هذا اليوم - 2/20/2026 10:39:57 AM - GMT (+3 )
بغداد اليوم - بغداد
ملف مزدوجي الرواتب واحد من أكثر الملفات حساسية في المالية العامة العراقية؛ الكل يتحدث عن "هدر كبير" و"أعداد ضخمة"، لكن لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات منشورة للرأي العام توضّح كم عدد المستفيدين فعلًا، وكم يكلفون الموازنة سنويًا، ومن أي أبواب يدخل هذا النزيف. في المقابل، تتزايد التحذيرات من تضخم فاتورة الرواتب، والحديث عن صعوبة الاستمرار بهذا الإيقاع حتى عام 2030 من دون إصلاح جذري لمسار الإنفاق.
ما المقصود بـ"مزدوجي الرواتب"؟ والإطار القانوني
من حيث التعريف، يشمل "مزدوجو الرواتب" ثلاث فئات رئيسية: من يجمع بين وظيفتين حكوميتين، من يجمع بين راتب وظيفة مدنية وراتب عسكري أو أمني، ومن يتقاضى راتبًا وظيفيًا مع راتب امتياز أو تعويض (مثل بعض الفئات الخاصة) من دون سند استثنائي واضح. القانون العراقي يمنع الجمع بين وظيفتين حكوميتين وراتبين حكوميين، إلا في حالات محددة ينظمها القانون بشكل صريح، لكن المشكلة ليست في النص بل في التطبيق، وفي تعدد قواعد البيانات واختلاف الجهات التي تصرف الرواتب. تقارير إعلامية ودراسات تشير إلى أنّ الجمع بين أكثر من راتب يجري غالبًا عبر ثغرات في تسجيل الخدمة، وعدم ربط أنظمة الدفع الإلكتروني وقواعد البيانات الوظيفية بعضها ببعض.
أعداد مزدوجي الرواتب.. من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف
لا توجد حتى الآن إحصائية رسمية حديثة ومعلنة للرأي العام تحدد بدقة عدد مزدوجي الرواتب، لكن بعض المؤشرات المتفرقة تعطي صورة عن حجم الفجوة. تقرير قديم لديوان الرقابة المالية عن عام 2012 أشار إلى وجود أكثر من 22,000 موظف يتقاضون أكثر من راتب، بناءً على مطابقة بيانات تلك الفترة، مع التأكيد في حينه على أن الرقم لا يعكس كل الواقع بسبب نقص قواعد البيانات الموحدة.
لاحقًا، صرّحت اللجنة المالية النيابية في أحد اللقاءات الإعلامية بأن عدد مزدوجي الرواتب والموظفين "الفضائيين" قد يصل إلى نحو 600,000 حالة، في تقدير يجمع بين من يتقاضون أكثر من راتب ومن هم مسجلون على الملاك من دون دوام فعلي. هذا الرقم لم يُحوَّل إلى تقرير رسمي منشور، لكنه يُستشهد به كثيرًا عند الحديث عن حجم الخلل في ملف الرواتب.
وفي تقدير إعلامي آخر منسوب لخبراء اقتصاديين، جرى الحديث عن أن كلفة الرواتب المزدوجة قد تصل إلى نحو 18 تريليون دينار سنويًا، أي أكثر من إجمالي الإيرادات غير النفطية التي قُدّرت بحوالي 15 تريليون دينار في بعض التقديرات، ما يعني أنّ جزءًا مهمًا من الموارد غير النفطية قد يُستنزف في رواتب لا تستند كلها إلى استحقاقات حقيقية.
بموازاة ذلك، طُرحت أرقام إعلامية تتحدث عن أن ما يقرب من 17% من فاتورة الرواتب العامة قد تتضمن حالات مزدوجة أو مشكوكًا بوضعها، وهي نسبة تعكس حجم الشكوك أكثر مما تعكس إحصاءً رسميًا، لكنها تكشف فجوة الثقة بين الشارع والمنظومة المسؤولة عن إدارة الملف.
النتيجة الواضحة من تباين هذه الأرقام أنّ الدولة نفسها لم تقدّم حتى الآن رقمًا نهائيًا ومدعومًا بتقرير تفصيلي منشور عن عدد مزدوجي الرواتب، وهذا ما يسمح بتضخم الشائعات من جهة، ويؤجج الشكوك حول جدية المعالجات من جهة أخرى.
فاتورة رواتب متضخمة.. والرواتب المزدوجة جزء من الصورة
بحسب بيانات منشورة عن المالية العامة، بلغت فاتورة رواتب القطاع العام الفيدرالي في العراق (من دون إقليم كردستان) أكثر من 47 تريليون دينار في عام 2023، في سياق تضاعفت فيه نفقات الرواتب خلال عقد واحد تقريبًا. هذه الأرقام تعني أن الدولة تسير نحو نموذج إنفاق يعتمد بشكل متزايد على تمويل الرواتب والتقاعد وشبكات الحماية الاجتماعية، مقابل ضعف في الإنفاق الاستثماري.
في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي علي جلوب في حديث لـ"بغداد اليوم" أنّ ملف الرواتب في العراق يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا، مشيرًا إلى أنّ الرواتب تستحوذ على نحو 65% من إجمالي النفقات التشغيلية في البلاد. ويرى جلوب أنّ أي هدر أو تضخم في كتلة الرواتب خارج حدود الاستحقاق القانوني يمثّل عبئًا مباشرًا على الموازنة العامة، ولا سيما أنّ الرواتب تمثّل النسبة الأعلى من الإنفاق الحكومي.
ويبيّن جلوب أنّ ملف الرواتب لا يرتبط فقط بحجم كتلة الأجور، بل أيضًا بطبيعة توزيعها بين المركز والإقليم، وداخل بنية الدولة نفسها، حيث يشكّل محورًا أساسيًا في التفاوض المالي بين بغداد وأربيل، إلى جانب ملف الذين يتقاضون أكثر من راتب واحد، سواء كانت بعض تلك الاستحقاقات قائمة على أسس قانونية أو نتاج ثغرات وسوابق غير منضبطة. كما يشير إلى أنّ إنهاء ملف ازدواج الرواتب يمكن أن يحقّق قدرًا من العدالة المالية، مع إعادة النظر في بعض الملفات التي تحوّلت بمرور الوقت، مثل رواتب رفحاء وغيرها، إلى أعباء إضافية على الموازنة.
ويؤكد جلوب أنّ إصلاح ملف الرواتب يتطلب حزمة أدوات متكاملة، في مقدّمها توطين الرواتب، والأتمتة، والحوكمة، واعتماد الرقم الوظيفي الموحّد، لما لذلك من دور حاسم في كشف حالات الازدواج ومعالجة الإشكاليات المتعلقة بأنواع الرواتب المختلفة في العراق. وفي الوقت نفسه، يلفت إلى أنّ ما يُتداول عن وصول كلفة مزدوجي الرواتب إلى 18 تريليون دينار سنويًا رقم مبالغ فيه، وأن المقارنات الدقيقة بين أعداد مزدوجي الرواتب وما يتقاضونه فعليًا تشير إلى مبالغ أقل بكثير مما يُشاع، من دون أن يلغي ذلك خطورة الملف وضرورة حسمه.
خبراء اقتصاديون يشيرون إلى أنّ أي نقاش حول "خطر الرواتب على استدامة الموازنة" يفقد جزءًا من جديته إذا لم يبدأ من ملف مزدوجي الرواتب والامتيازات الخاصة، بوصفها الحلقة التي تجمع بين الهدر المالي المباشر وبين غياب العدالة بين الموظفين. بعض التحليلات تذهب إلى أنّ معالجة أزمة السيولة أو الخشية من تأخير الرواتب تقتضي أولًا إغلاق ملف مزدوجي الرواتب وإعادة النظر بالرواتب الخاصة والامتيازات الكبيرة، قبل التفكير بأي إجراءات تمسّ رواتب موظفي الخدمة الاعتيادية.
الرقم الوظيفي وقواعد البيانات.. لماذا لم يُحسم الملف؟
من الناحية التقنية، الدولة بدأت منذ سنوات مشروع "الرقم الوظيفي" وربط بيانات الرواتب بأنظمة إلكترونية موحدة، بهدف الوصول إلى ما يشبه "تعداد وظيفي تفصيلي" لكل موظفي الدولة. هذا المشروع يمكنه في حال استكماله أن ينتج تقارير دقيقة عن كل العاملين في الدولة بحسب الدرجة والعنوان والتحصيل الدراسي وطبيعة الخدمة والمنصب، ويمكّن في اللحظة نفسها من كشف حالات الازدواج الوظيفي والراتبي. لكن استجابة الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة في تزويد قواعد البيانات لم تكن بالمستوى المطلوب، ما أبقى قاعدة المعلومات منقوصة.
إلى جانب ذلك، أعلنت وزارة التخطيط قبل سنوات عن تسجيل ملايين الأرقام الوظيفية، وحددت الجهات المسؤولة عن محاسبة مزدوجي الرواتب، مثل ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة النزاهة ووزارة المالية، لكن لم يصدر حتى الآن تقرير تفصيلي للرأي العام يوضح ما الذي أُنجز فعليًا: كم حالة تم اكتشافها؟ كم مبلغ استُرجع؟ وكم ملف أُحيل إلى القضاء؟
هذا الغياب للشفافية يغذي الانطباع بأنّ المعالجات تجري "بصمت" أو ضمن تسويات داخلية، من دون أن يشعر المواطن بأن هناك حملة حقيقية وعادلة تطال كل المستفيدين من الازدواج، سواء كانوا موظفين صغارًا أو أصحاب درجات خاصة ومسؤولين نافذين.
أبعاد اجتماعية وسياسية.. لماذا يتأخر الحسم؟
ملف مزدوجي الرواتب ليس ماليًا فقط؛ له كلفة اجتماعية وسياسية تجعل حسمه أكثر تعقيدًا. من جهة، هناك شريحة من الموظفين الذين حصلوا على راتب ثانٍ عبر قوانين أو قرارات استثنائية (تعويضات، امتيازات، رعاية فئات خاصة)، وأي مساس برواتبهم بدون معالجة قانونية مدروسة قد يفتح نقاشًا اجتماعيًا واسعًا حول العدالة في توزيع الدخل، وحول الفئات التي ينبغي أن تتحمل عبء الإصلاح.
من جهة أخرى، تُتهم أحزاب وقوى نافذة باستغلال موارد الدولة في تكوين شبكات موالين عبر التعيينات والرواتب، ما يجعل ملف الازدواج مرتبطًا بخرائط النفوذ السياسي لا بالجانب الإداري وحده. لذلك تُطرح أحيانًا أرقام كبيرة عن "مزدوجي الرواتب والفضائيين" من دون أن تقترن بخطوات مكشوفة ومتابعة قضائية واضحة، لأنّ جزءًا من هذه الكتلة يرتبط سياسيًا بجهات مؤثرة.
في الخلفية، تخشى الحكومات من أنّ حملة سريعة وحادّة على مزدوجي الرواتب من دون بدائل تشغيلية أو تعويضية قد تخلق صدمة اجتماعية في بيئة تعتمد فيها ملايين الأسر على الرواتب الحكومية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في ظل ضعف القطاع الخاص وفرص العمل البديلة.
ما المطلوب حتى يكون الملف "شفافًا"؟
لكي يتحول ملف مزدوجي الرواتب من عنوان إعلامي إلى إصلاح ملموس، يحتاج – كما يشير كثير من الخبراء – إلى ثلاث خطوات واضحة:
أولًا، استكمال وربط قواعد البيانات الوظيفية والمالية (الرقم الوظيفي، أنظمة الدفع الإلكتروني، بيانات التقاعد والضمان الاجتماعي) تحت مظلة واحدة، وإلزام كل المؤسسات بتحديث بياناتها ضمن سقف زمني محدد.
ثانيًا، نشر تقرير رسمي علني، يصدر عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي أو جهة رقابية عليا، يبيّن عدد الحالات المكتشفة، قيمة المبالغ المستردة، توزيعها حسب الوزارات والمحافظات، وطبيعة الإجراءات المتخذة، بما في ذلك إحالة ملفات إلى القضاء عند ثبوت التعمد.
ثالثًا، التدرج في المعالجة بحيث يُعاد توظيف القادرين منهم في مواقع يحتاجها الجهاز الإداري، بدل الاكتفاء بقطع الراتب وخلق خصومة جديدة بين المواطن والدولة، مع مراجعة القوانين الخاصة بالامتيازات والرواتب التعويضية، لضمان عدالة أكبر في توزيع الدعم.
من دون هذه الخطوات، سيبقى ملف مزدوجي الرواتب مساحة مفتوحة للتقديرات المتناقضة، وسيتحول رقم "الرواتب المزدوجة" إلى شماعة تُعلَّق عليها كل أزمات الموازنة من غير أن يرى المواطن أثرًا واضحًا على الأرض، حتى مع كل التصريحات والتحذيرات المتكررة التي يطلقها الخبراء والمتخصصون.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات
إقرأ المزيد


