المحبوس” لمايا أنجيلو: وهي عملٌ روائيٌّ رائدٌ في مجال السيرة الذاتية، يتناول الطفولة والعنصرية والصدمات النفسية.
رغم أهمية فن كتابة السيرة الذاتية، فإنه فن متأخر نسبيا في الوطن العربي، فنادراً ما نجد كتاباً في السيرة الذاتية يحقق الشروط الإبداعية المطلوبة في هذا النوع من الكتابة، ومن أهم تلك الشروط الصراحة المطلقة. وهذا ما جعل الكثير من الكتاب العرب يعزفون عن كتابة سيرهم الذاتية أو أنهم يختارون كتابة أجزاء مختارة منها، هربا من بعض المشاهد والأحداث التي يشعرون بالحرج من عرضها أمام القراء.
ومن أشهر روايات السيرة الذاتية العربية: “الأيام” طه حسين؛ “البئر الأولى” جبرا ابراهيم جبرا؛ “الخبز الحافي” ابراهيم شكري؛ “رأيت رام الله” مريد البرغوثي والتي قدمها ادوارد سعيد؛ وعادة ما تكتب السيرة الذاتية في نهاية مطاف الروائي ولا يُحبذ كابتها في بداية مشواره الإبداعي.
السمات المشتركة للرواية السِيَريِّة:
– التركيز على التحليل الذاتي: غالبًا ما تتميّز هذه الأعمال بالتأمل الذاتي العميق، كما في رواية “المرآة المحدبة”.
– تركّز على تطوّر الشخصية الرئيسية من الطفولة إلى البلوغ كما هو الحال في أعمال جويس وأنجيلو.
– موضوعها الذاكرة والصدمة: تستكشف بشكل متكرر الطفولة والتعليم والصراعات الشخصية، وغالباً ما تركز على الذاكرة البعيدة (Long-term Memory) وتستبعد الذاكرة القصيرة واليومية.
– الواقعُ المُتخيَّل: على الرغم من استنادها إلى أحداثٍ حقيقية، غالبًا ما يُغيّر المؤلفون الشخصيات والسيناريوهات أو يدمجونها أو يبتكرونها لأغراضٍ سرديةٍ، وهذا ما نسميه بالمتخيل التاريخي وهو عملية رأب الفجوة في أحدث حبكة الرواية، أو إضافة مشهد تشويقي يريح المتلقي ويمنحه فسحة من المتعة، وهذا ما نجده أكثر وضوحاً في السينما عندما يضيف كاتب السيناريو حدثاً موازياً لحدث سيرة البطل. كما في فيلم “الناصر صلاح الدين” الشهير (إنتاج 1963) قام بكتابته فريق من أبرز الأدباء والكُتّاب المصريين، حيث كتب القصة والحوار يوسف السباعي، والسيناريو والحوار عبد الرحمن الشرقاوي، مع معالجة درامية لنجيب محفوظ ومحمد عبد الجواد، والفيلم من إخراج يوسف شاهين. ، عندما أضاف المخرج قصة الحب بين أحد قادة صلاح الدين وفتاة مسيحية وما دار بينهما من حوار فكري كان الهدف منه تبيان حقيقة الاسلام المعاصر تجاه بيت المقدس ضد النظرة الصليبية القائمة على الاستحواذ في وقتها.
رواية “وجيف” هي رواية سيرة ذاتية (الراوي الذاتي العليم) جاءت وجهة النظر بصيغة الرؤيا الذاتية للبطل/ (عمر) المحب، مع تبادل الأدوار بينه وبين الشخصية المضادة/ الحبيبة (ميرا) من خلال طريقة تبادل الرسائل المفعمة بالعاطفة الجياشة بينهما دون لقاء في القسم الأول من الرواية، والذي أخذ حيزاً كبيراً من الحبكة التقليدية حيث كان الحدث تعاقبي، حتى وصل ذروته في الصفحة (94) عند لقاء عمر بحبيبته ميرا، وهنا كانت الذروة والمفارقة في نفس الوقت، فقد اكتشف عمر المسلم أن حبيبته مسيحية، وهنا حدث ارتباك في شخصية البطل بعد أن قرر فجأة أن يستغني عنها، لكن عبارة: “فليشهد الله الذي في السماء” التي رددتها ميرا، ونصيحة شقيقته (آية) بأن لا يترك ميرا: “فإن لم أكن حبيباً لها سأكون صديقاً لها، وإن لم أكن صديقاً، أكن أخاً…” (ص: 98) جعلت البطل يعيش في دوامة من التفكير، ولكن في النهاية وجد قدميه تجره للحبيبة دون شعور لتظهر حقائق جديدة عن حياة ميرا وديانة والديها وكيف أن رباط الحب قد جمع رجل مسيحي بمسلمة عندما قرر الأب أن يسلم مع حبيبته ويتخذها زوجة.
وكما أسلفنا فإن الرواية “وجيف” هي ايضاً رواية رومانسية في مضمونها، ولكن كيف؟ دعونا نتحدث قليلاً عن الرومانسية كحركة فنية وأدبية والتي نشأت في مرحلة ما قبل الاسلام في الجزيرة العربية من خلال شعراء المعلقات ـ إن صحت الرواية ـ والتي تبدأ في مقدمتها الغزلية والطللية وكلاهما ضمن سمات الرومانسية، والتي ظهرت في الغرب عندما امتدت من أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، تميزت الرومانسية بعدة سمات: التركيز على الفرد، والذاتية، واللاعقلانية، والخيال، والشخصية، والعفوية، والعاطفية، والرؤيوية، والتسامي. وقد فضّلت العاطفة والحواس على العقل والمنطق، كما أظهرت تقديرًا لجمال الطبيعة، والاهتمام بالثقافة الشعبية، والأصول الوطنية لفضاء المكان، والانجذاب إلى الغريب، والغامض، وحتى الخارق للطبيعة.
ويُنظر إلى الرومانسية على أنها رفض للكلاسيكية والتنوير، اللذين ركّزا على النظام والعقلانية.
ومن أشهر الروايات العربية الرومانسية: “دعاء الكروان” طه حسين؛ “نبض” أدهم الشرقاوي؛ “ذاكرة الجسد” و”الأسود يليق بك” أحلام مستغانمي؛ “أنتَ لي” منى المرشودة؛ “في قلبي أنثى عبرية” خولة حمدي؛ “عازف القنبوس” صباح فارسي…
والرواية “وجيف” من العنوان تشي برومنسيتها، فكلمة “وجيف” تمت استعارتها من اللغة العربية القديمة، “و ج ف” وهي اسم مصدر نكرة، قال تعالى: {قلوبٌ يومئذٍ واجفةٌ} (النازعات: 8)، أي خائفة ومضطربة، وهنا تعني خفقان القلب واضطرابه بشدة بسبب أزمة عاطفية يمر بها، وهذا معنى الكلمة في سياقها النصي هنا، فالبطل كان يبحث عن الغريب والغامض من خلال كتابة رسائل لشخصية غامضة، ثم نجد أن الرواية قد أولت للفضاء المكاني دوراً هاماً فهي تدور في ثلاث أمكنة رئيسية: مكتبة ابن خلدون في كلية التربية الأساسية لجامعة الموصل؛ منزل العائلة في حي التنك؛ القرية التي نزحت منها العائلة، كما أن الرؤيا كانت فردية من وجهة نظر البطل/ الراوي؛ الحب للضد من همجية الحرب والدمار التي أصابت المدينة، الوقوف على أطلال بيت ميرا وذكريات والديها اللذان توفيا تحت الأنقاض؛ عادات وتقاليد أهل الحي الموروثة في الكرم والمساعدة والتراحم، النهايات الحزينة في ذكرى احتراق أب البطل وموته نتيجة تصرف طفولي، ثم موت الأم بالداء العضال، ثم التسامي مع المحبوب، إلّا أن الرواية تركت نهايتها مفتوحة بخلاف الروايات الرومانسية والتي تنتهي إما بفراق محزن أو بسعادة غامرة، وهنا دخلت في مرحلة الحداثة.
لكن ورغم كل ما قلناه وما كتبناه تبقى حقيقة مفادها: “المعنى في قلب الشاعر”، والتي تثير تساؤلات عدة، منها: هل الرواية فعلاً رواية سيرة ذاتية؟ وهل تنتمي إلى حياة واقعة سردها المؤلف لنا بصدق وعفوية؟ أم أنها عبارة عن متخيل سردي كتب بأسلوب واقعي؟ أو ربما حلماً اعترى المؤلف في لحظة هروب عاطفي صنع منه قصة تروى؟ أو قد تكون قصة لزميل أو زميلة عرضت عليه فشاء أن يدونها بعد أن غير المسميات والأماكن؟ أم أن الكاتب مازج بين الواقع والخيال؟ لهذا فإن النقاد الغربيون ما زالوا يصرون على أن الرواية بشكل عام هي جنس غير مكتمل، كما أن آخر تصنيف للسرد وضعوا السيرة الذاتية خارج تصنيف الرواية، أي أنها جنس سردي قائم بذاته.
وفي الختام رغم كل ما قلناه عن رواية “وجيف” للكاتب الواعد عمر الصوفي تبقى هناك إرباكات اعترت الحبكة الروائية، منها ارباك الحدث بعد اعتلاء القمة عندما تراجع البطل عن كل وعوده لحبيبته فجأة وهو من كان يخط لها الرسائل الحبلى بالغرام ويتعهد لها بالتضحية لآخر رمق:
“عندما يغادرك الجميع ولا يبقى أحد، سأكون بجانبك”
المحب عمار (الرواية: 90)
كذلك فإن شخصية ميرا المسيحية كيف أنها لم تستطيع التنبؤ بديانة المرسل وهو يدون اسمه “عمر” على رسائله المرسلة إليها؟ أضف إلى ذلك أن الرواية تفتقر للحوار الفكري بين شخصيتين ينتميان لديانتين قريبتين ـ الإسلام والمسيحية ـ نحن في أحوج ما نكون فيه لإجراء مثل هذا الحوار في الوقت وبالذات في محافظة نينوى التي تحتضن عدة أديان وتتمع بثقافات متعددة ومتنوعة، والشيء الآخر هو أن كلمة الغلاف لم يذكر كاتبها سواء كان الناشر أم شخص آخر، وهي من ضرورات ديباجة الكتاب. وآخر شيء أحب أن أنوه إليه هو أن هناك عدد من الأخطاء الإملائية التي وقع فيها المؤلف ـ وهي وإن كانت شائعة بين الكتاب ـ ولكن كان يفترض على الكاتب عرضها على مصحح لغوي قبل النشر خصوصاً وأن المؤلف خريج قسم لغة انجليزية.
ورقة نقدية قدمت في ملتقى الكتاب يوم الاثنين – 6 رمضان 23/2/2026
إقرأ المزيد


