طبيبة على مدرجة التحديات والعطاء
الزمان -

الدكتورة إخلاص الحديدي: سيرة امرأة جعلت من الوعي علاجاً ومن الطب رسالة مجتمعية

 

أحمد الحاج

في زمنٍ تتعاظم فيه الحاجة إلى فهم النفس البشرية بقدر الحاجة إلى علاج الجسد، تبرز الدكتورة إخلاص محمد علي حسين الحديدي بوصفها نموذجاً لطبيبةٍ اختارت أن تقف في المسافة الأكثر حساسية بين الألم والأمل، وأن تجعل من الطب النفسي مساحةً للحوار الإنساني بقدر ما هو علمٌ قائم على التشخيص والعلاج. فهي تنتمي إلى جيلٍ من الأطباء الذين لم يكتفوا بممارسة المهنة داخل الجدران الطبية التقليدية، بل نقلوا رسالتها إلى المجتمع، مؤمنين بأن الصحة النفسية حقٌّ أصيل وليست رفاهية.

وُلدت محمد علي حسين الحديدي في مدينة الموصل في التاسع عشر من كانون الثاني عام 1978، ونشأت في بيئة علمية وثقافية تركت أثرها الواضح في تكوين شخصيتها. بدأت رحلتها التعليمية في مدرسة النخيل الابتدائية، قبل أن تخوض تجربة مبكرة من الانفتاح الثقافي حين انتقلت إلى أيرلندا برفقة والدها الأكاديمي الذي كان يسعى لنيل درجة الدكتوراه في جامعة دبلن. هناك، في مدارس دبلن، عاشت تجربة تعليمية متعددة الثقافات أسهمت في تشكيل وعيها المبكر باختلاف المجتمعات واحتياجاتها النفسية، وهو وعيٌ سيصبح لاحقاً أحد أعمدة رؤيتها المهنية.

عادت إلى العراق لتكمل دراستها الإعدادية في الموصل، حيث واجهت تحديات اللغة والاندماج، لكنها حولت هذه التجربة إلى فرصة لفهم أعمق لمعاناة الإنسان في بيئات الانتقال والتغيير. ثم انتقلت إلى ليبيا مع عائلتها، والتحقت بكلية الطب في جامعة سبها، قبل أن تعود إلى العراق وتكمل مسيرتها الأكاديمية في كلية طب الموصل، لتحصل على شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة العامة عام 2006.
بدأت الحديدي مسيرتها المهنية في عدد من مستشفيات الموصل، حيث تنقلت بين مستشفى ابن الأثير للأطفال ومستشفى ابن سينا التعليمي ومستشفى الخنساء للنسائية والأطفال ومستشفى الموصل العام، مكتسبة خبرة سريرية متنوعة. لاحقاً عملت طبيبة تدرج في مستشفى البعاج، قبل أن تستقر في الشعبة النفسية في مستشفى ابن سينا التعليمي، حيث بدأت ملامح تخصصها الحقيقي في الطب النفسي تتبلور. وقد تُوج هذا المسار بقبولها في برنامج البورد العربي للطب النفسي، الذي أنهته في جمهورية مصر العربية عام 2015، محققة المرتبة الأولى على مستوى العراق، في إنجاز يعكس تميزها العلمي والتزامها الأكاديمي.

غير أن المسار المهني للدكتورة إخلاص لا يمكن فهمه بمعزل عن الظروف التاريخية التي مر بها العراق، خصوصاً خلال فترة النزوح الجماعي إثر سيطرة القوى الظلامية، حيث وجدت نفسها في مخيمات النازحين في أربيل، تعمل في ظروف إنسانية قاسية، مقدمة الدعم النفسي لآلاف المتضررين من الحرب. هناك، تحولت الممارسة الطبية لديها إلى فعل إنساني شامل، يعالج اضطرابات الصدمة والاكتئاب والقلق، ويعمل على منع الانتحار وإعادة بناء الشعور بالأمان لدى الأفراد.

تعززت خبرتها الدولية من خلال عملها مع منظمة أطباء بلا حدود – الفرنسية، حيث شاركت في برامج الصحة النفسية المجتمعية وأسهمت في تدريب الكوادر المحلية وفق المعايير العالمية، وحصلت على عدد من الشهادات التخصصية، من بينها برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية (MHGAP)، إلى جانب دبلوم علم النفس الإكلينيكي ودبلوم علم نفس الطفولة من مؤسسة نور الحسين بالتعاون مع الجامعة الألمانية الأردنية، فضلاً عن تدريبات متقدمة في العلاج الجماعي لضحايا الحروب وبرامج منظمة الصحة العالمية، وشهادة EMDR، وشهادة طرائق التدريس.

إلى جانب عملها العلاجي، برز دورها الأكاديمي والتوعوي؛ فقد عملت مدرّسة في كلية طب نينوى، ومدرّبة لطلبة البورد العربي في الطب النفسي، وأسهمت في تقديم محاضرات وورش عمل حول قضايا الانتحار والاحتراق الوظيفي والإدمان والصحة النفسية المجتمعية. وكانت من أوائل المبادرين إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي لنشر التوعية النفسية في الموصل، بهدف كسر الوصمة الاجتماعية وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول العلاج النفسي.

شكلت وفاة والدها عام 2023 محطة إنسانية مؤلمة في حياتها، إذ كان مثالاً علمياً وشخصياً رافق مسيرتها منذ الطفولة، غير أن هذه التجربة عمّقت رؤيتها لمعنى الفقد والألم، وأعادت صياغة علاقتها بالعمل بوصفه مساحةً للمعنى والوفاء.
تجيد الدكتورة إخلاص اللغة الإنجليزية واللاتينية بطلاقة، وتجمع في منهجها العلاجي بين المدرسة البريطانية (مودزلي) والمدرسة المعرفية السلوكية الأمريكية التي أسسها آرون بيك، في محاولة لخلق مقاربة علاجية متوازنة تجمع بين العلم الحديث والخصوصية الثقافية للمجتمع العراقي، وهذا التخصص لا يجيده إلّا عدد قليل جداً من الأطباء النفسانيين في العالم.

خلاصة القول أن الدكتورة إخلاص الحديدي مثالاً للمرأة العراقية التي حولت التحديات إلى مشروع إنساني طويل الأمد، وجعلت من التوعية النفسية رسالةً تتجاوز حدود العيادة الطبية. فهي تؤمن بأن إنقاذ إنسان من اليأس لا يقل قدسية عن إنقاذ جسده من المرض،وأن الكلمة الواعية قد تكون أحياناً أقوى من الدواء، وأبقى أثراً من الألم. وهي عضو في نقابة الأطباء العراقية – فرع نينوى، وعضو في الجمعية النفسية العراقية.



إقرأ المزيد