تناغم الثنائيات المتكاملة.. ديوان شعري لبلال المصري
الزمان -

تناغم الثنائيات المتكاملة: «بسببك» ديوان شعري لبلال المصري بوصفه تجلّيًا للشعر الكبير


تساو شوي (الصين)

مؤسس حركة الشعر الكبرى، منسق آسيا للحركة العالمية للشعر، منسق الصين لجمعية كتاب بريكس، ورئيس مهرجان بكين الدولي لأفلام الشعر.

ترجمة: د. نضال أميوني دكاش

في مشهد الشعر العالمي المعاصر، يبرز ديوان «بسببك» لبلال المصري بوصفه شهادة مضيئة على قدرة الشعر على الجمع بين المتناقضات وصهرها في رؤية إنسانية واحدة، وهو جوهر ما أدعو إليه في حركة «الشعر الكبير». والجدير بالذكر أن ديوان الشاعر بلال المصري «بسببك» صدر عن Published by Palewell Press فهذا العمل، المنقول من العربية إلى لغة عالمية أخرى بجهد علمي رفيع قام به الدكتورة أنباء جاوي والدكتور محمد حاج محمد، يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، ليقدّم نموذجًا حيًا لتكامل الثقافات، والتقاء الشرق بالغرب، وتجاور القديم والحديث، وتداخل المقدّس واليومي.
ينطلق شعر بلال المصري من تربة عربية عميقة، مشبعة بروح التصوف وحكمة التجربة، ومثقلة بآثار الحروب والاقتلاع، لكنه في الوقت نفسه يتحاور بوعي مع التراث الشعري العالمي، ومع الأسئلة الوجودية والفكرية للإنسان المعاصر. في صور شعرية تجمع بين الجمال والعنف، تتجاور رمزية الياسمين، بوصفه علامة الطهارة والنقاء، مع الرصاص، في مشهد صادم يختصر مأساة الإنسان الحديث، ويحوّل التناقض إلى طاقة شعرية خلاقة.

وبالمثل، يستحضر الشاعر صورة الخبز، رمز الغذاء والحياة، لكنه يعكس في الوقت ذاته الألم والدمار، فتتمدد الصورة لتجمع بين البعد الروحي والتجربة الإنسانية القاسية في مناطق الصراع والحروب.

كما ينجح الشاعر في وصل الأزمنة، إذ تستدعي قصائده أسئلة الفلاسفة القدماء والمتصوفة، لكنها تُقال بلسان اليوم، بقلقه واغترابه وجراحه المفتوحة. في إحدى قصائده، يتأمل استحالة محو الظلام بالكامل، حتى لو استُحضرت ألف شمس، في إشارة فلسفية عميقة إلى أن المعاناة جزء لا ينفصل عن الوجود الإنساني، وهو تأمل يستعيد حكمًا قديمة ويعيد طرحها في سياق معاصر.
أما الطريق الروحي القديم، فيتحول في إحدى القصائد إلى مسار إنساني حديث، تسلكه جموع تائهة في صحراء رمزية، تقودها نجوم متعارضة، في تجسيد بليغ لتجربة المنفى والبحث عن المعنى في القرن الحادي والعشرين.

وأكثر ما يميز هذا الديوان هو كسر الحواجز بين المقدّس واليومي، فتتجلى القداسة في التفاصيل البسيطة. ففي قصيدة عن الأم، يصوّر الشاعر صمتها كقارب، ويجعل البحر قطرة على كفها، محوّلًا العلاقة الأسرية إلى تجربة كونية يلتقي فيها الحميمي بالروحي.
كما يؤكد الشاعر، في نص آخر، أن لكل كائن قلبًا نابضًا، وأن الإنسان يقف في قلب الحياة حاملًا نبض الحب في داخله، في رؤية ترى في المحبة والرحمة قوة خلاصية تتجاوز الحدود الدينية والسياسية. وحتى الصراعات والحروب تُقدَّم بوصفها فرصة لاستعادة التعاطف الإنساني، حيث تتحول الأفعال اليومية البسيطة إلى ممارسات ذات بعد أخلاقي وروحي عميق.

إن «بسببك» ليس مجرد ديوان شعري، بل نشيد إنساني شامل، يؤكد أن الشعر قادر على أن يكون جسرًا لا جدارًا، ومساحة ت «الشعر الكبير» وتأملًا شاملًا في التجربة الإنسانية.



إقرأ المزيد